الخرافات والأساطير في مجموعة "بريد الآلهة" للعراقي ميثم الخزرجي

2020-12-13 | منذ 6 شهر

 تحكي قصة «صرير الأمكنة» أصل وجذور«خرافة هديدة»

موسى إبراهيم أبو رياش*

«بريد الآلهة» للقاص العراقي ميثم الخزرجي، قصص من واقع المجتمع العراقي، خاصة في الجنوب، قصص مأزومة، قلقة، تعبر عن معاناة الناس وأوجاعهم وأحلامهم وظروفهم ومخاوفهم، وتحكّم السلطة الجائرة بتلاوينها ومسمياتها كافة، لتحجب عنهم النور، وتحرمهم من الوعي، وترسخ فيهم الجهل والتبعية والغيبوبة، لمصلحة قوى الظلام.

تتكون المجموعة من تسع قصص، منها ست كان للخرافة والأسطورة منها نصيب وافر مؤثر وفاعل، وعندما يكون للخرافات والأساطير شأن في مجتمع ما، فهذا يعني أن هذا المجتمع ما زال يعيش بعيدا عن العلم والمعرفة، وعن الحرية والعدالة، وعن الانفتاح والتسامح، وعن النور والشمس الساطعة، لا يعيش فيها برغبته وإرادته، بل هي بفعل سلطات غاشمة، لا يتحقق وجودها وسطوتها، إلا بإدامة هذه الحالة، وتوسيع دائرتها، وترسيخها في وجدان الناس وعقولهم؛ لأن الإيمان بالخرافات والأساطير، أو الخوف منها، يؤمن الرضوخ والتبعية والتخاذل، وتعطيل العقل والاستسلام غير المشروط، والسجود للسلطة مقابل لقمة العيش، وما عداها هوامش وتفاصيل، والتفاصيل من الشيطان!

في قصة «مصادفة لا يقبلها الصفح» يتعرض «مرهون الحمَّال» لاغتصاب من جنية البستان، ما يؤدي إلى فقدانه رجولته، فتلجأ زوجته «مرزوقة» الشبقة بعد طول اصطبار لإشباع شهوتها مع الرجال الذين أشبعوها غزلا، وعندما يكشف فعلتها الطفل «سعد» تشتري صمته بالحلوى، وتدعي أن الرجل الذي رآه فوقها ما هو إلا سارق. وعندما يسأل الطفل أمه عن معنى «السُرَّاق» تجيبه إنهم التجار الذين يسرقون، لكن بقانون. وتفسر القصة رمزيتها، «ثمة قطع من الحلوى تكفي لرؤية مرزوقة مع سارق آخر أو لرؤيتنا مع زعيم آخر يناور أجسادنا على طاولة القانون» ومن كان القانون حاميه ومظلته، فلا خوف عليه، فليسرق ويغتصب وليفعل الأفاعيل، فلا تثريب عليه.

«جنية البستان» المعروفة لأهل المنطقة كخرافة متداولة، أدت إلى بث روح الخوف والذعر في نفوس الرجال؛ لأن فقدان الرجولة يعني الموت في العرف الاجتماعي القروي، وهذا الخوف يشل النفس والجسد، ويؤدي إلى قلة الحركة الفاعلة، وحصر أوقاتها؛ تجنبا للخطر المرتقب، لتخلو الساحة للسلطة وأعوانها لتمارس ما تريد، وتفعل ما تشاء في غفلة من الناس، واستثمارا لخوفهم.

يتجول مجنون الحي (الحاج جلال) في قصة «صراخ متئد» ولا يفتأ يردد صرخاته: «الحياة سجن كبير كبير… ونحن نشيخ وأوجاعنا فتية» وسط إجلال وخشوع الأهالي، وأن مجنون الحي خير وبركة، ولا بد أنه رسالة، منذر قوم ومذكرهم بأخطائهم وذنوبهم، ويؤنبون كل من يمسه بسوء ولو بكلمة.

لا مشكلة في الشفقة على المجنون والإحسان إليه وعدم إيذائه، فهو إنسان مسكين محروم من نعمة العقل، لكن أن يتحول إلى رمز، إلى رسول، فهذه مشكلة، تنافي العقل والإيمان، ولا يقبلها إنسان واعٍ مدرك، والطامة الكبرى، أن يؤمن بذلك معلم مثقف يشكل نموذجا مشرقا للطلبة، يدمن قراءة كتب «معرفة الذات» ويبرر ذلك بقوله: «ربما نحتاج إلى من يحاسبنا ويذكرنا بمصائرنا الموجعة ونحن على قيد الواقع».

وعندما يكون رمز الوعي والتنوير غارقا في الجهل والتخلف، فاعلم أن النفق طويل، وأن الشمس تحجبها ظلمات وظلمات وظلمات، ولتهنأ السلطة قريرة العين، و«أبشر بطول سلامة يا مربع».

 

إيمان كثير الناس بالخرافة، لم يأت عبثا أو من فراغ، فربما أن الخرافة المتوارثة، أقرب تصديقا من خرافة الحرية والعدالة والشفافية والسلام والرفاهية، التي أُمطروا شعاراتها منذ عقود طويلة، ولم ينلهم منها إلا الصمم والخيبة والحسرة، فقد «سمعوا جعجعة ولم يروا طحينا»!!

أما في قصة «ما لا يدركه الحلم» فثمة موروث شعبي عن استدعاء الأحلام: «إن أردت التجلي في المنام، ما عليك إلا أن تنسلَّ بمخيلتك طوعا، ستسرح عند أي أمنية تفضي لها الوقت، ومن ثم ستنعم بنومة هانئة شريطة أن تترك قدميك الهائمتين مكشوفتين للهواء. ستنفثُ حلما وقته بسعة اللقطة التي اجتذبتك أو يتسع فضاؤها بالقليل، لكنه سيبخل في إطالته، بل سيترك من أحداثه مختصرات لا تبالغ في تفسيرها للوصول إلى لحظة اليقين».

وهو موروث يرقى إلى الخرافة؛ لافتقاره للمصداقية، ولا تثبته التجربة، وإلا لكان الحلم في متناول اليد، قابلا للبرمجة والتخطيط والتحضير المسبق، ولرأى الناس أحلاما جميلة في كل ليلة؛ ليعيشوا حياة هانئة، في المنام على الأقل، لكن الواقع يثبت عكس ذلك، ففي النهار شقاء ولهاث خلف رغيف الخبز، وفي الليل كوابيس تترى لا تنتهي.

ولا تغفل القصة أن نستثمر أحلام اليقظة واستدعاء الصور الجميلة وتجنب النوم: «أرجوكم، املأوني بالصور الجميلة، لكن لا تدعوني للنوم، إلى متى ونحن نلوذ بأحلامنا الواهمة، ونترك يقظتنا راكسة بالتيه؟».

تحكي قصة «صرير الأمكنة» أصل وجذور«خرافة هديدة» حيث تروي الحكاية أن النهر اهتاج وخطف الفتاة الجميلة «هديدة» فأسرع الرجال للبحث عنها، وتنادى السحرة لإرضاء النهر، فلم تفلح جهودهم وخزعبلاتهم، فخاف الناس أن يفترس النهر المزيد من العذارى، فهجموا على النهر لطمره، فلما وصلوه تراءت لهم صورة «هديدة» ضاحكة هانئة بهيئتها التي شُوهدت بها آخر مرة، فعادوا إلى بيوتهم يفكرون، وفي الصباح، تفاجأوا بنهر صغير متفرع من النهر إلى مداخل قريتهم، وجاء تفرعه من حيث صورة «هديدة» التي رأوها، فارتفع التكبير والصلوات، وآمن الناس ببركة النهر، وأصبح محجا لهم، يسألون عنده حاجاتهم. غيَّب الناس عقولهم تماما، وآمنوا بصورة متخيلة رسمتها أوهامهم، وكفوا عن السؤال عن مصير «هديدة» وأين ذهبت؟ واكتفوا بأن النهر اصطفاها وطهرها، وكذلك نحن، تفتننا الصورة، وتنسينا الحقائق المؤلمة، نعتاش بالصور والوهم والخيال، ونتهرب من الواقع بقسوته وسواده.

في قصة «بريد الآلهة» تمتزج الخرافة بالأسطورة، حيث يتجنب أهالي المنطقة «تل بشارة» بعد أن توارثوا أن من يذهب إليه لا يعود، لكن فريق التنقيب يصر على الذهاب لكشف الحقائق، وللتنقيب عن آثار الآلهة في ذلك التل، ويتجرأ أحدهم، ويدخل النهر للوصول إلى التل، حيث لفه الماء فجأة، ولم يدر ما حصل، ووجد نفسه في مكان غريب، حيث حكم عليه مجلس الآلهة بالجلد مئة جلدة، وتسخيره عبدا، فعمل مع غيره من العبيد في الزراعة وخدمة معابد الآلهة، وانصاع لما يُطلب منه صاغرا ذليلا.

وفي يوم موعود، حيث يُنَصِّبُ إله الهواء «أنليل» ملكا جديدا، تجرأ، وطلب من «أنليل» الحرية والخروج والعودة من حيث أتى، وبعد حوار قصير، يقول له: «سأرجعك إلى موطنك شريطة أن تتقصى عن عالمك أنت، ولا ترجع إلى الوراء، فسر الوجود واحد، والطبيعة بتناقضاتها وإشكالياتها واحدة أيضا… ارجع أيها العبد ارجع» ثم يٌقذف، ويعود من حيث أتى، فيجد نفسه بين زملائه، الذين لم يشعروا بغيابه، بل يكملون معه حديثا كأن لم يحدث أي فاصل، فيصدم: «ارتعدت مما قالوه للوهلة الأولى… أين كنت أنا كل هذا الوقت؟ ألا توجد فاصلة زمنية ما بين موطن وآخر أو ما بين وجع وآخر.. ارتفعت بهامتي مستديرا نحو ملامح هذا الكون الذي وجدته لا يختلف كثيرا عن معنى عالمهم السفلي».

إذن لم يختلف الأمر من حيث الجوهر، فما نحن إلا عبيد يتوارثنا الأسياد على مرّ العصور، ليس لنا من الأمر شيء؛ بل إن «أنليل» أنسل ألف «أنليل» يسوموننا سوء العذاب.

وفي القصة الأخيرة «هاجس» تنصح الجدة حفيدها بوهم يصادم الحقيقة: «إن الله جعل من ظلالنا خفرا علينا» لكن الواقع يكذب هذا الزعم، فكل الفوضى تحدث في النهار، والظلال تملأ المكان، فلا خفر ولا أمن ولا حماية، بل إن الظل يفضح ما استتر، الظل يكرر أفعالنا، يؤكدها، يذيعها على الملأ، ولا يأبه لتوسلاتنا. لكن يبدو أن الظلام عمَّ بعد أن توارت الشمس، وتراكمت أفعالنا القبيحة، دون أن تخاف ظلا يفضحها، وهكذا ظلام الظلم والفساد، إذا عم وطم، حجب أفعال الظلمة والفجرة والفاسدين، وعاشوا في مأمن من أي كشف أو حساب أو عقاب، ولا أمل للمظلومين والمقهورين في غياب متلازمة النور والظل.

وبعد؛ فإن إيمان كثير الناس بالخرافة، لم يأت عبثا أو من فراغ، فربما أن الخرافة المتوارثة، أقرب تصديقا من خرافة الحرية والعدالة والشفافية والسلام والرفاهية، التي أُمطروا شعاراتها منذ عقود طويلة، ولم ينلهم منها إلا الصمم والخيبة والحسرة، فقد «سمعوا جعجعة ولم يروا طحينا»!!

إن مجموعة «بريد الآلهة» ـ 2019 ـ 85 صفحة للقاص ميثم الخزرجي، الفائزة بجائزة المسابقة الأدبية لنتاجات الشباب 2019، التي ينظمها الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق، مجموعة ثرية بالموضوعات، ولغتها الجميلة، غير أن قصصها افتقرت للدهشة والمفارقة، وتدخل الكاتب في تفسير مقاصدها، وفك رموزها، ما حرم القارئ من متعة التأمل وكشف الأسرار، كما أن المجموعة عانت من أخطاء لغوية مختلفة.

 

  • كاتب أردني


إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي