هندسة البناء الروائي والكتابة في رواية "موت مختلف"

2020-12-11 | منذ 6 شهر

ابتدع الروائي عبر الخطاب المعروض حيلةَ رسالةٍ إلكترونية

اسامة الصغير*

«تغمرني رغبة كاسحة في أن أسرد رحلتي بطريقة ما، لتبدو المراحل والقسمات ماثلة بارزة، فتسعفني ربما على أن استوعب مسارا خضع للارتجال والنزوة، والجري وراء أحلام عزيزة المنال».

كانت هذه هي التعويذة الروائية التي أجراها المؤلف على لسان سارده الرئيسي، ليبرر بها دواعي خروج النص إلى التلقي، غير أن أستاذَ الفلسفة منير في رحلة استرجاعه هذا المسار الدال والطويل، لا يغفل ملابسات الذاكرة وقدرتها على التمويه، فيقول: «أعرف أن استعادة حياتنا بأي شكل نختاره، لا تساعدنا على حذف مقطع أو صورة من فيلم الذاكرة، المشتبك مع تفاصيل واستيهامات لا ندري من أين تنبثق»، بهذا الشكل يفتح أمامنا محكيات ومخفيات العلبة السوداء القابعة في أعماقه، ويستدرجنا إلى مسقط الرأس، فضاء الانتماء الأولي للهوية، التي «تبدأ واضحة، رنانة، قبل أن تسلك مسارب الالتباس والتحول وتنحسر في نطاق فقدان اليقين».

من آيات نباهة وفرادة هذا العمل أن بنية النص وهندسته تخدمان الرهان الروائي بشكل مكين، إذ نحس كأننا في متاهة وجود سردي وتجربة حياة متفلسفة لا استقرار فيها ولا ثبات، وهو ما تبغي الرواية إبلاغه جماليا. من حيث الوفاء لروح النص الفلسفي التحليلي، بدأ السارد بصيغة الأنا في مقدمة تمهيدية حدد فيها الحكاية/ الأطروحة الإطار، إذ منير رجل غادر دبدو مسقط رأسه متجها إلى فرنسا عام 1965، ثم ها هو يعود إليها بعد 47 سنة من الغياب الكامل.

في هذه المقدمة يطرح السارد الأسئلة الإشكالية التي ستنبري أطوارُ السرد لبحثها وتحليلها، من هناك يبدأ منير كتابة مساره ببحث دواعي سفره واختياره الحضورَ في محيط وثقافة الآخر.

في الجزء الأول من العرض الروائي المعنون: « في بلاد الأنوار»، يعرض منير رحلة الولع المعرفي إلى فرنسا، هناك حيث انخرط في حومة النضال والمناخ الثقافي والسياسي، حالما بتحصين واسترجاع قيم الأنوار، مُعوّلا في ذلك على الاتجاه اليساري التقدمي. وبالانتقال إلى الجزء الثاني من العرض الروائي المعنون «العودة إلى مسقط الرأس»، تتناسل أسئلة المراجعة والمساءلة بعد ما يقارب نصف قرن من التجربة والالتزام العضوي، في النسق الثقافي الغربي.

وصولا إلى الختام، يفتح السارد المحموم بالفلسفة الأفقَ الإنساني المشترك، مُتّبعا في ذلك الجدل الهيغلي، فمن فكرة الولع التام بالغرب/الأنوار، إلى نقيض الفكرة ومناقشة الإبدال الثاني بتأييد مرحلي للولع بموروث الأنا الثقافي والقيمي، ثم الخروج بالطرح الثالث، ذلك الأفق الحضاري المشترك الذي يتصادى مع دعوات هومي بابا في موقع الثقافة.

في تصدّيه لقلق مبرر الرواية وتحديد حاضرها، ابتدع الروائي عبر الخطاب المعروض حيلةَ رسالةٍ إلكترونية، اقترحت من خلالها العشيقة الموما إليها «م . ف» على البطل الممزق منير أن يجرب الكتابة: «لماذا لا تحاول أن ترتاد مجال الكتابة لتحتمي من الملالة وشكوك الوجود؟، حينها يصير منير مسرودا بضمير الغائب، عبر راوي الرواة، الذي يتوكأ كثيرا على أشكال الخطاب المعروض، من قبيل: يوميات منير ورسائله الإلكترونية مع رفيقه الفرنسي ألبير وابنه بدر، خاصة مع عشيقته «م . ف»، حيث نلج عالم كتابة الكتابة، أو الكتابة حول الكتابة، ويبدأ منير يُنفذ مقترح خليلته م . ف المغربية، فنفهم لماذا استجاب السارد لهذا المحفز المغربي في الكتابة: لأن الذات المغربية في مسيس الحاجة إلى هذه الخبرة والمعرفة والمساءلة، بذلك كانت رحلةُ البحث في الذات عن الذات.

هذا الحرص على توسل الذاكرة في التخييل، يقربنا من احتمال كون النص سيرة ذهنية ثقافية، ذاتية وغيرية في الآن، من خلالها يحاول القبض على النسق والنسغ الحياتي الوجودي الذي تمضي به وعبره الأشياء، إنها كتابة من الدرجة العالية في التركيب والتعاطي الفلسفي مع المحسوسات، يطبعها التجريد والتكثيف الشاهق، لذلك فهي تلتهب بالصهد والاحتراق الطالعين من جوانبها، إنها رواية الأسئلة الحضارية الكبرى، التي تظهر من خلالها حيرة الكاتب وهو يتلظى بالوعي الشقي.

 

 

توسل الكاتبُ لشخصياته أسماء بصفات ودلالات إيجابية مثل: منير ورابح وصادق، وبدر، لأنه مراهن على المقبل والأمل.

بحثا عن مواقيت هذا المنجز السردي، نجد أن الزمن الرئيسي للحكاية يبدأ من 1965 ممتدا إلى بداية 2016، أما زمن الرواية فيبدأ من 2014 إلى بداية 2016، رغم ذلك نجد استحضارا في مرويات راوي الرواة، لمقاطع من رسائل مؤرخة في السبعينيات والتسعينيات، فكأنما ميقات الرواية أقدم من الميقات المذكور أو الموهم به جماليا.

بعد إرساء البُنى الجمالية الصلدة، تمضي الرواية عبر أربعة خيوط سردية أساسية مربوطة إلى مخيلة السارد المرجعي بحذق ومهارة: زمن السرد إبان المقام الباريسي في الحاضر، ثم زمن السرد المسترجَع إبان النشأة/ الهوية الأولى في منطقة دبدو، وزمن السرد خلال رحلة العودة إلى دبدو، ثم زمن السرد بعد الإياب إلى فرنسا في أفق الرجوع إلى دبدو للإقامة الدورية فيها مدة النصف من كل سنة، هنا ينفتح السرد على المستقبل، ذلك الآتي اللامتوقع.

وهناك استراتيجية جمالية وخطابية دقيقة يتوسلها الروائي لتقديم أطروحة النص عبر لعبة التقابلات، أو الجدلية الحضارية بين وضع فرنسا الآخر ووضع المغرب الأنا، كما نلقاه يستدعي: المسرح، التشكيل، الموسيقى، الشعر، أدب الرسائل، اليوميات، السينما، التوثيق.

وإذا كان لا مناص للسرد من آليات الوصف، فإن ما يشد النظر في سرد برادة أنه لا ينجرّ إلى وصف الأفضية والأشكال الظاهرة من الشخوص والعالم الروائي التخييلي أو المرجعي، بل نجده منشغلا بوصف ورصد عالم الأفكار والمشاعر، مما يزيد من فرادة هذا المنجز الإبداعي، حيث يتحدث السارد كأنما هو حامل كاميرا داخلية تسجل وتلتقط وتوثق الهزات والاختلاجات النفسية والذهنية المستعصية على التقييد والتدوين، فنغدو في حالة ارتقاء وتجريد غرضُها القبض على الأنساق المجردة والبنيات الكبرى التي تُشيّد العالم في ارتباط مع الذات ساردةً ومسرودة.

توسل الكاتبُ لشخصياته أسماء بصفات ودلالات إيجابية مثل: منير ورابح وصادق، وبدر، لأنه مراهن على المقبل والأمل. كما لا يفوتنا التنبيه إلى أن المقطع الأخير يسجل عودةَ السرد بصيغة ضمير الأنا من خلال العنوان الفرعي: «يقول منير»، حيث يتكلم هذا الأخير بأريحية وحميمية كانت وراء الروح الشاعرية التي وسمت خاتمة الرواية. وكانت استراتيجية منسجمة أن يصير منير طالبَ ثم أستاذَ فلسفة حتى تكون له الأهلية المعرفية لاستيعاب ونقاش الإرث الحضاري والثقافي الفرنسي/الغربي والمغربي/الشرقي.

هنا يَستثمر برادة بصفته راوي الرواة المرجعي، تجربته المخضرمة في الأوساط الفرنسية والمغربية، وإن كان ينسف الأطاريح المتطرفة الإرهابية، فهو لا ينجرُّ إلى التأويلات الفوقية لما يُسمّيه الساردُ «مف،كري الشاشة الصغرى» المأخوذين بآنية التلقي والتأويل، بل إنه ينظر إلى الأنساق ويحلل الظواهر وفق رؤية حضارية مُركَّبة، يتحمل عبأها الغربُ نفسه، في ابتكار جنون الإفناء والتمزيق وصناعة الكابوس، ذلك «المسكوت عنه الذي ينهك العالم».

ونحن لمّا نصغي للسارد بعد رحلة العودة، نجده قد تحرر من أن يكون واقعا ضحية استلاب في النموذج الحضاري الغربي ومتحررا أيضا من معاداته، إنه بعبارة طرابيشي ليس مريضا بالغرب ولا مريضا منه، إنه يتساءل بوعي وتيقظ «لماذا يحاصرني هذا الهوس بما حققه الغرب من معجزات في العلم والمعمار؟».

بتجميع ما سبق، نُجمل القول حول هذا المنجز بأنه بحث روائي رؤيوي يتوسل المعرفة، وأنها معرفة تتوسل البحث الروائي في جدلية إبداعية مائزة، الشيء الذي يمنح النص صلابة وتماسكا عزّ نظيره، بعيدا عن التفجُّع الوجداني والمراثي العاطفية وعويل الخواطر السردية، التي حوّلت الرواية العربية إلى حائط مبكى تخييلي.

 

  • كاتب مغربي

 

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي