الصحافي الأمريكي جون ريد: سرد وثائقي لأيام هزت العالم

2020-11-20 | منذ 5 يوم

 كتاب وثائقي

شكيب كاظم*

وأنت تنجز قراءة هذا الكتاب الوثائقي التسجيلي، الذي دونه الصحافي الأمريكي اليساري جون ريد، الذي عاش عمرا قصيرا، نحو أربعين سنة، وتوفي في موسكو سنة 1920، ودفن في الكرملين. جون ريد في كتابه «عشرة أيام هزت العالم» الذي تولى نقله للعربية المترجم فواز الطرابلسي، ونشرت دار الطليعة في بيروت طبعته الأولى في يناير/كانون الثاني 1966، وبيدي الطبعة الثانية منه الصادرة في نوفمبر/تشرين الثاني من السنة عينها، وهو وصف شاهد عيان لثورة أكتوبر/تشرين الأول الروسية سنة 1917، ويقصد جون ريد بهذه الأيام العشرة، تدوينا وتوثيقا لأيام الحكومة المؤقتة برئاسة أ. ف. كرنسكي، التي استولت على السلطة في فبراير/شباط 1917، وتفاعلاتها وأزماتها وصولا إلى أكتوبر حسب التقويم الروسي وقتذاك -1917، ولا سيما اليوم الحاسم، أو اليومين الحاسمين 6 و7 نوفمبر 1917، وسيطرة البلاشفة الجزئية على مقاليد السلطة، والسيطرة عليها تدريجيا، بعد معارك ضارية وسفك دماء، وما نتج عنها من حرب أهلية عاصفة بين ما عرف بـ(الحرس الأحمر) من جهة، والحرس الأبيض يسانده القوزاق من جهة أخرى.

في الكتاب، تجد حرية الصحافة الواسعة، للأحزاب والفئات السياسية في ظل حكومة فبراير 1917، والتزامها بالتوقيتات الدستورية، على الرغم من الأوضاع المتأزمة الضارية، والحرية الواسعة في التعبير والنقاش في مجلس الدوما، وهو ما تلاشى رويدا رويدا، وصعود مقولات (ديكتاتورية الشعب الديمقراطية) وتحول الحال إلى حكم الفرد الأوحد، حتى أن تسعة عشر حزبا وكيانا ومنظمة شاركت في انتخابات الجمعية التأسيسية في بتروغراد، بتاريخ 30 نوفمبر 1917 فتجد الاشتراكيين الشعبويين، والكاديت، والبلاشفة، والمناشفة، وعصبة قوات القوزاق، وعصبة حقوق النساء، والثوريين الأوكرانيين واليهود، و، و، وإذ يتلكأ صدور الصحف لانفلات الأمن واضطراب الحال، تجد كثرة المنشورات الملصقة على الجدران.

أنا أنظر إلى هذه الحالة بوصفها دلالة على الحرية في القول، وهي كما أرى مقدسة، وبذهابها تتحول الحياة إلى جحيم، كما ترد إشارات إلى الراديو، إن وجود الإذاعة في ذلك الوقت يعني الكثير، وإن المجتمع، أخذ بأسباب الرقي والتحضر.

في هذا الكتاب الوثائقي الذي منع يوسف دجوغاشفيللي- ستالين تداوله أيام صعود نجمه، لأن فيه ذكر لعدوه اللدود ليون. د. برونشتاين- تروتسكي، الذي كان مسؤولا عن الشؤون الخارجية في أول حكومة بلشفية، فضلا عن كامنييف وزينوفييف، تقرأ عن انهيار تقاليد الجيش الروسي، وعبث الجنود، وعدم احترامهم للضباط والضبط العسكري، وكثيراً ما قتلوا ضباطاً بادعاء عدم ولائهم لحكم العمال والجنود البحارة، وأخيراً صدور القرار الذي حمل توقيع فلاديمير أوليانوف – لينين. رئيس مجلس مفوضي الشعب، بإلغاء الرتب في الجيش ابتداء من رتبة عريف حتى جنرال، كذلك ألغي استعمال الألقاب عند المخاطبة بين الرئيس والمرؤوس، ومع إلغاء رتبة ضابط، تلغى جميع تنظيمات الضباط المنفصلة، الكل متساوون يحملون لقب (جنود الجيش الثوري)! تقرا هذا الكتاب فتجد التأكيد المستمر على مصادرة أراضي الملاكين، الأمر قد يهون ويقبل لو كانت المصادرة لقاء تعويض، تشتريها الدولة منهم في سعيها للسيطرة على وسائل الإنتاج، وتوزعها على الفلاحين والمزارعين، لكن عمليات المصادرة التعسفية تأتي لدغدغة مشاعر الفلاحين، الذين كانوا يكرهون البلاشفة، فحاولوا استمالتهم بمصادرة أراضي الملاكين، وكأن الدولة والمجتمع غير مسؤولين عنهم، وتوزيعها مجاناً على الفلاحين، ترى كيف ينعم إنسان بسرقة أموال آخرين، أو يستسيغها؟ لقد كان البلاشفة يعتمدون على عمال المدن والجنود البحارة، الذين كان لهم الفضل الأوفى في سيطرتهم على الحكم في روسية.

 

في الكتاب، تجد حرية الصحافة الواسعة، للأحزاب والفئات السياسية في ظل حكومة فبراير 1917، والتزامها بالتوقيتات الدستورية، على الرغم من الأوضاع المتأزمة الضارية، والحرية الواسعة في التعبير والنقاش في مجلس الدوما، وهو ما تلاشى رويدا رويدا.

لينين قائد تاريخي

تقرأ في الكتاب، فتجد الإنسان ذاته في كل زمان ومكان، لدى الهجوم على قصر الشتاء، الذي كان مقرا للقياصرة، ومن ثم حكومة كرنسكي الشباطية 1917 فتسرق محتويات القصر، على الرغم من الجهد الشاق الذي بذله الحرس الأحمر، في منع الناس من النهب والسلب، صارخين في السراق، أن السرقة لا تليق بأبطال الشعب، وغالباً ما كان الذين يقبض عليهم ينضمون إلى الحرس الأحمر، ويساعدون في تفتيش الرفاق الآخرين.

يظهر الكتاب أنه لا دور لستالين فيها، ودور متأخر للينين، ولعله كان يخشى على نفسه الظهور العلني، الذي يصفه جون ريد، وهو ينقل للتاريخ وقائع يوم الخميس الثامن من نوفمبر 1917: كانت الساعة تشير إلى التاسعة إلا عشرين دقيقة عندما أعلنت موجة راعدة من الهتاف، قدوم أعضاء مجلس الرئاسة ومعهم لينين – لينين العظيم. رجل مربوع القامة، قصيرها، ذو رأس أصلع مدور يغوص بين كتفيه، وعينان صغيرتان وأنف دقيق وفم ممتلئ وذقن كبيرة حليقة بدأت تنمو عليها لحيته الشهيرة. كان يرتدي ثيابا رثة، وكان سرواله كبيرا عليه، ليس مهيبا ليكون معبود الجماهير، لكنه كان يحظى بحب واحترام لم يحظ بمثلهما إلا القليل من القادة في التاريخ.

إنه نوع غريب من القادة الشعبيين، قائد بفعل قوة فكره ليس إلا، لم يكن بهي الطلعة ولا مرحا ولا غريب الأطوار، كان منكفئاً على نفسه لا يساوم، ويملك مقدرة هائلة على تفسير أعمق الأفكار بعبارات بسيطة، وتحليل الأوضاع، ويجمع بين الشجاعة الفكرية البالغة إلى حدة الذكاء».

تقرأ في الكتاب فتلمس، أن سيطرة البلاشفة التدريجية على السلطة قوبلت باعتراض واسع، وصل إلى شن الحرب ضدها بقيادة كرنسكي، لا كما تجده عند شعوب وبلدان أخرى، ما أن يصل ضابط إلى إذاعة أو تلفاز، ويذيع بيانا أول، حتى ينفرط عقد الدولة والمجتمع! بل حتى لينين يلقي خطابه الذي أشرت إليه آنفاً تجد من يعارضه، بل إن العديد من المؤتمرين غادروا قاعة المؤتمر احتجاجا واعتراضا.

ومن أجل أن يكون هذا الصحافي، الذي قدم هذا السِفر الوثائقي المهم قريبا من الحدث، فإنه ذهب إلى قصر الشتاء، وتعرض إلى مخاطر جمة كاد يفقد معها حياته: وقف جندي عملاق معترضا طريقنا، ووجهه الأسمر محتقن بالريبة. ثم صرخ: من أنتم وما تفعلون هنا؟ وتحلق الآخرون حولنا محدقين فينا، ثم بدأوا يتمتمون. سمعت أحدهم يقول «إنهم محرضون!» ثم قال آخر «إنهم نهّابون!». فأبرزت الأذونات التي أعطتنا إياها اللجنة العسكرية الثورية، فتناولها الجندي بحذر وقلبها رأسا على عقب ونظر إليها بدون أن يفهم.

وكان واضحاً أنه لا يعرف القراءة. ثم أعادها إلينا وبصق على الأرض» أوراق» قال باحتقار، وبدأ الحشد يضيق علينا.. ونظرت فوق رؤوسهم، فلمحت أحد الضباط، وقد بدا يائسا، فناديته فأخذ يشق طريقه وسطهم متجها إلينا.

قال: أنا المفوض. من أنتم؟ ما هذا؟ فتراجع الآخرون منتظرين النتيجة، بينما ناولته أوراقنا.

فسأل بسرعة بالفرنسية: أنتم أجانب؟ الأمر خطير جداً.. ثم التفت إلى الجمع حاملاً أوراقنا، وصاح: رفاق! هؤلاء هم رفاق أجانب من أمريكا. جاءوا إلى هنا لكي ينقلوا إلى مواطنيهم الأخبار عن شجاعة جيش البروليتاريا وانضباطه الثوري!

فاعترض الجندي العملاق وصرخ آخرون، فتضرع إليهم الضابط والعرق ينضح على جبينه: رفاق! رفاق! إن التوقيعات الموجودة على هذه الأذونات هي للأشخاص أنفسهم الذين وقعوا على إذني أنا! ثم قادنا خارج القصر متمتما: لقد نفذتم من خرم الإبرة».

وفي اليوم الثاني ذهب إلى الجبهة لنقل وقائع الحرب التي يقودها كرنسكي رئيس الحكومة الشباطية المؤقتة، ضد البلاشفة والحرس الأحمر الذين انتفضوا ضده، إذ كان جون ريد وفريقه الصحافي يحملون أذونات وأوراق تعريف صادرة عن البلاشفة، لكن حصل أن شنت قوات كرنسكي بمساندة القوزاق هجوما في وقت سابق على المنطقة التي كان جون ريد يروم الوصول إليها فتغير الحال، بل اضطرب فالناس لا تعرف إلى من تنظم؟ يتقدم ريد إلى أحد الجنود ليسأله من أنتم؟ وكان يريد معرفة هل هم جند كرنسكي أم السوفييت؟ فيجيبه أحد الجند، نحن الحراس.

فيوجه السؤال ثانية محددا.

– أنتم من جند كرنسكي أم السوفييت؟

فأجابه الشخص ذاته.

– نحن محايدون!

ثم يقدمون إلى ضابط برتبة عقيد: بدا متعجبا. سألنا بأدب كيف وصلتم إلى هنا بدون أن تقتلوا؟ سيدخل كرنسكي المدينة بالنسبة للتصاريح التي تحملون.. ستكون حياتكم في خطر إذا قبض عليكم، لسنا مع كرنسكي، كما ترى نحن في وضع حرج، تلطف العقيد بإرسال مساعده ليرافقنا إلى المحطة، ناظرا من نافذتي في القطار قطعات من الجنود والحرس الأحمر بدون قيادة تتجول».

صحافي دقيق ومنصف

وأنت تنجز قراءة هذا الكتاب الذي دونه بحرفية وصدق، الصحافي الأمريكي اليساري جون ريد ( 1887-1920)، الذي قدم فيه ما يشبه النقل الحرفي لوقائع جلسات المحاكمات، أو المفاوضات بين الدول، أو ما يشبه الصورة القلمية التي تقترب من الصورة الفوتوغرافية للحدث، ولولا هذا الجهد المخلص لذهب الكثير من حقائق الحياة والأشياء ووقائعها، إنه في بعض جوانبه لا كلها، تاريخ لما قد يهمله التاريخ الرسمي المدون، وأنا أنجز قراءة هذه الحوادث العاصفة الحاسمة، كنت أتساءل، أما كان تفادي هذا الجموح الشرس نحو تقلد السلطة، أما كان الأجدر العمل مع الأحزاب الأخرى بعيداً عن لغة الإقصاء والاستحواذ، التي جلبت حربا أهلية وسفكا للدماء، وخسائر مادية واعتبارية، وتهديماً لكثير من الجميل من القيم والأسس المجتمعية، ومن ثمّ تحول الحكم إلى خوف من الأخ الأكبر، الذي تغطرس وتجبر وأمسى ظلا للإله الذي ينكره؟

كان البلاشفة يصدرون صحفهم «أزفستيا» وغيرها للعمال والطلبة، لكن ما أن تمكنوا بعض تمكن حتى وأدوا هذه الحرية الصحافية، بوصفها أقوى أسلحة البورجوازيين في تسميم العقلية الشعبية! وإن من المستحيل ترك هذا السلاح الذي لا تقل خطورته عن القنابل والرشاشات بيد العدو، لهذا اتخذت إجراءات سماها البيان الذي وقعه رئيس مجلس مفوضي الشعب، فلاديمير أوليانوف (لينين)، إجراءات وقتية من أجل إيقاف سيل القذارة والافتراء، الذي يحلو للصحافة الصفراء والخضراء، إغراق الانتصار الشعبي الفتي به.

لكن هذه الإجراءات الوقتية التي وصفها البيان لم تلغ أبداً وحتى سنة 1991، أو مدارسة ما اقترحه كرنسكي، بعقد ندوة حوارية ديمقراطية، تتناول إنشاء جمعية تضم جميع عناصر الأمة، القوى الحية، كم وصفها كرنسكي بمن فيهم أصحاب المصارف، والصناعيون، وملاك الأراضي، وممثلو الكاديت، فرفض البلاشفة ذلك.

هل كان بالإمكان؟

أتحدث عن تلك الحوادث العاصفة، ويفصلني عنها قرن من الزمان، مما قد يضعف من توصلاتي وآرائي، لكن ما زلت عند موقفي، إنه كان بالإمكان كبح هذه الغرائز المنفلتة، والعمل مع الآخرين – ولو بحده الأدنى- حفاظاً على البلد من أن تنوب به النوائب، وتفادي لغة الخوازيق ما أمكن؟ إذ صدر يوم السبت 10 نوفمبر 1917منشور تحت عنوان (إلى الخازوق) جاء فيه: في هذه اللحظة الحاسمة التي تعيشها الجماهير الروسية، يقوم المناشفة والاشتراكيون الثوريون اليمينيون بخيانة الطبقة العاملة .

لقد انضموا إلى جانب كورنيلوف وكرنسكي لا توجد قوة تستطيع دحر ثورة الشعب.. رئيس الوزراء كرنسكي وأتباعه ينتظرون العقاب العاجل، سنعلقهم على الخازوق. هل كان بالإمكان العمل على أحسن وأجدر مما حصل وكان؟

 

  • كاتب عراقي

 

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي