أمريكا تحرك المياه الراكدة.. هل يُطالب المغرب إسبانيا باسترجاع سبتة ومليلية؟

متابعات/الأمة برس
2020-12-20 | منذ 7 شهر

أعاد موقف إسبانيا الرافض للاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء المتنازع عنها مع جبهة "البوليساريو"، إحياء مطلب استرجاع مدينتي سبتة ومليلية لدى عدد من المغاربة، فيما يُفضل المغرب تأجيل الملف تجنباً للتوتر العلاقات مع إسبانيا وفتح أكثر من جبهة في وقت واحد.

وتحتل إسبانيا مدينتي سبتة ومليلية منذ قرون، وتُعتبران من أقدم المستعمرات في العالم، إذ إنهما تخضعان للحكم الذاتي، كما أن الدستور الإسباني يعتبر المدينتين جزءاً من تراب إسبانيا ولهما ممثلين في البرلمان.

من جهته لا يعترف المغرب بسيادة إسبانيا على سبتة ومليلية، لكنه لم يضع الملف على طاولة اللجنة الرابعة لتصفية الاستعمار التابعة للأمم المتحدة، إلا أن الموقف الإسباني الأخير من الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، حرك المياه الراكدة، وأعاد الدعوة إلى إنهاء احتلال المدينتين.

الاحتلال عمره قرون

تعتبر مدينتا سبتة ومليلية أولى المستعمرات في شمال إفريقيا، فمدينة سبتة استعمرت سنة 1415 ميلادية، أي قبل سقوط غرناطة، وذلك من طرف البرتغال، هذه الأخيرة التي تنازلت عن المدينة للإسبان سنة 1668 بمقتضى معاهدة لشبونة مقابل اعتراف إسبانيا باستقلال البرتغال،  فيما احتلت مليلية من قبل الإسبان سنة 1497 ميلادية.

ويرى المؤرخ المغربي الراحل محمد حكيم بنعزوز، وهو حفيد إحدى العائلات الموريسكية التي طُردت من الأندلس في حوار سابق مع جريدة "التجديد" أن "احتلال سبتة جاء في سياق رد الفعل على الوجود الإسلامي الطويل في الأندلس، فقبل سقوط مدينة غرناطة، آخر الممالك الإسلامية، قام البرتغاليون باحتلال مدينة سبتة سنة 1415، وهذا كان إبرازاً للقوة أمام الغرناطيين الذين كانوا لا يزالون يقاومون من أجل البقاء".

ويزكي المؤرخ والمفكر المغربي امحمد جبرون ما ذهب إليه محمد حكيم بنعزوز بالقول إن "احتلال مدينتي سبتة ومليلية جاء في ظرفية اتسمت باختلال موازين القوى بين الشمال والجنوب، أو ما سُمي حروب الاسترداد".

وأضاف المتحدث أن "البرتغاليين سيطروا على سبتة لأسباب استراتيجية عسكرية وأخرى دينية، فالمدينة هي قاعدة متقدمة للنصارى، الذين كانوا يرغبون في منع المسلمين من العودة إلى الأندلس مرة أخرى، فضلاً عن الخلفية الدينية، إذ كان مشروع نشر المسيحية في شمال إفريقيا واحد من الأبعاد والخلفيات الأساسية عند البرتغاليين".

ويؤكد المؤرخ المغربي أن "سبتة تُعتبر واحدة من المدن المغربية التاريخية العظيمة، ولا تقل أهمية عن مدينة فاس ومراكش من الناحية العلمية، إذ نجد مثلاً أن عدداً من العلماء المغاربة وعائلات مغربية عريقة يحملون اسم السبتي".

محاولات الاسترجاع

تؤكد كل المصادر التاريخية المغربية أن المغاربة قاموا بعدة محاولات من أجل استرجاع مدينتي سبتة ومليلية، إلا أن كل المحاولات لم تصل إلى نتيجة حتمية، فضلت المنطقة "غير متنازع عنها"، معلقة شكلياً، إلا أنها قانونياً خاضعة للسيطرة الإسبانية.

ويؤكد المؤرخ الراحل  المغربي محمد حكيم بنعزوز في حوار سابق مع صحيفة "التجديد" أن "المغاربة بذلوا جهوداً كبيرة لاسترجاع المدينتين، إذ يُسجّل التاريخ أن هناك أكثر من مئة حصار ضربت على المدينتين من أجل استرجاعهما، وكانت هناك هجمات ومعارك يومية ومستمرة من أجل دحر الاحتلال، فبالنسبة لمدينة سبتة على سبيل المثال، فقد حُوصرت من طرف المولى إسماعيل في المرة الأولى 5 سنوات، أما المرة الثانية فقد حاصرها 34 سنة وهو أطول حصار في التاريخ".

وبحسب امحمد جبرون، فإن "قوة التحصينات التي وضعها الإسبان في مدينة سبتة حالت دون سيطرة المولى إسماعيل عليها، فضلاً عن عدم سيطرته على الأجواء البحرية".

هل يسترجع المغرب سبتة ومليلية؟

رغم أن المغرب لا يقوم بخطوات فعالة من أجل استرداد مدينتي سبتة ومليلية، فإنه في السنوات الأخيرة تعالت أصوات عدد من الجمعيات المغربية من أجل دفع الدولة نحو التحرك وعدم التخلي عن مدينتي سبتة ومليلية.

وكشف إدريس السدراوي، رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، أن "10 جمعيات مغربية تستعد لتنظيم أسبوع "الوحدة الترابية" في فبراير المقبل من أجل مطالبة الدولة بفتح موضوع سبتة ومليلية مع الجارة إسبانية".

ويقول السدراوي في حديثه إن "إسبانيا منزعجة من القرار الأمريكي القاضي بالاعتراف بمغربية الصحراء وتحاول التواصل مع إدارة الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن من أجل تجميد هذا الاعتراف، وذلك لأنها تُريد استمرار نزاع المغرب مع جبهة "البوليساريو" حتى لا يتفرغ لمستعمرات الشمال، ويطالب باسترجاع سبتة ومليلية".

ويضيف المتحدث: "نحن بصدد الإعداد لأسبوع الوحدة الترابية، والذي سنُنظم فيه مجموعة من الندوات والوقفات الاحتجاجية لمطالبة الدولة باتخاذ إجراءات جدية وعملية من أجل فتح هذا الملف على المستوى الأممي، على اعتبار أن المدينتين هما من أقدم المناطق المحتلة في العالم، وبالتالي وجب تصفية هذا الاستعمار".

وأضاف السدراوي أن "من يعبر عن مواقف ضد احتلال مدينتي سبتة ومليلية يتعرض للتضييق، إذ لا تتسامح السلطات الإسبانية مع دعوات استرجاع سبتة ومليلية. وفي سنة 2018 رفضت السلطات الإسبانية منح الجنسية لسيدة مغربية، اعتبرت أن سبتة ومليلية مغربيتان".

وأشار المتحدث إلى أن "قضية سبتة ومليلية تحتاج التعريف بها لدى النخب والشعب الإسباني، وهو ما سنحاول أن نقوم به في الأشهر المقبلة، إذ إننا عازمون على فتح مكتب لنا ببرشلونة الإسبانية، يضُم خبراء ومحامين من أجل تعريف الرأي العام والنخب الإسبانية بهذه القضية والمطالبة بتصفية الاستعمار".

وبحسب عادل بنحمزة، أكاديمي وقيادي في حزب الاستقلال المغربي، فإن "إنهاء المغرب لمشكلة الصحراء يشجعه على الانتقال للمطالبة باسترجاع سبتة ومليلية".

وقال عادل بنحمزة إنه "لم يسبق للمغرب أن اعترف بسيادة إسبانيا على مدينتي سبتة ومليلية، ومن المؤكد أن إنهاء مشكل قضية الصحراء سيضع هذا الملف على أولويات الدبلوماسية المغربية".

 حسابات الدولة وتعقيدات الواقع

ورغم عدم وضع المغرب ملف سبتة ومليلية لدى الأمم المتحدة باعتبارهما يندرجان ضمن ملفات تصفية الاستعمار، فإنه لا ولم يعترف رسمياً بسيادة إسبانيا عليهما، ويعتبرهما مدينتين مغربيتين.

عدم اعتراف المغرب بالسيادة الإسبانية على المدينتين تترجمه القرارات التي يتخذها، إذ اختار المغرب سنة 2018 وضع حدٍّ لتجارة السلع المهربة من المدينتين ما أدى إلى تدهور وضعهما الاقتصادي، وهو ما قد يدفع إسبانيا في يوم ما إلى تغيير مواقفها.

يقول الباحث الأكاديمي عادل بنحمزة إن "موضوع سبتة ومليلية لم يكن غائباً عن أجندة الدولة المغربية، فقد سبق للملك الحسن الثاني أن اقترح على إسبانيا تشكيل لجنة مشتركة للتفاوض حول مصير المدينتين المحتلتين، لكن المغرب لا يرى أن الحل يجب أن يكون عسكرياً".

وكان أبرز احتجاج للمغرب على احتلال المدينتين سنة 2007، بعد زيارة الملك الإسباني خوان كارلوس للمدينتين، الشيء الذي قوبل بانتقاد من الملك محمد السادس، كما استدعى المغرب سفيره من مدريد للتشاور، فضلاً عن عقد البرلمان المغربي جلسة مشتركة للرد على إسبانيا، إلا أنه سرعان ما عاد الدفء إلى العلاقات المغربية الإسبانية.

وبحسب عادل بنحمزة فإن "طول الفترة الاستعمارية للمدينتين خلق واقعاً ديموغرافياً جديداً يصعب تغييره بجرة قلم، وبالتالي يجب البحث عن صيغة تحفظ مصالح الطرفين، أي منح السيادة الكاملة للمغرب على المدينتين مقابل الحفاظ على المصالح الاقتصادية الإسبانية".

أما إدريس السدراوي فيعتبر أن "تجاوب الدولة مع مطالب استرجاع سبتة ومليلية يظل ضعيفاً، إن لم نقل منعدماً"، مشيراً إلى "منع السلطات المغربية تنظيم وقفات احتجاجية أمام السفارة الاسبانية للمطالبة بإجلاء الاحتلال".

هل ينجح حصار المغرب الاقتصادي؟

أمام مطالب استرجاع السيادة على سبتة ومليلية، اتخذت السلطات المغربية نهاية العام الماضي قراراً خلّف ردود فعل غاضبة في الجارة إسبانيا، وذلك بإغلاق معبر سبتة نهائياً ومنع تجارة التهريب، التي تدر مداخيل هامة على المدينة، بالإضافة إلى إغلاق الجمارك البرية مع مليلية، ومنع أي عملية استيراد أو تصدير منها.

وتنظر أوساط اسبانية إلى هذه التحركات باعتبارها محاولة من المغرب للضغط على إسبانيا من أجل الدخول في مفاوضات معه حول مستقبل مدينتي سبتة ومليلية.

من جهتها نشرت صحيفة "الإسبانيول" تقريراً سلطت فيه الضوء على المشاريع الاقتصادية التي يقودها ملك المغرب محمد السادس بمحاذاة مدينتي سبتة ومليلية، معتبرة أنه "يحاول فرض سيادة مشتركة مع إسبانيا على سبتة ومليلية".

ويشير التقرير إلى عدد من المشاريع المهمة التي أحدثها الملك محمد السادس بالقرب من مدينتي سبتة مليلية من قبيل توسعة مطار العروي، ومشروع الترامواي الذي سيربط بين ميناء غرب المتوسط بالناظور ومطار العروي.

وأشارت الصحيفة أن المغرب قد يتخذ قراراً بمنع الطائرات الاسبانية من التحليق في أجوائه، ما سيدفعها لاستبدال مطار مليلية بمطار العروي، وهو ما سيؤدي إلى مزيد من خنق المدينة اقتصادياً.

أما مدينة سبتة فيعرف محيطها عدداً من المشاريع الاقتصادية المهمة منذ انجاز ميناء طنجة المتوسطي، وشروع المغرب في إنشاء منطقة تجارية حرة بالفنيدق بالقرب من المدينة المحتلة.

ويرى الباحث الأكاديمي عادل بنحمزة أن "الحصار الاقتصادي للمغرب قد يؤدي بالإسبان إلى تغيير مواقفهم؛ لأن المدينتين تعيشان على تهريب السلع مع ما ينتج عن ذلك من أضرار للاقتصاد المغربي".

من جهتها، تحاول إسبانيا جاهدة دفع المغرب نحو مراجعة قراره بخصوص إغلاق معبري سبتة ومليلية والسماح للبضائع المهربة بدخول مدن الشمال المغربي، إذ أعلنت الخارجية الإسبانية، أن قضية المعبرين ستتم مناقشتها خلال القمة المشتركة مع المغرب في فبراير/شباط المقبل، والتي كان يفترض أن تنعقد في 17 من هذا الشهر، قبل أن يتم تأجيلها بسبب الوضع الناجم عن وباء كورونا.

وتتحدث تقارير إعلامية عن انزعاج المغرب من الموقف الإسباني بشأن الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء، فضلاً عن تحفظه على وجود أعضاء في الحكومة الاسبانية يناصرون البوليساريو ضمن الوفد الذي كان سيحضر للرباط.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي