رواية "ماذا وراء هذه الجدران": خط فاصل بين حذاء السجّان والحرية!

2020-12-17 | منذ 6 شهر

 تتميز الرواية بلغتها البسيطة، وتفتقر إلى اللغة الشعرية

مروان عبد الرزاق*

حين كان «راتب شعبو» مراهقاً، لم يكن يعرف لماذا يأتي «زوار الفجر» إلى بيتهم في القرية ليقوموا باعتقال أخيه الأكبر، لأنه كان شيوعياً، علماً بأن العديد من الشيوعيين كانوا طلقاء! ويومها، أخبرته أمه: بأننا مثل الخميرة، التي تخمر العجين كله، ويأتي هؤلاء الأوباش حتى يأكلوه.

وبعد عدة سنوات حين بدأ دراسته في كلية الطب في جامعة دمشق، يتكرر المشهد ذاته لاعتقاله، للأسباب نفسها، حيث نبشوا البيت والخزن، والفرش، واللحف، والمخدات، وكل شيء في البيت الذي تحول إلى قطع متناثرة، بحثاً عن أوراق قد تدينه، باعتباره شيوعياً وماركسياَ معارضاً للنظام. وبعد عقد ونصف العقد من الإفراج عنه، يكتب روايته «ماذا وراء هذه الجدران»، معتمداً على ذكرياته الواقعية، بدون أي تخيلات للمشهد المرسوم.

وفي «الكراكون»، مكان استقبال السجناء في فرع التحقيق في الشيخ حسن، ثم إلى فرع «الميسات»، حيث بدأت الخيزرانات التي تلسع، والكرابيج تسحق الجسد الذي تنهال عليه، باحثين عن التنظيم، والمطبعة، وأفراد التنظيم، إلى أن صرخ مرة بفعل التعذيب، «أنا منظم»، وكان الأمر محسوماً عند الأمن بتنظيمه، أي «حزب العمل الشيوعي».

وقد تحتّم عليه أن يشقي ويعذب الجلادين، ويتعبهم، على حساب ألمه ودمه. ويحسب نفسه بطلاً، حين وضع رئيس الفرع رأسه تحت صرمايته، ووضع مقدمة حذائه في فمه حتى بدأ بالاختناق، وصرخ أيضاً «الكل تحت هالصرماية!»

وتم اتهامه بالخيانة الوطنية، وتجميع الطلاب في الجامعة للوقوف ضد النظام، وتم نقله من الزنزانة، وعفونتها، وعلى جدرانها تم تطريز «أيها السجناء، أنتم الأفضل»، إلى المهجع الجماعي حيث الغالبية من اليساريين، ورفاقه من الجامعة، والقليل من الإسلاميين، الذين كانوا يحلفون بأعراضهم؛ والشيوعيون يقسمون بالله بأنهم لا يعرفون شيئاً.

وبعد سنتين تم نقلهم إلى سجن «عدرا»، حيث وجد أغلب تنظيمه، مع «المكتب السياسي»، وهم مثقفون ويمثلون وجهة نظر أخرى في الحركة الشيوعية السورية، مع البعثيين الديمقراطيين، والعراقيين. ووجد رفاقه الجامعيين الذين شكلوا مجموعة «الأجنحة الكسيرة»، كبراعم تحتاج إلى الشروط الملائمة للتعبير عن قوتها. وهنا في السجن «رفاهية» بالمقارنة مع فروع التحقيق، حيث الطعام متوفر، والزيارات مفتوحة، والأموال كثيرة، و»البوابير»، وهي وسائل التسخين والطعام، والكتب متوفرة، والأقلام والورق، والتنفس وممارسة الرياضة، والنوم مريح على فراش من القطن. وكل هذا مع غياب التعذيب والقتل.

ومع الإفراج الكبير عام 1996، عن السجناء الشيوعيين الذين وقعوا على ورقة الانسحاب من الحزب، والعمل السياسي، والتعاون مع الأمن، وهم مكسورو النفس والكرامة، بحيث التوقيع على تلك الورقة ضرورية للخروج من السجن، مع بطاقة شكر للرئيس، الذي أفرج عنهم بعد عقد من الزمان.

وكعقوبة للرافضين على التوقيع، تم إحداث محاكم أمن الدولة، التي حكمت بعقد ونصف العقد على كل منتسب لفصيل شيوعي أو ديمقراطي، ينادي بالحرية والكرامة، والدولة الديمقراطية، بحيث إن العديد منهم بدأ يتحسر على الأحكام العرفية، التي يمكن من خلالها الخروج في أي وقت يروق للديكتاتور، وبالإضافة إلى ذلك، تم نقلهم إلى «جهنم»، يعني تدمر، لكي تتم عقوبتهم هناك مع «التشريفة» والضرب اليومي، والجوع، وانقطاع الزيارات، وغياب الدفاتر والكتب، والبوابير، وامتهان إنسانية الإنسان بوضع الحذاء في فمه وهم قاطبةً أرقام بلا أسماء!

وكان «الاستحباس» فوزاً للعاقلين، يعني الاستسلام العميق للسجن، وأنْ تقطع البرزخ مع الحياة في الخارج، وتقبل السجن كخلفية ثابتة في الحياة، خاصة الحرية تصبح ذكرى بعيدة، للمحكومين والموقوفين عرفياً، والأمل فيها كالأمل في الجنة. وهذا يعني ترويض النفس على ذلك، وليس ترويض السجن، لأن السجن آلة عمياء لا تروض ولا تواجه. وعدم الاستحباس قد يؤدي إلى الجنون.

ويعني ذلك «الاستدمار»، أي الاستسلام للجبن والخوف، كأن يقول السجان انبطحوا.. ليوم كامل، بدون أي مقاومة. والسجين الذي يُضرب وتسقط ساعته منه، فيقدمها هدية للسجان. وهذا يعني أن الضحية تتحول إلى موقع «وظيفة للضحية». فالاستسلام التام للخوف يولد نوعاً من الشفقة الممزوجة مع الاحتقار. ويصبح الجلاد الداخلي أشد قسوة من الجلاد الخارجي، ويحول الإنسان إلى حيوان، إلى عاهة.

يتساءل الروائي عن كل هذه العدوانية التي يمارسها الشرطي، الذي لا يعرف السجين، ولا يعرف جريمته. قد يكون الضرب تنفيذاً لأوامر الضباط، لكن الشتم وكل هذا الحقد والفحش، الذي يتسابقون إليه هو شديد المرارة في النفس.

 2

تتميز الرواية بلغتها البسيطة، وتفتقر إلى اللغة الشعرية، وهي سيرة ذاتية لحياة الكاتب في السجن، وفصولها مقسمة حسب الأحداث الجارية من قتل وتعذيب، وآلام، وغربة، وانسحاق أمام الشرطة. وكذلك بالمعاملة الإنسانية داخل المهجع لكل السجناء بعيداً عن الرأي السياسي، خاصة تعامل الشيوعيين باعتبارهم الأكثرية أمام القوى المسماة بـ»الرجعية» من الإخوان المسلمين، وبعث العراق.

وليس كما حصل مع المسيحي ومحاولة قتله من قبل الإسلام السياسي، كما عرضته «القوقعة». لكن عدم وجود الحديث السياسي في الرواية نقيصة كبيرة، لا تناسب معتقل سياسي قضى ستة عشر عاماً في السجن، خاصة أن المجال كان يسمح بذلك، وخاصة في سجن عدرا، وخاصة مع الإسلاميين، والبعث العراقي، ومع الشيوعيين الذين وقعوا على البيان، ونحن نعرف النقاشات التي حصلت، والتي أدت إلى انفراط الأحزاب الشيوعية، خاصة «حزب العمل الشيوعي»، و»الحزب الشيوعي – المكتب السياسي».

وغياب المرأة في السجن، يعني غياب الحرية، والتنفس الجميل، والانصهار في الحب الدافئ اللذيذ. وحين تحب «وفاء» الراوي، وهو الشاب المناضل الذي تعرفت إليه في شباك الزيارة من وراء القضبان، وترغب بمقاسمته سجنه وقيده، وتطلق عهداً لمناصرته، والبقاء معه حتى خروجه من السجن، وكان للقرنفلة الحمراء، والمطرزة بكلمة «بحبك»، طعم لا ينسى، حيث كان يوم الوداع الحقيقي للتوهج قبل الانطفاء. وكانت النقيصة الثانية.

ورغم حبه الحارق لها، لكنه بفعل أنانيته – كما قالت- وبحثه عن حب حقيقي، رفض عروضها، ببعض الجمل الجاهزة، ورفض مشاركتها حريتها، التي لن تكتمل إلا بالحب، وهي ملكة الجمال والأنوثة، التي ترغب في أن يكون سجنك جميلاً، والتعذيب لا يلامس روحك. فمن يرفض العشق لن يجده ثانية، فالأنثى آلهة تجوب البحار والبراري والسجون مع كل شروق جديد.

 3

 يتساءل الروائي عن كل هذه العدوانية التي يمارسها الشرطي، الذي لا يعرف السجين، ولا يعرف جريمته. قد يكون الضرب تنفيذاً لأوامر الضباط، لكن الشتم وكل هذا الحقد والفحش، الذي يتسابقون إليه هو شديد المرارة في النفس.

وتشير الدراسات النفسية حول العدوانية والشر في الإنسان، إلى تجارب «ملغرام»، وتجربة فيليب زيمباردو في سجن ستانفورد، كما عرضها ممدوح عدوان في كتابه «حيونة الإنسان»، وكذلك ثائر أبو صالح، في «سيكولوجيا الشر»، في مجلة «حرمون»، بأن «ثلثي السجانين تحولوا إلى ساديين، وتقمصوا وظيفة السجانين بأبعادها كلها»، وهم كانوا أناساً عاديين قبل التجربة وارتبطت هذه النتيجة، والميل إلى الطاعة بنظريتين:

النظرية الأولى: نظرية المطابقة، التي تشير إلى أن الشخص غير القادر على اتخاذ القرار، يترك القرار للمجموعة المجربة. وهذا يعني الاستسلام لرأي المجموعة وضغوطها، وإلى دور التنشئة الاجتماعية للفرد، في تربيته منذ طفولته، حتى يصبح متكيفاً مع النظام العام للمجتمع. هذا حلال وحرام، ويجب تقديم الطاعة للأب والأم، والأستاذ، وللشرطي، وللنظام بالكامل. وهنا يلعب الوعي الجمعي دوراً سلبياً للغاية في تنشئة الشر، عندما نولد ونتربى في الطاعة، بحيث يتحول التأدب والارتباك إلى ترويض أنفسنا لقبول النظام العام والسلطة الديكتاتورية.

والنظرية الثانية: نظرية حالة الوكيل، حيث يشعر الشخص بأنه وكيل للمجرب، والذنب ليس ذنبه في إيذاء البشر، إنما ذنب المجرب، فهو وكيل عن شخصية السلطة، وهي المسؤولة عن أفعالهم حتى في حالات التشبيح والقتل اليومي.

وبذلك يكون التوافق والطاعة هما العنصرين الأساسيين في الحفاظ على المجتمع والنظام الاجتماعي والسلطة الاستبدادية.

والراوي يعرف ويصرح بأن أغلب الجزارين في السجن هم من الطائفة العلوية، وهؤلاء تعرضوا لشحن طائفي فظيع، بأن السجناء يريدون قتلنا كطائفة، بحيث يتم شحنه عاطفياً وعقلياً، وهو يطلق العنان إلى مكامن الشر في نفسه. إلى حدود لا يمكن تخيلها، بأنه يشيع الخوف لدى السجناء، حتى يسكتوا عن حقهم، ويعذبهم ويقتلهم لأنهم أعداء بكل طيبة خاطر، وهو يضحك لذلك، حيث تظهر متعة القاتل بأنه أصبح في أمان.

ولا يدرك المستبد ولا وكلاؤه بأن الأنثى تلد إنساناً أولاً، وتفشي القمع والقتل ليس غريزة، إنما هو نتيجة المجتمع القمعي الذي يشيع العنف، والنظام القمعي لا يريد البشر كبشر، إنما يحولهم إلى شكل من الحيوانات، كالكلاب والحمير، إلخ. وهذا يفسر للسجين كيف يعوي في ساحة التنفس أو ينهق، أو يتحول إلى نملة ويضاجعها.

إنهم يقتلون العقل المفكر في داخلك، ويصل السجين إلى حالة مزرية خالية من الكبرياء والقيمة والاحترام. والألم الموضعي. لا قيمة له، مقابل كل الضربات التي توجه إلى كيانك الداخلي، وإحساسك وكرامتك وأنت غير قادر علي الرد.

وهذا كله عبرة لمن يعمل في السياسة ضد النظام في الخارج وللمجتمع بشكل عام. وكما يقول الراوي، حتى القمع بحاجة لبعض الأخلاق، لكن مع كل هذا القمع الطويل تبدو سياسة النظام بدون أخلاق، وهي سياسة مجرمة فوق العادة، وإنهم أعادوه إلى طور الطفولة، وهذا الذي يريدونه، ولم يعد يذكر سوى وجه أمه، حين توقظه في الصباح.

 

  • كاتب سوري


إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي