نرمين بيزمان تروي الحب في زمن الحرب

2020-12-21 | منذ 6 شهر

 في الرواية تصدر بيزمان عن منظور روائي سلبي للثورة البلشفية

سلمان زين الدين*

«حب وحرب» (ثقافة للنشر والتوزيع) هي الحلقة الخامسة عشرة في السلسلة الروائية للكاتبة التركية نرمين بيزمان، المفتوحة في بعض حلقاتها، على السيرة الذاتية، والفانتازيا، وأدب الطفل. ولعل السؤال الأول الذي تطرحه هذه الحلقة هو: هل هي سيرة أم رواية؟ وهو يتعلق بالنوع الأدبي، بطبيعة الحال. ففي «حب وحرب» تُجري الكاتبة بحوثاً في تاريخ العائلة تتمحور حول جدها لأمها، وتستخدم شخصيات حقيقية، وتحدد الأماكن والتواريخ، وتُذيل كتابها بصور قديمة لأفراد من أسرتها، ما يجعلها في صلب السيرة العائلية.

غير أن تحكمها في مجرى الأحداث، وخروجها عن كرونولوجية الزمن في الفصول الأولى، وردمها الفجوات بين المحطات التاريخية بالتفاصيل المتخيلة، يضعها في قلب العملية الروائية.

وبذلك، نكون أمام سيرة روائية، أو رواية سِيَرية تقوم فيها الكاتبة بتقريب المسافة بين النوعين إلى حد الإلغاء، لاسيما أن كلا النوعين ينتمي إلى العائلة السردية نفسها.

تشكل الحرب الخلفية التاريخية لعلاقة الحب الرومانسية الجميلة التي تتناولها الرواية، ذلك أن الأحداث تجري بين عامي 1892 و1924، وهي اللحظة التاريخية التي تجري فيها الحرب العالمية الأولى، وتندلع فيها الثورة البلشفية في روسيا، وينجم عنها تحطم الامبراطورية الروسية بفعل الثورة، وتقسيم الامبراطورية العثمانية بفعل الحرب، وعلى أراضٍ من هاتين الأمبراطوريتين تتحرك الأحداث العامة التي تشكل الخلفية التاريخية للرواية، والأحداث الخاصة التي تشكل الرواية نفسها.

ويكون على بطل الرواية أن ينتقل من امبراطورية محطمة إلى أخرى مقسمة، وأن تنعكس عليه وعلى سواه من الشخوص تبعات التحطيم والتقسيم.

بالانتقال من التعميم إلى التخصيص، ترصد الرواية التحولات التي تطرأ على شبه جزيرة القرم، إثر اندلاع الثورة البلشفية عام 1917، وما يترتب عليها من مصادرة أراضٍ، وتهجير سكان، وتهديم بيوت، وقتل معارضين. وهي تفعل ذلك، من خلال رصد حركة الشخوص، لاسيما حركة بطلي العلاقة، سييت الضابط في الحرس الأمبراطوري وشورا الارستقراطية الروسية الجميلة، وهي العلاقة الأم التي تحف بها العلاقات الأخرى بين الشخوص المختلفين، بشكل أو بآخر.

وهي الحدث الروائي الذي تتمحور حوله سائر الأحداث. فسييت يتحدر من أسرة من ملاك الأراضي في مدينة ألوشتا الكائنة في منطقة القرم، وهو ابن الرائد محمد إيمينوف المقرب من القيصر نيقولاس الثاني، لذلك، لم يكن غريباً أن تصله هدية من القيصر في يوم ختانه، وأن يقوم أبوه بإخضاعه لدورات منتظمة في اللغة الروسية وتدريبه على ركوب الخيل، تمهيداً لإلحاقه بالأكاديمية العسكرية، الأمر الذي يتحقق لاحقاً.

وشورا تتحدر بدورها من طبقة النبلاء الأرستقراطية، وهي بنت أخ ضابط كبير في الجيش، ما يعني أن طرفي العلاقة ينتميان إلى طبقة النبلاء، ويدينان بالولاء للقيصر. ويكون عليهما أن يدفعا غالياً ثمن هذين الانتماء والولاء، في مرحلة لاحقة.

في حفل عشاء راقص في قصر بورينسكي في موسكو، يلتقي سييت بشورا، وتندلع بينهما علاقة، تتدرج من تبادل النظرات، إلى الرقص والعناق، فالقبل. وتتعدد الفرص التي تتيح لها النمو والتطور. وتتراوح بين حفل الاستقبال، والسهرة البيتية، والجولة الميدانية، والرحلة الريفية. وتتمخض عن تناغمٍ روحي بين سييت وشورا، يتم تتويجه باتحادٍ جسدي كامل.

وتحيط بهما في هذه الفرص مجموعة من الأصدقاء ورفاق السلاح وأبناء الطبقة نفسها، الذين يوفرون فضاءً روائيا مناسباً لنمو العلاقة وتطورها بين الحبيبين. وتشكل مدن بتروغراد وموسكو وكيسلوفودسك ونوفوروسيسك وفيودوسيا وألوشتا وسينوب وإسطنبول المجال الحيوي لحركة هذه العلاقة.

غير أن ظروفاً موضوعية وأخرى ذاتية سيكون لها تأثيرها في طرفي العلاقة، بشكل أو بآخر؛ فهما يتحدران من قوميتين مختلفتين: تترية وروسية. ينتميان إلى دينين مختلفين: المسيحية والإسلام.

يصطدمان بالعقلية المحافظة لأسرتيهما. وهو سيلتحق بالجبهة النمساوية، ولا يعرف متى يعود منها، حتى إذا ما اندلعت الثورة يتعرضان لخطر الملاحقة. ويكون عليهما أن يعودا مع صديقيهما، الضابط سليل والراقصة تاتيانا، المنخرطَيْن، بدورهما، في علاقة حب، إلى ألوشتا حيث ينشأ سييت وتقيم عائلته.

 

في روايتها، تصدر بيزمان عن منظور روائي سلبي للثورة البلشفية، فتنسب إليها شتى أنواع الفظائع، وتعلن انحيازها لطبقة النبلاء التي يتحدر منها جدها لأمها سييت. وبذلك، تنحاز إلى الضحايا الجدد على حساب الضحايا القدماء.

غير أن اصطدامه بموقف والده المحافظ الرافض لارتباط ابنه بفتاة روسية يدفعه إلى مغادرة البيت والإقامة في بيت الكرم، ومن ثم شراء بيت خاص به على تلةٍ مشرفة على ميناء المدينة، حتى إذا ما أحدقت به الأخطار، وغدا قاب قوسين أو أدنى من القبض عليه، بِتَرَبصٍ من بترو الصديق القديم الخائن لطبقته وأصدقائه، يقوم بتدبير أمر خروجه بحراً إلى سينوب التركية، بمساعدة يوسف صديق الطفولة المنخرط في الثورة، دون أن يُعلم حبيبته بذلك خوفاً من تعريض حياتها للخطر، لكنها ما إن تعلم بالأمر حتى تخاطر بحياتها بمساعدة شقيقه الأصغر عثمان، وتلتحق بالمركب الذي سيغادر فيه دون علمه.

في الطريق، يخسر شقيقه الذي يطلق عليه الرماة النار خلال محاولته اللحاق به، ويتعرض للمطاردة في عُرْض البحر، ويبدي بطولة خارقة في التصدي للمطارِدين، حتى إذا ما أفلح في النجاة، وأحس بخسارة الوطن والعائلة والأرض والأخ والحبيبة، تفاجئه شورا التي كانت مختبئة في المركب بحضورها، فتعيد إليه توازنه، ويرى فيها تعويضاً عن كل ما خسر.

في تركيا، يكون عليهما أن يتنقلا بين سينوب وإسطنبول وأماسيا وباديرما، وينتهي بهما المطاف في إسطنبول. ويكون عليهما التنقل بين مهنٍ وضيعة لا تتناسب مع أصولهما الطبقية، فيعمل هو في مزرعة ومصبغة وتقطير الفودكا، وتعمل هي في كي الثياب وفي صيدليـــــة زيزيمسكي الروسية، الكائنة في حي بيرا الإســــطنبولي، وخلال مزاولتهما هذه الأعمال لا يتخليان عن أخلاقهما الأرســـتقراطية وأناقتهما، ويحافظان على كرامتهما، ويتحملان الانقلاب الجذري الذي طرأ على نمط عيشـــهما بصبر وكبرياء. وكثيراً ما كانت الذكريات والغرق في الحب وممارسة الجنس خير معينٍ لهما على مواجهة آثار الانقلاب.

إزاء هذه الوقائع، تصمد العلاقة بين الحبيبين بقوة الحب، ويضحي كل منهما بأغلى ما يملك في سبيل الآخر، وتمضي الحياة على رسلها، لا ينغصها سوى الابتعاد عن الوطن وخسارة الامتيازات الطبقية. غير أن حدثاً لم يكن في الحسبان يُشكل انعطافة في مسار العلاقة وبداية اهتزازات ستترك تأثيرها فيها، فتأتي مشاهدة سييت حبيبته ذات مساء خارجةً من الصيدلية تتأبط ذراع أحدهم وتضحك له، وتلقي برأسها على كتفه، دون أن يعلم أنه ابن خالتها القادم للتو من روسيا مع أفراد من أسرتها، لتهدد عالمه بالانهيار.

يعود إلى غرفته في المصبغة كسير الخاطر ليرتمي بين يدي ماروشكا العاملة فيها، حتى إذا ما صادفتها شورا في الصباح خارجةً من غرفته، مخلفةً معطفها فيها، تعيش الصدمة نفسها التي عاشها هو بالأمس، وتعود من حيث أتت. هاتان الواقعتان تُحدثان تصدعاً في جدار العلاقة، لم تفلح التوضيحات المتبادلة في جلائه كليا. وتأتي واقعة انتقال شورا للسكن مع أفراد أسرتها الذين قدموا إلى إسطنبول بفعل الحرب، لأنها لا تستطيع أن تبرر لهم الإقامة مع رجل غريب لتزيد الطين بلة، فتتحول العلاقة بين الحبيبين إلى علاقة غير منتظمة.

ثم يُشكل زواجه من مريم الفتاة التركية الصغيرة، وانخراطها في علاقة مع قبطان فرنسي ثالثة الأثافي والقشة التي تقصم ظهر البعير.

وهكذا، يتموقع سييت بين فتاة تركية صغيرة تحمل ابنه، ولا يستطيع التخلي عنها وحبيبة روسية قديمة لم يعد بوسعه الارتباط بها. وتتموقع شورا بين قبطانٍ فرنسي لا ترغب في الزواج منه وحبيبٍ قديم لم يعد بوسعها أن تتزوج منه. ويكون على كل منهما أن يبقى مشتتاً بين قلبه وعقله. ومع هذا، يبقى كل منهما وطن الآخر وحبيبه الأول والأخير، فيقومان حين تتاح لهما فرصة اللقاء خلسةً عن الآخرين بإغراق نفسيهما في الدموع والحب والجنس.

وانطلاقاً من هذه العلاقة، وحرصاً منه على مستقبل حبيبته واستقرار أسرته، يقوم سييت بإقناعها بقبول عرض الزواج الفرنسي، بعد أن كانت رفضته لعدم رغبتها في الابتعاد عن أرضٍ يقيم فيها حبيبها، ما يشكل تضحية واضحة، من قِبَلها. ويصطحبها بنفسه إلى السفينة قبل إقلاعها، ويُوصي بها خيراً، ما يشكل غاية في التضحية، من قِبَله.

بهذه الواقعة تنتهي الرواية في الفصل الثلاثين. غير أن السيرة تحتاج إلى الخاتمة التي تذكر فيها الكاتبة مصائــــر الشخوص الآخرين الفاجعة لتنتهي. وهكذا، تختلف كل من السيرة والرواية في «حب وحرب» في البداية والنهاية، وتتفقان في ما بينهما. وبمعزل عن الاتفاق والاختلاف، تقولان قدرة الحب على مقاومة الصعاب، وتخطي الحواجز القومية والدينية والجغرافية، والانتصار على الحرب.

في روايتها، تصدر بيزمان عن منظور روائي سلبي للثورة البلشفية، فتنسب إليها شتى أنواع الفظائع، وتعلن انحيازها لطبقة النبلاء التي يتحدر منها جدها لأمها سييت. وبذلك، تنحاز إلى الضحايا الجدد على حساب الضحايا القدماء. وبمعزل عن المنظور الروائي وموقف الكاتبة من هذه الطبقة أو تلك، نحن إزاء رواية كلاسيكية ـ رومانسية جميلة تستحق الجهد المبذول في قراءة صفحاتها التي تزيد عن أربعمئة وخمسين صفحة.

 

  • شاعر وناقد لبناني

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي