قدرية الصراع وأبعاد الاغتراب في رواية "حالة شجن"

2020-12-06 | منذ 6 شهر

أبعاد الاغتراب ومكابدة الأهواء

رشا الفوال*

على افتراض أن صورة (الأهواء) مقابلة لصورة (الحكمة)؛ فقد أخضع اليونان (الأهواء) إلى عدة تصنيفات منها الأشجان، الخشية، الرغبة، اللذة؛ فالهوى يعني مجازًا الفراغ، وتعني الأهواء «ميلان النفس إلى ما تستلذه من الشهوات»؛ فــ(مكابدة الأهواء) بداية من العنوان»حالة شجن» في رواية أحمد رجب شلتوت الصادرة عام 2019 والفائزة بجائزة «إحسان عبد القدوس عام 2008» تمثل خطابًا غير رسمي، يضعنا أمام الاغتراب بين الذاتي والاجتماعي، ولأن بطل الرواية، هو من يتجنب المجتمع، جاء معنى الغربة حاملًا مفهوم (التوحد) أي تموضع الذات في ذاتها؛ فالغربة تدل على أمرين أحدهما مقبول والآخر مرذول، وهذا الازدواج يعبر عن الواقع الذي يحفل بشتى ألوان التناقض، ولأن من أسباب الاغتراب النفسية الصراع بين الدوافع والرغبات المتعارضة، والحاجات التي لا يمكن إشباعها، والإحباط الذي يرتبط بالشعور بالعجز؛ فقد يتضمن الاغتراب شعور الإنسان بأنه فقد هويته وأنه لا يملك مصيره، في القراءة الحالية للرواية، نهتم بمحاولة سبر غور أزمة (سلب الحرية) وما يعنيه من خضوع الفرد، وبالتالي خضوع مجموع الأفراد حوله، و(سلب المعرفة) وما يعنيه من غياب معرفته بأهدافه؛ نجد أنفسنا في مواجهة أبعاد الاغتراب، التي تمثلت في: الشعور بالعجز، الذي يعني عدم قدرة الإنسان على قول لا للآخر، فها هو «غريب» بطل الرواية لم يستطع قول لا لأخيه الأكبر المُعاق، عندما نصحه بالعودة إلى مصر، أضف إلى ذلك الشعور بالضعف والمهانه «كان غريب دائم الشكوى من إذلال الكفيل له» الاستلاب في هذه الحالة يُعد أحد أشكال الاغتراب؛ فالمغترب لديه توقع منخفض لإمكانياته، وأهدافه الاجتماعية غير واضحة، لا غرابة إذن في أن يردد «غريب» بعد خروجه من السينما «هلفوت ومالكش لازمة» و(اللامعيارية) الناجمة عن غياب النسق المنظم للمعايير الاجتماعية، والإحساس بـ(العزلة الاجتماعية) و(الاغتراب عن الذات) الذي يعني اللامبالاة، فـ»غريب» عندما سألته «زينات»عن سبب عدم سفره مع ابنها «سرحان» قال لها «لا أحب شغل المحافظات، لا أحب الغربة» و(التمرد) و(الرفض)الذي يعتبر من أشكال اغتراب الإنسان؛ إذ يرى التحليل النفسي أن الاغتراب يعني الصراع بين مكونات الشخصية، ويرجع ذلك إلى خبرات الطفولة، حيث إفراط الأبوين أو أحدهما في القلق «كان الأب حزينًا ومرهقًا، يدخن بشراهة، والأم تبكي والنسوة يواسينها»؛ فاغتراب الإنسان يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتجاهل المجتمع، أو نبذه أو الوصاية عليه، هذا ويعتبر الإنسان مغتربًا، ما لم ينعم بالحرية الحقيقية التي تتحقق بالاندماج بين المصالح الخاصة والعامة، رصدت الرواية أيضًا (الاغتراب السياسي) الناتج عن شعور الإنسان بأنه ليس جزءًا من العملية السياسية، وأن صانعي القرارات السياسية لا يضعون له اعتبارًا؛ فالإنسان الذي لم تُحدد هويته بعد يُعد مغتربًا لأنه يفتقد الإحساس بالأمن، وتناقش الرواية أزمة فرض الإرادة على الفئات الضعيفة، وصولًا إلى درجة من تفسخ العلاقات الإجتماعية، وكيف أن الهوية ليست مسألة شخصية فقط؛ إذ يجب أن تُعاش في العالم عبر الحوار مع الآخرين؛ فها هو «المعلم عاشور» عاتب الأخوة في رحلة بحثهم عن «غريب» لأنهم لم يكونوا من مؤيديه في الانتخابات السابقة.

 

 

اهتم الكاتب بمحاولة إزالة الوهم من خلال اللجوء إلى كشف بواطن النفـــــوس، هذا الأصـــل الدرامي للذات هـــو الدافــــع إلى تلك الغربة، فانفصال الأنا من جهة أهوائها ونقلها إلى منطق الإحالات، يسهل التحكم في ذهنيتها ونفســـيتها.

 التعارض بين الذات واللاذات

على افتراض أن تنميط النفس داخل الجسد يعتبر محاولة لإعادة الاتزان، فالتعارض بين (الذات) و(اللاذات) يمنع الإنسان عن الانشغال بمواجهة الصراع، ويدفعه لاتباع آلية الصمت، والشعور بالفشل في تحقيق الطموحات الذي غالبًا ما يؤدي إلى سوء التوافق النفسي؛ فمحاصرة (الغريب) ومنعه من الانطلاق في ال،الم الرحب، وضعتنا أمام جدلية الاستقلال/ الاندماج؛ فمن خلال الحاجة إلى الانتماء إلى جماعة سيكولوجية) يشعر الإنسان بالاستقلال الذي يحدد هويته؛ لذلك كان (انشطار الانفعالات) ما بين إيجابي طيب ومثالي منزه، وسلبي خبيث يؤسس لحالة هدر الداخل والخارج معًا. كما أن قدرية الصراع بين الأوامر والعصيان، كشفت سمات شخصيات الرواية وتأثرهم بالواقع المكاني وما يزخر به من علاقات، بين رغبات الروح والجسد، من خلال التركيز على أماكن الفقر الاجتماعي ورغبة الإنسان في الخلاص، وما ينتج عنه من إحساس بالغربة والتشتت، (الكبت) بالمعنى الفرويدي هُنا يُعد أحد أبرز حالات انشطار الذات، حيث يعيش الإنسان على مستويين نفسيين، المستوى الواعي الذي يتصف بالمقبولية الاجتماعية والمستوى اللاواعي الذي يتضمن المكبوتات التي تهدد التوازن النفسي، وتثير درجات عالية من القلق، فعندما سأل»محمد» بطل الرواية «غريب» عن إقامته ليلة مع «زينات» ومن قبلها علاقته بـ«بسيمة» قال له «لا تلمني، ماذا أفعل وأنا في الثلاثين بلا عمل وبلا أمل».

لقد اهتم الكاتب بمحاولة إزالة الوهم من خلال اللجوء إلى كشف بواطن النفـــــوس، هذا الأصـــل الدرامي للذات هـــو الدافــــع إلى تلك الغربة، فانفصال الأنا من جهة أهوائها ونقلها إلى منطق الإحالات، يسهل التحكم في ذهنيتها ونفســـيتها؛ فرحـــلة البحـــث كانت لتعــويض فرض الوصاية الذي يمثل للبـــطل عقابًا اجتماعيًا، تم التعبير عنها من خلال الضجيج الأخلاقي، لذلك كان (التمـــرد) هو الفــــعل الدال على فك وصاية الأخ الأكـــبر، وكانت المحـــاولات المســـتمرة لتجاوز تلك الفجوة بين (الأنا) و(الجماعة السيكولوجية)؛ فنحــــن اتخذت في الرواية دلالة اختزال دور الأم في وظيفة العطاء «جلسـت أمي بجوار غريب، وضعت أمامه ذكر البط، وهــــي تقسم بأن يأكله بأكمــــله» وكلها إسقاطات تدل على علاقة متوترة بين المصالحة والصراع؛ فالرواية تمـــثل تجســـيدًا لهموم جيل يجاهد في أن يشق لنفسه طريقه وهويته الخاصة، والكاتب رصد لنا واقع الإنسان العاجز تحت وطـــأة الفقـــر والفساد الاجتماعي من خلال (الاسترجاع) كآلية لجأ إليها الأخ الأكبر، كأن (أزمة الهوية) هى المحور الأساسي في الرواية؛ فنجد أن البطل ينتمي انتماء ناقصًا للمجتمع، اتضح ذلك في الختام وتساؤل المطـــرب في فيلم السهرة بعد عودته: «يعني إيه كلمة وطن؟» الاغتراب إذن يعد معادلا للشخصـــية الرئيســـية، والخطوط الواصلة بين (أزمة هويــة) البطل والأزمات الاجتماعية لباقي الشخصيات تعكس لنا سذاجة الأحلام التي تتكسر على عتبات الواقع، وقدرية الصراع بين الرغبة كقوة نفسية تولد من غياب إشباع حاجة، والاغتراب الذي تجلى في ثنائية الحضور/الغياب، لذلك يمكننا القول إننا أمام رواية حياة المهمشين، والذات القلقة التي لا تسعى إلى التعويض.

 

  • كاتبة مصرية

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي