"غرق الحضارات" لأمين معلوف: تحليل المعضلة… وأسئلة المبادئ

2020-12-09 | منذ 6 شهر

يبدو أن معلوف قلقاً أو مضطرباً على مستوى التعاطي مع القضية الفلسطينية

 رامي أبو شهاب*

للغة في فضاء المتخيل الكثير من الظلال، كما أن الأخيلة السردية تحتمل متسعاً أو فسحة لتجاوز تمكين أيديولوجية الروائي، حيث تحتمل شخوصه كل التبعات، فيحملهم الكاتب تصوراته ورؤاه، تبعاً لمحاولة تمثّل العالم، وما يكمن فيه من اختلافات، ووجهات نظر؛ ولهذا فلا يمكن أن نقيم نوعاً من المحاكمة لشخصية من شخصيات رواية، كونها تنتمي إلى فضاء محدد بحدود المتخيل، والتشكيل السردي، غير أن الكتابة في مجال آخر ربما تنقلنا إلى وعي جديد، حيث نواجه الأفكار بوصفها مُشهرة، لا تحتمل سوى ذلك التأكيد أو النفي، كما أنها تعكس في صيغتها فضاء عميقا من التمثل للعالم لا بصورته المراوغة وإنما بوصفها إفادة ما.

في كتاب الروائي اللبناني الفرنسي أمين معلوف «غرق الحضارات» صيغة لغوية تتنازعها رؤيتان، إذ يمتزج الذاتي بالكوني من جهة، ومن جهة أخرى يمتزج العاطفي بالموضوعي. ثمة خلف كل ذلك عقل يسعى لتحليل الماضي القريب (القرن العشرين) بالإضافة إلى الراهن المعاصر، بدءاً من وعي الكاتب الذي ينطلق من طفولته إلى اللحظة المعاشة؛ فيتجلى الزمن بأحداثه ليكون أداة لتقييم الوجود البشري بصيغه الحضارية.

يمتلك الكتاب خاصية التناوب بين الذاتي والموضوعي، والتاريخي، حيث تتأسس مقولة الكتاب على اختبار العالم، من منطلق الوعي تجاه الأنا، والأنا الجمعية، كما العالم في مراحله، انطلاقاً من تشكل الوعي؛ أي بدءاً من الطفولة التي تتحرك في فضاءات الأمكنة، ومنها بيروت، ومصر، ومن ثم أوروبا، فالعالم. وبين هذه الأمكنة ثمة مشاهدات وتأملات يختـــــبرها أحــياناً وعي الطفل، ومن ثم ينضج لتأتي على مستوى الفكر والخبرة مع تقدم العمر.

هكذا يتأمل معلوف تلك التحولات وتجاذبات التيارات الفكرية، التي وسمت الحضارات، وما يكمن فيها من تنازع، خيبات أو نجاحات، على الرغم من جدليتها، وعدم خضوعها لمنهج عقلاني في بعض الأحيان، غير أن الكاتب ينطلق من استراتيجية تبدو متورطة في فعل المزامنة، أو التأمل حين يلجأ إلى نقد التجارب الحضارية، بناء على المقارنة على مستوى القادة أو الشخصيات التاريخية، والمنظومة، وأثر كل ما سبق على الرؤية التي ينطلق منها، إذ يبقى الكاتب مشدوداً إلى أزمته بوصفه رجلاً ينتمي إلى فضاء قلق، ونعني الشرق الأوسط، على الرغم من أن معلوف لا يحصر توجهاته في هذا النطاق الضيق، حيث ينفتح على الكلي والإنساني.

يتأسس الكتاب الذي صدر عام 2019 عن دار الفارابي بترجمة نهلة بيضون على عبارة مركزية تسم بالكثير من وعي أمين معلوف الذي يرى أن الثبات قدر غير متحقق، وأن الاستمرارية المطلقة، أو ذلك الثبات أمر لا وجود له، وكأنه ينطلق من وعي حيوي أقرب لنموذج «هيغلي» حين يصرح بأن أجداده الأربعة وأسلافه من اثني عشر جيلا قد وجدوا في ظل السلالة العثمانية… فكيف لهم أن يتخيلوا بأن هذه الإمبراطورية ستنتهي أو تزول! هكذا يبدو النموذج القلق، وعدم القدرة على الإيمان بنموذج سكوني حتمي على مستوى بقاء أو أفول الحضارات، هكذا يتشكل منطلق معلوف الذي يتأمل تلك الحضارات، وتحولها بدءا من سقوط الملكية في مصر، ومن ثم أفول نجم جمال عبد الناصر، مع نقد عميق يطال تلك المرحلة، وما أحدثته ثورة يوليو/تموز 1952 على وعي معلوف الذاتي المؤطر بتصورات والديه، ولاسيما مع فقدان نخب مجتمعية امتيازات، وبذلك بدا عالم معلوف أشبه بفردوس محترق، ولاسيما في ظل انطلاق السياسات الجديدة ذات الطابع الاشتراكي الوطني.

 

إن تأملات معلوف تطال نقد النماذج الطائفية، مع تأمل عميق للقوميات والأقليات، وما يمكن أن ينتج عنها من تقويض للنموذج الحضاري، وهكذا فإن الهوية تبدو سياقاً شديد الحساسية، ولاسيما في الوطن العربي الذي يعاني من جدل الهوية.

غير أن التكوين السياسي لنقد هذه المرحلة يبدو أعمق، حين يتجاوزه للتأمل فـــي هزيمة يونيو/حزيران عام 1967 مع توقف معمّق بغية مناقشة تداعــيات هذا الفعل على مستوى التمثيل الحضاري، وصورة العرب، بالتوازي مع طرح أسئلة تتقاطع مع البحث الحضاري حول الأسباب، في حين يرى الكاتب أن بعض النماذج التي تعرضت لهزات عنيفة كالولايات المتحدة بعد الهجوم الياباني، وفرنسا بعد الاحتلال النازي ـ من وجهة نظر مقارنة ـ تمكنت من تجاوز أزمتها عسكرياً، في حين يرى معلوف أن تجاوز أي هزيمة حضارية يمكن أن يتحقق عبر مقاربة أخرى، وهي ما يمكن أن ننعته بالنموذج الحضاري، ويدلل على ذلك بنموذج اليابان وألمانيا، بالإضافة إلى كوريا الجنوبية كون هذه الدول استطاعت أن تؤسس قوة اقتصادية، جعلتها تعيد تمركزها الحضاري من جديد.

إن تأملات معلوف تطال نقد النماذج الطائفية، مع تأمل عميق للقوميات والأقليات، وما يمكن أن ينتج عنها من تقويض للنموذج الحضاري، وهكذا فإن الهوية تبدو سياقاً شديد الحساسية، ولاسيما في الوطن العربي الذي يعاني من جدل الهوية – كما ناقش ذلك سابقاً في كتابه «الهويات القاتلة» – مع تمحور واضح حول موقع الأقليات، وتجاذبات وجودها في مكون آخر، يطغى عليها. ولعل معلوف تواق لنزع هذا القلق بحثاً عن صيغة كونية تنصهر فيها الاختلافات، تحت تأثير ما يعانيه وطنه الأم لبنان من نتائج هذا النهج، ضمن إشارات لإحداثيات تاريخية تطال تقريباً قرناً من الزمن، بما في ذلك العوامل التي أفرزت النظام الطائفي، كما التجاذبات السياسية، والحرب الأهلية، والوجود الفلسطيني، بالإضافة إلى التدخل السوري، علاوة على مبدأ التابعية التي بدأت مع الدولة العثمانية، ومن ثم الارتهان لقوى استعمارية كباريس وواشنطن.

إن أزمة معلوف تكمن في محاولة البحث عن العوامل المؤسسة لهذا النهج المتنافر في التعايش، وإلى حد ما الحلول، ولكن بصورة خجولة، ولاسيما من ناحية مقاربة بعض الإشكاليات التي تتصل بالعالم العربي، لتجاوز تلك الهزيمة المركزية في وعيه. يسعى الكتاب في أجزاء كبيرة أن يتمثل بعض التيارات الأيديولوجية، وتقاطعها في السياقات العربية، ولكن الأهم تأثيرها في العالم، ومن ذلك تصاعد التيارات اليمينية في بريطانيا وأمريكا في مطلع الثمانينيات، مع وصول مارغريت ثاتشر ورونالد ريغان لسدة الحكم، وما أحدثته سياساتهما من تحول في الصيغ الاقتصادية والثقافية والسياسية على العالم الغربي، ومن ثم يرصد انهيار الشيوعية، وينتقد بعض الأجزاء التي لم تتمكن من الصمود، نتيجة خلل حضاري في تكوينها، ومن ثم يعود ليعرج على أزمة العالم العربي، مع إشارات إلى أن النموذج الماركسي الذي أتاح فسحة من الزمن، كي يتراجع النموذج الهوياتي، حيث يذوب الكل في وعي فكري متجاوزاً المرجعيات الطائفية، وغيرها.

يرغب معلوف في أن يبقى بعيداً عن التحيز، أو تبين أيديولوجية معينة، حيث يسعى إلى أن يظهر بصورته المتعالية (إنسانياً) متجاوزاً التحيز أو الاختلافات، لكن هذه الحساسية العالية، تبدو في بعض المواقع موجهة، حين تبدو شديدة الحياد في تقاطعها مع تأويل الأحداث، كما أنه يظهر جزءاً من ذاتيته في بعض المواقع، عبر نقد التجربة الناصرية، مع التأكيد على رمزية عبد الناصر، بوصفه شكل حالة رمزية أو وجدانية، على الرغم من ظاهريتها في وعي الأمة العربية، وما ارتكبه هذا القائد من أخطاء نتجت عن تمركز الأنا في علاقتها مع الجمهور في اتخاذ القرارات.

في سياق آخر، يبدو أن معلوف قلقاً أو مضطرباً على مستوى التعاطي مع القضية الفلسطينية، وتكوينها القائم على الحق، حيث لا يبين عن قناعته بعدالة القضية الفلسطينية، من منطلق عدم رغبته بخدش تمثيل ذاته، بوصفها كيانا إنسانياً رحباً يؤمن بقيم الحوار، وعلى الرغم من بحثه في سياسات دولة الكيان، وسبل تعاملها مع المعضلة الفلسطينية المعقدة، وإشارته باستحياء لبعض السلبيات، غير أن معضلة بناء نموذج حواري إنساني، ينطلق من الاعتراف أولاً بالحق الفلسطيني، وأن يستعاد من منظور أيديولوجي عميق، فقد لوحظ أن معنوية الحياد تبدو غير متوافقة عند حديث الكاتب عن بلده لبنان، وما تعرض له من انتهاكات خارجية، فكيف يمكن أن نلتمس عذراً لقبول نظام عنصري صادر وجود شعب كامل!

إن حساسية منطق الأشياء تقتضي أن نتعامل بقدر من التوازن في قراءة الصيغ الحضارية، ولعلي هنا أتوقف لمراجعة نهج معلوف الذي بدا انتقائياً جدا في الكتاب، إذ لا يحتمل وضوحاً في بيان الموقف تجاه بعض القضايا ذات الطابع الذي يخدش متواليات عميقة من الحساسية الغربية؛ ولهذا سنجد أنه قد تجاوز عن سلوك غربي أسهم بخلق أبشع فضائع التاريخ الحديث، نتيجة تصاعد النماذج الاستعمارية والنزعات القومية أو الشوفينية، التي أنتجت حربين عالميتين أفنتا الملايين من البشر، علاوة على نتائج الاستعمار على قطاعات كبيرة من العالم، مع عدم إنكار وجود إشارات مقتضبة إلى أثر الاستعمار الإنكليزي على الهند، ولكنه بدا غائبا تماماً عن سائر العالم، ولاسيما في آسيا وافريقيا، وما أحدثته فرنسا من فظائع في تلك الدول، خاصة في الجزائر، ولكننا نواجه بعض الإشارات للمجازر التي ارتبكت في صبرا وشاتيلا، وما أحدثته من صدمة على العالم، ومع ذلك فثمة إعجاب مُضمر بأخلاقية الشعب الإسرائيلي، الذي تظاهر ضدها، وكأن ثمة إحالة لنضج (إسرائيلي) لا تحتمله الحضارات الأخرى، في حين نرى بوضوح نقد معلوف لدور ألمانيا النازي، وما أحدثه هذا النهج من أثر في الألمان بوصفهم أمة، وكنت أتطلع لدور أكثر جذرية في نقد النموذج الصهيوني، من منطلق خلق نسق من الموضوعية، إذ لا تقل جرائم الصهيونية عن جرائم النازية من حيث الأثر والممارسة.

يمضي الكتاب في تتبع عوامل الانكسار الحضاري في زمن العولمة والتكنولوجيا، التي كلما بدت متقدمة تراجعت النماذج القيمية والأخلاقية في العالم ضمن مفارقة شديدة التبصر، هذا ما يتمخض عنه الكتاب في فصوله الأخرى، مع نقد للأفق الحضاري المتوقع من قارة أوروبا تحديداً، أو بوصفها القادرة على تقديم وسائل وحلول لأزمة الإنسان، وهو نموذج يتطابق مع مقولات التمركز الغربي بوصفه خياراً بديلاً ووحيداً لتكوين عالم أفضل، وهكذا يخلص الكتاب إلى نتيجة مؤداها، أن الحضارات تتعرض لأزمة بنيوية عميقة، وهو ما يكنى بالتفكك، غير أن الصفحات الأخيرة تحمل عتبة ختامية للكاتب بيدرو لاباركا تقول: «الأسوأ ليس أكيداًعلى الدوام».

 

  • كاتب أردني فلسطيني

 

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي