كتابة الرواية.. هل هي غاية في حدّ ذاتها؟

2020-12-10 | منذ 6 شهر

كتابة الرواية موضة العصر

أبو بكر العيادي*

لسنا وحدنا، نحن العرب، المهووسين بكتابة الرواية في هذه المرحلة، فالفرنسيون أيضا يمعنون في كتابتها ونشرها بشكل فاق كلّ حدّ حتى صار المهتمون يوردون الأرقام في كلّ موسم كما يوردها هواة الأرقام القياسية في المنافسات الرياضية. ولكن هل الغاية منها إضافة أثر جادّ إلى منجز أدبي راسخ، أم إعلان الثورة على السائد وتقديم مقاربة مبتكرة يسير على هديها رُكبان الفن الروائي؟ أم هي مجرد إضافة اسم إلى المدونة الروائية؟

الرأي الشائع أن الكمّ يفرز الكيف، ولكن إذا كانت الوفرة رديئة بشكل طاغٍ تحولت إلى أعشاب طفيلية تخنق النبت الجيّد وتمنع نموّه وظهوره. كذلك الإنتاج الروائي عندنا، فقد استشرت الرداءة بشكل يفوق كلّ حدّ، والسبب أن المتعلمين على اختلاف درجاتهم أقبلوا على كتابة الرواية وكأنها فرض عين سيحاسبون على تركه يوم القيامة.

 

في غياب النقد النزيه الذي يغربل الأعمال ليُحلّ كل تجربة محلّها صار كل المتعلمين يكتبون الروايات ويسردون حكاياتهم الشخصية طمعا في الشهرة.

لقد استبد بكافة الشرائح المتعلمة هوس كتابة الرواية دون أن يسعوا للإلمام بشروطها وامتلاك أدواتها، فكانت النتيجة فيضا من المنشورات التي ليس لها من الأدب الروائي سوى عبارة “رواية” مرسومة على الأغلفة.

لمن يكتب هؤلاء

في غياب النقد النزيه، الذي يغربل الأعمال ليُحلّ كل تجربة محلّها، أمكن للغثاء أن يعمّ ويستشري، بل ويحتل الواجهة، خاصة مع ظهور المواقع الاجتماعية التي يضفي فيها مستخدموها على بعضهم بعضا صفة “الكبير”، وهي صفة نكاد نتفرّد بها بين سائر الأمم، فقد لاحظنا إطلاقها على من لم ينتج سوى رواية بكر، وحتى على من يكتب بالعامية التي تكاد لا تفهم في البلد الواحد، ما أغرى أصحابها بدخول مسابقات الجوائز الأدبية، والطمع في كسبها.

الأدب يفتح بابه حتى للمتطفلين (لوحة للفنان سعد يكن)

أغلب هؤلاء لا همّ لهم سوى تسجيل الحضور، كي يكسب كل واحد منهم صفة روائي، وقد رأينا من يقدّم شخصه الكريم على فيسبوك مشفوعا بتلك الصفة، وكأنها جزء من هويته، والحال أنه لا يملك في رصيده سوى عمل رديء لا يتعدى حجمه مئة صفحة. مثلما رأينا من نشر رواية ضعيفة وصار يدعى إلى المحافل الأدبية ومعارض الكتب للحديث عن مشكلات الرواية.

ويبقى السؤال: لمن يكتب هؤلاء؟ بعبارة أخرى: هل تجد تلك الكتب قارئها؟ والجواب معروف إذا علمنا نسبة القراءة في الوطن العربي، وعدد الكتب التي يقرأها الإنسان العربي في السنة. أي أن تلك “المؤلفات”، برغم المحاباة وشراء الذمم والضّجّة الإعلامية، مصيرها أن تركن في رفوف مكتبة صاحبها، كي يتباهى بها أمام الزوّار. لم تسلم من ذلك حتى الكتب الجيدّة، فما البال بما لا يتوافر فيها الحدّ الأدنى. ثم ينتأ سؤال آخر: كيف يمكن للجان المسابقات أن تقرأ هذا الكمّ الهائل من الروايات وتسند جوائزها، إلى من يستحق، بنزاهة؟

والحقّ أن هذه الظاهرة ليست حكرا على الواقع العربي، ففي فرنسا مثلا تصاعد نسق كتابة الرواية ونشرها منذ مطلع الألفية بشكل يفوق حجم ما يمكن لقارئ واحد أن يقتنيه ويقرأه، ما يجعله يلجأ في أغلب الأحيان إلى ما يُكتب ويُذاع ويُبثّ عن آخر الإصدارات كي يهتدي إلى ما يناسب طاقته الشرائية والقرائية، ويستجيب لميوله الأدبية لاختلاف المضامين والأساليب.

ولكن إذا علمنا أن العناوين التي يُسلَّط عليها الضوء دون سواها تفرضها شبكة العلاقات، والملحقون الصحافيون، وأصحاب المكتبات، والجمعيات الثقافية، أدركنا أن جانبا كبيرا ممّا ينشر لا يلقى حظه، لا في الملاحق الأدبية ولا في وسائل الإعلام وحتى المكتبات. ومن النادر أن يتفطّن ناقد نابه إلى رواية مهمّة لكاتب مغمور يخرجها من القاع قبل أن يطويها الإهمال، ويبقى صاحبها كالعابر في كلام عابر، وكأنه لم يكتب ولم يوجَد أساسًا.

فهل يصدّق عاقل أن الروايات الجديدة التي صدرت في فرنسا ما بين شهري أغسطس وسبتمبر الماضيين، وعددها خمسمئة وأحد عشر عنوانا، فضلا عمّا نشر قبلها منذ مطلع العام، وجدت قارئها؟ وهل يصدّق أن لجان الجوائز الكبرى مثل غونكور ورونودو وميدسيس وفيمينا قرأتها كلّها؟

تسجيل الحضور

يكفي أن نعود إلى ما نشره منذ بضعة أعوام برنار بيفو، حين كان يترأس أكاديمية غونكور، لنعرف طبيعة عمل تلك اللجان، حيث لكل عضو منها طريقته في انتخاب ما يروقه. منهم من يطرح الكتاب جانبًا منذ الصفحة الأولى؛ ومنهم من يقرأ صفحات متفرقة بعجالة، فإن شدّته عاد يقرأه باهتمام أكبر؛ ومنهم من يخيّر الأسماء المعروفة في الساحة، وخاصة تلك التي تصدر عن دور النشر الكبرى أمثال غاليمار وغراسي وسوي وآكت سود، وبدرجة أقل فلاماريون وألبان ميشيل ومينوي؛ ومنهم من يبدأ بالمؤلفات التي نوّهت بها بعض الصّحف العريقة وزميلاتها الإلكترونية.

ثم يقع التركيز في النهاية على نحو خمسين عنوانا، ويرمى الباقي رمي المهملات. تلك القلة الباقية هي التي يقع التركيز عليها من خلال ما أسماه الناقد الفرنسي ألبير تيبودي (1874 – 1936) النقود الثلاثة: نقد الناس الشرفاء، ونقد المحترفين، ونقد الفنانين. وغنيّ عن القول إن تلك النقود، إلا ما ندر، تخضع للذوق الخاص لا محالة، ولكنها تخضع أيضا للمحاباة وقوانين السوق التي تنظّم كل بضاعة، فضلا عن الاعتبارات السياسية والأيديولوجية الكامنة.

 

لا حقّ لأحد أن يمنع أيّا كان من خوض غمار التجربة الروائية، فالأدب يفتح بابه حتى للمتطفّلين

ذلك الكمّ الهائل مما يكتب وينشر اليوم في فرنسا يعاني النقائص نفسها، بعد أن اقتحم المجال أشخاص عديمو الموهبة، يريدون هم أيضا تسجيل حضورهم بسرد حكاياتهم الشخصية، وتجاربهم الحياتية في ما صار يعرف بالتخييل الذاتي، كأن تروي إحدى الكاتبات تجربتها في أفلام البورنو، وتروي أخرى اغتصابَ أبيها إياها… أو الاستيلاء على قضايا الرأي العام لسردها بأسماء أبطالها، كما فعل ريجيس جوفري عن فضيحة دومينيك ستروس كان، تحت مسمّى آخر هو التخييل عن الآخر.

لا حقّ لأحد أن يمنع أيّا كان من خوض غمار التجربة الروائية، فالأدب يفتح بابه حتى للمتطفلين، وما من سلطة يمكن أن تحول دون ذلك، هذا أمر بدَهيّ، ولكن من حقّنا أيضا أن نبدي رأينا في هذه الظاهرة، ظاهرة هذا التراكم المطّرد من الكتابات السردية التي اكتسحت الساحة.

 

  • كاتب تونسي


إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي