"سفاستيكا" العراقي علي غدير .. رواية الديكتاتور

2020-11-15 | منذ 7 شهر

الجلاد البعثي الشهير الذي انتهت حياته بمغامرة انقلاب فاشلة

عقيل عبد الحسين*

ظهرت رواية الديكتاتور، في الأدب العربي، في العقدين الأخيرين، نوعا من أنواع الرواية التي تعيد إنتاج التاريخ السياسي القريب، وتجعل شخصياته شخصيات روائية، فتخضعها للخيال والتخييل؛ لتلج عوالم شخصية الديكتاتور النفسية، وتفسر سلوكياته، وردود أفعاله عبر وقائع يتداخل فيها المتخيل بالمرجعي، والمختلق بالتاريخي، وتقدمها للقارئ في صورة روائية يسهل فهمها، بعيدا عن حواجز الولاء أو العداء، التي تنهض عادة بين الشخصية السياسية والقارئ، فتمنع فهمها وتقيمها تقييما موضوعيا.

وقد تفسر رواية الديكتاتور عبر التمثيل السردي، ظاهرة الديكتاتورية وترجعها إلى أصول نفسية أو اجتماعية أو تاريخية، أو تتخصص في إبراز علاقة ملتبسة بين المثقف، أو الثقافة، والسلطة.

ومن أبرز نماذج هذا النوع من الرواية، رواية «عالم صدام حسين» لمهدي حيدر (صدرت عن دار الجمل، 2003). والشخصية الرئيسة في الرواية هي صدام حسين، الذي يسترجع انطلاقا من لحظة حرب الخليج الثانية، عام 1991، مراحل من حياته المبكرة وشبابه ونشاطه السياسي وصولا إلى الحكم. ويطغى عليها المنظور النفسي الذاتي؛ فالأحداث تروى من منظور الشخصية، أو أكثر من شخصية، ففضلا عن شخصية صدام، تظهر شخصية ناظم كزار، الجلاد البعثي الشهير الذي انتهت حياته بمغامرة انقلاب فاشلة على أحمد حسن البكر الرئيس الأول بعد تغيير 1968.

وتقدم الشخصيات من خلال السرد تفسيراتها الخاصة للأحداث السياسية والشخصية التي عاشتها ولا يعرف الناس إلا ظاهرها. ومن الروايات الأخرى رواية «ليلة الريّس الأخيرة» لياسمينة خضرا (صدرت عن دار الساقي ـ بيروت 2016) وهي عن القذافي وليلته الأخيرة قبل مقتله، محصورا في مدينة سرت، وتتضمن استرجاعا لحوادث حياته من طفولته، وصولا إلى تفرده بحكم ليبيا، وانتهاء بانهيار حكمه ونظامه الحاكم. ويغلب على الرواية المونولوج الذي يُظهر أوهام العظمة عند الشخصية، ويبرر انقطاعها عن العالم من حولها، وميلها إلى تغليب رأيها وصوتها على أي رأي أو صوت آخرين.

ومن النماذج الروائية الأخرى على هذا النوع من رواية «سفاستيكا» لعلي غدير (سطور ـ بغداد 2016). وتوظف الرواية شخصية صدام حسين باسم السيد النائب. وهو الاسم الذي عرف به قبل تمكنه من حكم العراق أواخر عام 1979 والسيد الرئيس حفظه الله ورعاه، وتذكره باسمه صدام حسين رئيس جمهورية العراق في أثناء حكمه، والرئيس المخلوع بعد 2003.

وتحيل إلى الشخصية بكلمات عُرفت بها مثل (عفيه). وهي كلمة تشجيع وثناء عراقية عامية. ومثل أفعال سياسية عُرفت بها، مثل محاولتها اغتيال عبد الكريم قاسم الرئيس العراقي الأول في العهد الجمهوري، الذي جاء بعد إنهاء الحقبة الملكية في 1958.

وهنالك إشارات إلى ابن عم النائب الذي مثّل شخصيته في فيلم عن نضاله، معروف باسم «الأيام الطويلة» وإشارات إلى تمكّن أفراد من عائلته من مفاصل الدولة المالية والإعلامية والسياسية. والإشارة إلى هروب صهر الرئيس مع زوجته إلى الأردن؛ لأنه كان سيُعدم بتهمة محاولة انقلاب، هي مكيدة ابن الرئيس المضطرب نفسيا وسلوكيا.

وتجعل الرواية الشخصية الأخيرة مزيجا من شخصيتي الأخوين صدام وحسين كامل، أولهما مثّل شخصية الرئيس في فيلم، وثانيهما احتل مناصب كبيرة في زمنه، منها وزير الدفاع، ووزير الصناعة، ورئيس هيئة التصنيع العسكري.

 

تُقدّم لنا رواية الديكتاتور شخصية أقرب إلى الخيالية، لا تشبه شخصية الديكتاتور الحقيقية، شخصية تُوظف حوادث حياتها العامة وصفاتها النفسية والجسدية الرئيسة واسمها في الرواية.

وقد فرّ الاثنان إلى الأردن، وعادا ليُقتلا بعد أن جُردا من زوجتيهما، ابنتي الرئيس، وأطفالهما. ولا تكتفي الرواية بالأحداث التاريخية المعروفة لشخصية الديكتاتور، ولكنها تورد أحداثا من صنع الخيال، منها مثلا، ما يرويه (بسمان المفتي) لأحد الأمريكيين المسؤولين عن اعتقال صدام حسين مُشكِكا في صحة الصورة والرواية الأمريكيتين عن اعتقاله، فيقول: قابلت صدام للتوسط لتاجر أراد ابن الرئيس أن يشاركه تجارته، وبعد أن سمع التاجر، وقرر أن يمنع ابنه من مشاركته، سألني عمّن أخبرني أنه في الرضوانية، فقلت له: «مرافقكم سلام، الذي كنت قد دفعت له ثمن المعلومة، وقف صدام قبالته، ومن مسدسه الخاص أطلق رصاصة اخترقت قلب سلام».

والحدث يشدد على حس الديكتاتور الأمني ودمويته، المعروف بهما بين العراقيين، التي يصعب معها الإمساك به بالطريقة التي نقلها الأمريكيون للعالم. وهو يفيد منهما في نسج نفسه.

وأصل بسمان قروي بسيط كان يسمى (حوّاس) قبل أن يضعه القدر مصادفة في طريق موكب النائب الذي كافأه؛ لأنه علم منه أن أباه فُقد بعد أن قتل عشرة من الأكراد العصاة – والكلمة كانت تُطلق في زمن صدام على الكرد المسلحين المناوئين للنظام – بأن حقق له أمنيته في أن يصير صحافيا مشهورا، ثم واحدا من المقربين له ولعائلته، والمثرين على حسابه، المتقنين لفن استغلال الظروف والفرص لتحقيق الغايات؛ فهو مع الرئيس السابق في العهد القديم، وهو نائب لرئيس الوزراء في العهد الجديد.

والشخصية على الرغم من أن اسمها روائي بحت، ولا يعود إلى شخصية سياسية معروفة تاريخيا، تحيل إلى شخصيات ممكنة الوجود في المجال السياسي. وقد يقترح لها القارئ اسما حقيقيا من انتهازيي السلطة، الذين يعرفهم، الموجودين في أي زمان ومكان.

وهي، عموما، تُظهر سمة سردية من سمات رواية الديكتاتور هي أن قسما من شخصياتها مختلق، يسهم في زيادة التداخل بين المتخيل والحقيقي في عالم الرواية، وهو تداخل ضروري؛ لنسبة الرواية إلى الأدب والفن، وإضعاف شبهة السياسي فيها؛ ولاعطائها دلالات قد تصل إلى طرح سؤال الثقافي والسياسي، فشخصية بسمان تحيل إلى الإعلام المزيف الكاذب، الذي يزين للديكتاتور أفعاله ويصطنع له الصورة التي يحب، والتاريخ الذي يريد.

ويدخل الراوي في سرد الديكتاتور إلى وعي شخصية الديكتاتور، وينقل ما يرى، وما يفكر فيه للقارئ؛ فصدام مثلا حين اقتيد إلى حبل الإعدام: «نظر في زوايا الغرفة (غرفة الإعدام) بحث عن ذكريات قديمة. تقدم إلى المشنقة وقف على المنصة بهدوء».

وينقل آراءه كان يقول: «القانون أكبر خدعة اخترعناها، نخطه بأيدينا، ثم نؤمن به إيمانا مطلقا؛ كأنه مُنزَّل من الله! وحين يتعارض مع مصالحنا، نضع عليه تعديلا، أو نلغيه أن تطلّب الأمر.. ثم نؤمن بالتعديل والإلغاء من جديد».

وفي الحالات كلها تُقدّم لنا رواية الديكتاتور شخصية أقرب إلى الخيالية، لا تشبه شخصية الديكتاتور الحقيقية، شخصية تُوظف حوادث حياتها العامة وصفاتها النفسية والجسدية الرئيسة واسمها في الرواية. وهذه هي السمة الشكلية الأساسية لرواية الديكتاتور.

أما الغاية فتنتج من سيرورة الأحداث ومن تضافر أفعال الشخصيات المختلفة، اسما وتاريخيا، ففي سفاستيكا تُلحظ غاية مضافة إلى الغاية العامة من رواية الديكتاتور، أي التنفير من الديكتاتورية وشخصياتها المختلة نفسيا وعقليا وسلوكيا، تلك هي الإشارة إلى تواطؤ الثقافة والمثقفين، ممثلا بالإعلام والإعلاميين- فهناك رؤساء تحرير وصحافيون كبار أشرفوا على تدريب حوّاس بأمر من الرئيس – مع الديكتاتور لإدامة السلطة وتكريسها وترسيخها مهما اختلفت المسميات والحقب، وهو ما صار يُلمس في بلد مثل العراق، ونشعر معه بأن التغيير الحقيقي إلى الديمقراطية والتحرر من الديكتاتور والديكتاتورية مستبعد، الآن، وعسير.

 

  • كاتب من العراق

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي