جحيم الآخرين في رواية "شمس بيضاء باردة" للأردنية كفى الزعبي

2020-11-14 | منذ 7 شهر

عبد المجيد محمد خلف*

«اللعنة تعرف طريقها إليّ.. اقتربت المرأة مني وأنا أغلق باب غرفتي التي استأجرتها، وانتقلت إليها للتوّ، وسألتني: هل أنت مستأجر جديد لهذه الغرفة؟ أجبتها: نعم، فأخبرتني بأنها جارتي، وتقيم في المنزل المجاور، وراحت بعد ذلك تحدثني عن رجل عجوز كان يقيم في هذه الغرفة قبلي. قالت إنه مات فيها قبل شهر، ولولا الرائحة الكريهة التي انبعثت منها بعد أيام من وفاته، لما علم بموته أحد»، يروي (راعي) بطل رواية « شمس بيضاء باردة» للروائية كفى الزعبي عن نفسه وعن ملازمة الحزن والألم له، منذ أول لحظة فتح فيها عينيه على الحياة، وأول لحظة انتقل فيها من القرية – التي شهدت تنشئته الأولى، وأمعنت في عذابه- إلى المدينة التي دأبت على قتل روحه شيئاً فشيئاً، لتكمل مشهد العذاب في رحلته الوجودية، واصفاً إياها باللعنة، وهي بالفعل لعنة حلّت عليه، وأحاطته بدوّامتها من كافة الجهات؛ ليضيع في دروب تلك اللعنة – التي قصد بها المجتمع من حوله – وبين أناسها الذين لم تعرف الرحمة إلى قلبهم سبيلاً، ولم يدركوا معاناته، وعذابه اللامتناهي في الحياة، بل حتى قيمة ثقافته واهتماماته. عالم مسكون بالشرّ، مدينة تنال منه، ومن أمثاله الذين لا شيء لهم في الدنيا، لا منقذ لهم، ولا سند يلتجـــــئون إليه في ظروف كــــتلك الظروف التي وضع فيها (راعي)؛ بطل الرواية، الذي أخذ يسرد قصة حياته، في اللحظة التي انتقل فيها إلى الغرفة التي استأجرها، ليعود بعدها بنا إلى التفاصيل الصغـــيرة التي دفعت به إلى مغادرة قريته، والنأي بنفسه عنـــها، وعن كل ما يمت لأهله بصِلة، خاصــة والده الذي أمعن في تعذيبه، وما كان الشقاء الذي يعانيه إلا بسببه فقط، هو وحده من كان مسؤولاً عن الوضع الذي آل إليه ابنه (راعي)؛ فعدم الاهتمام به، إهماله، ونبذه، ونبذ ورفض رغباته، واهتماماته بالعلم والثقافة، ونعته إياه بالحمق وعدم الفائدة، ومحاولة جعله – مثله مثل غيره من الآباء في المجتمع – أن يكون على شاكلته، ويمضي في الطريق الذي يرسمه له، ليكون ناجحاً حسب رأيه في الحياة، ليتم وأد أحلامه، وقتلها، ومحلّاً لسخرية الآخرين به، فلا يكتمل نضوجه العقلي، ولا العاطفي، نتيجة النبذ، والطرد، والإهمال، فيدخل في دائرة الضياع، ويدور حول نفسه في حلقة مفرغة لا نهاية لها، ويكون مصيره الاغتراب عن المجتمع، والناس الذين من حوله، والذين هم أيضا بدورهم أهملوه، وسخروا منه، ليصل به الأمر إلى درجة الجنون والتيه عن الوجود كله «غرباء … الغياب.. الغرباء هم أولئك الذين ينتمون إلى (هناك ما)، وليس إلى (هنا)، وهذا الـ(هناك ما) غائب، وهذا الـ (هنا) حاضر، وفي حضوره نحن غرباء. وهؤلاء الغرباء كلهم أنا، والغياب كله أنتِ».

 

الم مسكون بالشرّ، مدينة تنال منه، ومن أمثاله الذين لا شيء لهم في الدنيا، لا منقذ لهم، ولا سند يلتجـــــئون إليه في ظروف كــــتلك الظروف التي وضع فيها (راعي).

أسئلة لابدّ منها

قلق وجودي، مسيرة حياتية يرافقها الكثير من الوجع، غربة روحية، محاولة الابتعاد عن الناس، والعيش في عزلة تامة، بعدما برهنوا أنهم أصبحوا الجحيم بالنسبة إليه، رحلة البحث عن الأمان، الحرية، الخلاص، طرح أسئلة كثيرة بحاجة إلى الإجابة عنها في ظل هذا الضياع الإنساني، وانشغال الناس بالأمور المادية، ونبذ الثقافة والمعرفة، وكرهها، معاداة الكتب، وقرّاءها، واقع سوداوي مؤلم، صراعات لا تنتهي، وواقع يؤدي إلى الوقوع تحت سطوته، وسلطته التي لا ترحم، بيئة محافظة على التزلف والخداع، وتعيش في نفاق، وكل ما حوله مظاهر برّاقة، ووهمية، وأفراد يدّعون بما ليس فيهم، ابتداء من الحلقة الضيقة التي يعيش فيها الشاب المثقف (راعي)، وهي الأسرة، وتأثير والده فيه، وجبروته وقسوته عليه، وعلى أمه، وانتهاء بالحلقة الأكبر، وهي المجتمع بأكمله، الذي لا يتركه وشأنه، ويمعن في تعذيبه، واغترابه؛ لتزداد الهوة بينه، وبين الآخرين الذين يحيطون به.

تضعنا الكاتبة أمام جملة من الأسئلة التي لابدّ من الإجابة عنها، والبحث في الأسباب التي أدت إليها في الرواية، من خلال حكاية (راعي)، المثقّف، الذي تدفعه ظروفه إلى الانتقال من القرية إلى المدينة، لتبدأ رحلة بحثه في الحياة عن ذاته، وسعادته، ليصطدم في خطوته الأولى من جولته، عندما يستأجر غرفة بسعر زهيد في مدينة عمّان.

معاداة الثقافة

في واقع كالواقع الذي وصفته لنا الكاتبة، تصبح الثقافة أمراً يدعو إلى السخرية، وكل ذلك بسبب الجهل المستشري فيه، والذي يؤدي إلى تسلط التديّن، والأفكار السلبية تجاه العلم والقراءة، فوالده الجاهل كان يكره الكتب، ويدّعي الالتزام بالدين، ولا يفقه شيئاً فيه، ويعادي ابنه لشرائه لها، ويعتقد بأنها هي التي دفعت به للإلحاد والزندقة، والفشل في حياته، ويصرف وقته من دون فائدة عليها؛ لأنه كان يريد له أن يعمل مثل باقي أبناء جيله، يكسب المال، ويتزوج من امرأة، ويقضي عمره برفقتها، كما فعل هو مع أمه، وينجب أطفالاً، ويلبي غرائزه ورغباته، ولكنه لم يفعل، بل سلك طريقاً مناقضاً تماماً للطريق الذي رسمه له الأب، لأنه كان يجد ضالته في الكتب، ورغبته في الخلاص من هذا العالم الذي يخنقه بالوعي والثقافة، ومن جهل يحيط به، لذلك كان ينطلق قاصداً المكتبة في جبل عمان، ليحقّق حلمه، وينفكّ من أسر التشاؤم الذي ينغزه «كسوسة دؤوب»؛ على حدّ قوله، ليجسّد هذا الشخص صورة جيل بأكمله، يعاني من هذه الحالة، وهذه الأزمة المتمثّلة بالمتزمتين، وضعاف النفوس، والمتمسكين بالجهل إلى أبعد درجة، ليصبح ضحية لهم.

حب الكتب، والتعلّق بها يدفع بطل الرواية إلى بذل كل جهده لاقتنائها، على الرغم من معاداة الأب لذلك، لجهله، وبخله، تزورهم أم عائشة قريبتهم، يكره الوالد زياراتها، ويطلب من أمه ألا تستقبلها في الدار، وبموت أم عائشة بحادث سيارة، يطمع الوالد بأموالها، تصبح ابنتها عائشة يتيمة، وهي بنت بلهاء، لديها مشكلة في عقلها، يقرر الوالد أن تعيش معهم في البيت، طمعاً في الاستيلاء على أرضها التي ورثتها بعد وفاة والديها، ويضع يده بالفعل على أموالها بلا وازع من ضمير، يعمل راعي وهو ابن سبع عشرة سنة ليكسب بعض المال، فيشتري به الكتب، ومن خلال حديثه مع العمال يسمع بقصص عن الجنس لأول مرة في حياته، يدفع به الأمر إلى ارتكاب الخطيئة مع عائشة، لأكثر من مرة، بدافع من غريزته المكبوتة، وحرمانه من العاطفة في المنزل، حين تدخل إلى غرفته في الليل، وتنام معه في الفراش إلى جانبه، يعرف أهله بالأمر الذي جرى بينهما، يقوم الأب بضربه بشدة، وتوبّخه أمه، وتقرّعه، يبحث الأب بعدها عن زوج ساذج مثلها ليزوجها به، ويضربها حتى يسقط الجنين الذي في بطنها، لتمــوت على إثر ذلك، ليبدأ راعي بلوم نفسه بموتـــها، فيتمنى موت والده، الذي قتلها، ويفـــكر كثيراً في الانتـــحار: «لطالما فـــكرت في الموت والانتحار، خطر لي أنه بعد هذا العرض لابد لي – أنا الميت – من الاحتفال باحتساء كأس من الخمرة، كأنه ليس مشهد النهاية، بل هو مشهد لبداية أخرى، يدرك فيها العالم الخطايا التي ارتكبها بحقّي، ويبكي أسفاً عليّ، ثم يغمرني بالحياة».

لتكتمل الأحداث بعدها في الرواية مع راعي الذي يعمل (مدرّساً) عن صديقه أحمد الذى كان يعمل معه في المدرسة، ويخوض معه في مواضيع كثيرة، يسهر معه، ويشرب، ولكن هذا الشرب لن يتسبب له بترك صلاته.

– رواية «شمس بيضاء باردة» الصادرة عن دار الآداب، بيروت، عام 2018، وتقع في (318 صفحة).

 

  • روائي وناقد ـ سوريا

 

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي