محمد الحيرش: علوم التفسير تحفل بأخلاقيات التسامح

2020-11-23 | منذ 2 شهر

 

الباحث المغربي محمد الحيرش  

"أخلاقيات التأويل: من أنطولوجيا النص إلى أنطولوجيا الفهم" كتاب للناقد الأكاديمي المغربي محمد الحيرش صدر حديثاً عن دار الفاصلة للنشر في طنجة. الحيرش باحث متخصص في اللسانيات والتأويليات في كلية الآداب والعلوم الإنسانية (تطوان) منذ أواخر الثمانينيات، صدر له عدد من الدراسات حول علاقة التأويليات باللسانيات والفيلولوجيا والدراسات التأويلية القديمة. وإلى جانب عمله هذا، نسّق مجموعةً من الكتب الجماعية ضمن منشورات "مختبر التأويليات والدراسات النصية واللسانية" الذي يتولى إدارته، وكان آخرها كتاب "التأويليات والفكر العربي" الذي شاركت فيه نخبة من المفكرين والباحثين من المغرب والعالم العربي.

ولعل أهم ما يميز كتاب "أخلاقيات التأويل" أنه يطور مقاربة جديدة لأخلاقيات التأويل قوامها أنها ليست منظومة من المعايير المجردة السابقة على خوض الحوار أو مزاولة التأويل على نحو ما تقول بذلك مجموعة من التصورات المعيارية والمثالية، وإنما تتحدد وتفصح عن طبيعتها داخل حيز الفعل والممارسة.

أثار كتاب "أخلاقيات التأويل" اهتماماً ملحوظاً لدى الباحثين والمتتبعين، ونُظمت لتقديمه وقراءته جملة من اللقاءات. كيف يقدم الحيرش هذا الكتاب ونوع الأطروحة التي يقوم عليها وأهميتها في سياق الدراسات التأويلية المعاصرة، يقول الحيرش في حوار مع "اندبندنت عربية": "بداية لا بد من تقديم نظرة مجملة إلى القضايا المدروسة في الكتاب، فهو يمتد على مدخل وقسمين. وقفت في المدخل عند مفهوم "الإبدال التأويلي" بوصفه مشتركاً معرفياً وفلسفياً تتقاسمه اليوم جماعات بحثية متعددة تشتغل في مجال التأويليات (الهيرمينوطيقا) أو في مجال العلوم الإنسانية والنصية، ويوجه طرائقَ تعاملها مع الموضوعات المختلفة التي تهتم بها فلسفية كانت أو لغوية أو جمالية أو دينية أو غيرها. وقد بينت كيف أن هذا الإبدال، الذي لا يزال في طور التوسع والاغتناء، أسهم في تشكله الاقتناع بوجوب الخروج من المآزق المعرفية والقيمية التي بات يعاني منها الإبدال البنيوي من جراء إيغاله في إعمال مقتضيات النزعة العلمية، واعتماد إجراءاتها الاختزالية في مقاربة اللغات والنصوص. إذ بانغلاق الإبدال البنيوي في هذا النهج فقدت مسلماته نجاعتها وأصبح غير قادر على تفسير التعقيدات التي تكتنف الظواهر اللغوية والنصية، فتغير موقع النظر إلى هذه الظواهر من كونها بنيات منغلقة ومنطوية على ذواتها إلى كونها أحداثاً موصولة بالعالم وملتبسة بصيرورته".

الإختلاف والإنصاف

ويضيف: "إلى جانب هذا تناولت بالتحليل في القسم الأول من الكتاب مجموعة من الإشكالات المتصلة بــ"أنطولوجيا اللغة وتأويلية الحوار"، وقد درستها في كل من الفصل الأول والثاني؛ ففي الفصل الأول قاربت "تأويلية الحوار وأخلاقياته" في ضوء المرجعية اللسانية والتأويلية، وحللت في فصله الثاني "تحولات اللغة وتحولات التأويل" استناداً إلى التفاعل المعرفي الذي ما فتئت وشائجه تُنسج وتُوطد بين التأويليات والمقاربات الفيلولوجية الجديدة. أما القسم الثاني فخصصته لمحور "أخلاقيات التأويل"، واتجهت فيه إلى تحليل منظومتين قيميتين: واحدة تُلامس وعياً تأويلياً منفتحاً يؤمن بالتعدد والاختلاف، ويتسم بالإنصاف والتسامح في مقاربة موضوعاته وتعامله معها؛ والثانية تمثل الوجه الصراعي المضاد للمنظومة السابقة، وتُداخِل وعياً تأويلياً مغلقاً قوامه الأحادية والتطابق المقترنان بالعنف والغلو والإجحاف. وقد جرى تحليل هاتين المنظومتين في كل من الفصل الثالث والرابع؛ ففي الفصل الثالث تعقبت بعض تجليات الشطط والعنف التأويليين في جملة من القراءات النهضوية التقليدية والحداثية للتراث، إذ توخيت من ذلك أن أبرز كيف تشتد الحاجة اليوم إلى تغيير بعض عاداتنا الجارية في النظر إلى منجزنا التراثي، وبناء إمكانات جديدة لفهمه متحررة من أسباب العنف والإكراه التي استحكمت في طائفة من القراءات المذكورة. فالتراث من حيث هو البداية الأولى لفكرنا العربي الإسلامي والأرضية القبلية التي انبثقت فيها جذوره لا يحتاج إلى "مشاريع قرائية" مغلقة تسيّجه في معان نمطية، وتختزله بعنف في تأدية وظائف أيديولوجية سافرة؛ وإنما يحتاج إلى قراءات منفتحة ومنصفة تتحلى إزاءه بقدر واسع من التأني والتسامح من أجل تعديد زوايا نظرها إلى نصوصه وآثاره المختلفة، وتعميق كشوفها لما ينطوي عليه من تنوع في الاجتهادات المعرفية وتعدد في الحساسيات الفكرية والجمالية".

التأويل عند القدماء

غلاف كتاب أخلاقيات التأويل

ويرى المؤلف أن "العنف على نحو ما تجسد في عدد وافر من القراءات المتصارعة على التملك الأيديولوجي للتراث لم تتمخض عنه إلا ضروب من "الأصوليات الفكرية" التي بقدر ما تضرر التراث نفسه من عسفها وشططها، تضرر الفكر أيضاً من تحجرها وانسداد أفقها. في حين انصرفت في الفصل الرابع إلى جرد "ملامح من أخلاقيات التأويل عند القدماء"، وكشفت عنها في جملة من مصنفاتهم التفسيرية، وأيضاً في كتب علوم القرآن وأصول التفسير. وقد تبين من التحليل المعتمد أن علوم التفسير وعلوم القرآن وأصول التفسير تحفل بكثير من القيم والأخلاقيات التي تعلي من شأن التعدد والاختلاف في فهم النص، وتقبل بالتسامح في تعامل المفسرين بعضهم مع بعض.

ومن متابعة ما ورد على ألسنة المفسرين من أقوال صريحة يؤكدون فيها أن في القرآن "مجالاً رحباً ومتسعاً بالغاً لأرباب الفهم"، وأن شمولية استقصاء معانيه هي أمر "لا مطمع فيه للبشر" انتهى الكتاب إلى خلاصة جوهرية تقضي بأن الأفق المعرفي والقيمي الذي ينتظم التفسيريات (وعلى النقيض مما هو غالب في الشرعيات والعقديات) هو أفق ينهض على التنسيب التأويلي وعلى التواضع والتسامح في التعامل مع النص القرآني، لأن ما يجمع بين المفسرين تحديداً هو صدورهم عن مُسلمة معرفية وأخلاقية تقضي بأن ما من أحد منهم بقادر على ادعاء الإحاطة الجذرية بمعاني النص واستيفائها مهما كان متوسعاً في العلوم و"متبحراً" في فنونها وأدواتها. فالنص بالنسبة إليهم أوسع من أن يُرد إلى معان نهائية، أو يُثبَّت في فهم واحد. وهي الخلاصة التي أتصور أنها غير مسايرة لعدد من الأحكام التبسيطية وغير الدقيقة الشائعة حول مواقف المفسرين من النص القرآني؛ ولذلك فهي خلاصة مُربِكة في الوقت ذاته للتقليديين الذين يظلون حبيسي نظرة سطحية وغير تاريخية إلى المعرفة التفسيرية، والحداثيين الذين لم يكلفوا أنفسهم إلى الآن عناء النفاذ في العمق الإيبستيمولوجي والإيتيقي لهذه المعرفة بما يسمح لهم باستكشاف إبدالاتها المعرفية الموجهة لها، واستنباط أنساقها القيمية المنبنية عليها".

التصور المعياري

من متابعة تحليل الناقد لأخلاقيات التأويل في هذا الكتاب بدا أنه ينتقد التصور المعياري الذي يخلط بين قواعد التأويل وأخلاقياته. يوضح الحيرش المسألة قائلاً: "لقد انطلقت في مساءلة موضوع أخلاقيات التأويل سواء عند المحدثين أو عند القدماء من موقف نقدي يتخذ مسافة من مجموع الدعاوى التي تقضي بأن هذه الأخلاقيات تمثل منظومة قيمية جاهزة يتعين على كل تأويل أن يلتزم بها على نحو مثالي ومسبق وهو يشتغل بنص من النصوص. فهذه الدعاوى التي تضرب بجذورها في نزعات معيارية مغلقة تبقى بعيدة كل البعد عن طبيعة السلوك الأخلاقي الذي يميز ممارسة تأويلية ما وقد انطبقت على موضوعها وأُجريت عليه. فالممارسة التأويلية لا تَمتثِل آلياً وقبلياً لنسق قيمي جاهز يتعين عليها احتذاؤه والتخلقُ بخصاله وآدابه؛ إذ بتعميق النظر في طبيعة مجريات السلوك الأخلاقي لهذه الممارسة كما تتحقق في تأويل من التآويل ينجلي نوع القيم الملازمة لها، وتتكشف المنظومات القيمية التي تستتر في ثنايا أدواتها وإجراءاتها الفهمية. الأمر الذي يجعلها منظومات غيرَ متطابقة تتفاوت بين العنف والتسامح، أو بين الغلو والاعتدال، أو بين الإجحاف والإنصاف، إلخ... وبهذا فأخلاقيات التأويل ليست قانوناً ناجزاً وصارماً لتنظيم سير التأويل، أو قيوداً ضابطة لحركته واشتغاله على نحو ما نلقى ذلك في الأخلاقيات المنظِّمة لبعض المهن كالطب أو المحاماة أو غيرها؛ أخلاقيات التأويل أبعدُ ما تكون عن ذلك، إنها روحُ التأويل ذاته وقد انتهت به فعاليته الخاصة وسيرورة جريانه في أثر من الآثار أو نص من النصوص إلى هذا المآل القيمي أو ذاك.

وعلى هذا الأساس اقترحت إعادة بناء أخلاقيات التأويل بما يميز فيها بين أخلاقيات محايثة لصيقة بسيرورة التأويل الذاتية وملازمة لها في صميم ما تكون به تجربة فهمية خاصة، وأخلاقيات محيطية تندرج في المحيط الخارجي لسيرورة التأويل، وتدخل تحتها مجموع الأحكام القبلية والتقويمات المسبقة التي تُطلِقها الذوات المؤولة بعضها على بعض، وتنطلق منها في التعبير عن مواقفها المتباينة من ماهية التأويلِ وشروطه ومصادره. وهو ما يحيلنا على مختلف المرجعيات غير المعرفية التي يتكئ عليها كل موقف في تسويغ تأويله الخاص للنص وإضفاء مشروعية عليه. وبذلك لا تعد الأخلاقيات المحيطية أخلاقياتِ تأويل، إنما أخلاقيات تقويم توجد خارج حدود المجريات الداخلية المحايثة لتجربة التأويل. أما الأخلاقيات المحايثة للتأويل فلا يمكن الوقوع عليها إلا وقد صار التأويل حدثاً معرفياً جارياً على النص ومنطبقاً عليه".

تأويل وتقويم

بناء على هذا التحليل كيف نستطيع أن نميّز في منجز تأويلي قديم أو حديث بين ما يسميه المؤلف أخلاقيات تأويل وأخلاقيات تقويم؟ يقول: "عادة ما نخلط بين التأويل والتقويم، فالتأويل هو أساساً حدث معرفي متميّز يستند إلى مجموعة من العلوم والمعارف التي نشغِّلها في فهم النصوص. وما من تأويل قديم أو حديث إلا وينهض على منظومة من العلوم التي بها ينفذ إلى موضوعه لفهمه واستكشافه؛ لأن علم التأويل ليس كالعلوم المفردة الأخرى (نحو، منطق، بلاغة، لسانيات، سيميائيات...) التي تصدر في دراسة موضوعاتها من وسائلها المعرفية الذاتية وأدواتها الخاصة، بل هو علم موسوعي يستعير كل أدواته من غيره؛ أي من علوم الجوار المتاحة في عصر من العصور. لذلك أتصور أن ما يميّز بين تأويلين متنافسين لا يرتبط فحسب بالأحكام التقويمية الخارجية التي يطلقها أحدهما ضد الآخر، إنما أساساً بخصوصية المحتوى المعرفي الذي يتوسل به كل منهما ويستند إليه في الفهم. فالأحكام التي أطلقها قديماً على سبيل المثال القاضي ابن العربي المالكي في (العواصم من القواصم) ضد المذاهب المنافسة، أو أطلقها ابن تيمية الحنبلي ضد سائر المتأولين المتقدمين عليه، أو تلكم التي كان يطلقها عموماً أهل الظاهر وأهل الباطن بعضهم ضد بعض لا تمثل التأويلَ بما هو حدث نوعي تنتظم اشتغاله مقومات معرفية وبرنامجية متميزة؛ إنها أحكام صراعية تقع على هامش هذا الحدث وخارج الكيفية التي يجري بها تصريفه في فهم هذا النص أو ذاك.

ومن ثم فهي أقرب إلى "الشعارات" الأيديولوجية التي يروّج بها موقف تأويلي ما لمشروعيته المذهبية ضد مواقف الخصوم ومقالاتهم. والأمر ذاته ينسحب أيضاً على المواقف التأويلية الحديثة والمعاصرة، فالاختلاف بين البنيوية وما بعدها أو بين القائلين بحدود التأويل والقائلين بلا نهايته لا يرجع إلى مجرد تصريحات خارجية يعبر فيها كل توجه عن انتقاده للمواقف الأخرى واعتراضه عليها؛ إنما إلى طبيعة البرامج التأويلية التي تعتمدها تلك التوجهات في فهم النصوص وتمثلها. وهنا أذكر ما كان أمبرتو إيكو قد نبّه إليه وهو يناقش بعض التفكيكيين، حيث لا يبدو من القول القاضي بوجوب إسناد موقع فاعل إلى المؤول على حساب المؤلف أو على حساب النص أنه يمنحنا فعلاً ضمانات معرفية تفضي بالضرورة إلى تحقيق مطلب لا نهاية التأويلات؛ بل قد ينقلب موقفُ مؤوّلٍ يدعي مسبقاً الاحتفاء بتعدد معاني نص من النصوص إلى ضرب من الأحادية المغلقة أثناء ممارسة عملية التأويل، بل قد يتحجر في نوع من الأصولية التأويلية القاتلة. ولهذا فالعبرة في التأويل هي بما ينطوي عليه في دواخله من إستراتيجيات معرفية وآليات فهمية تتكشف منها طبيعة علاقته بالنص ونوع الأخلاقيات المحايثة له عند مزاولته، وليس بما يحيط به من أحكام قبلية ومفاضلات سجالية خارجية تدخل تحت أخلاقيات التقويم".



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي