رواية "وادي الحطب".. صورة نابضة للمجتمع الموريتاني

2020-11-08 | منذ 7 شهر

قراءة أدب جديد لأول مرة

موسى إبراهيم أبو رياش*

قراءة أدب جديد لأول مرة، يعني اكتشافا جديدا، ثقافة أخرى، جغرافيا وتاريخا مختلفين، اطلاعا على تجربة إنسانية ثرية، وتواصلا مع مجتمع بكل موروثه وعاداته وتاريخه وواقعه. وقد كانت رواية «وادي الحطب» للروائي الشيخ أحمد ألبان نافذتي السردية الأولى على الأدب الموريتاني، ومن ثم التعرف على عالم متنوع، عميق الجذور، ضارب في الأصالة والعراقة، غير منفصل عن محيطه العربي.

ولعل «وادي الحطب» بقدر ما أدهشتني بجمالها وروعتها، ولغتها الشعرية الفاتنة، وفضائها الأقرب إلى نفسي، إلا أنها أدانت تقصيري تجاه هذا البلد العربي المدهش، وأدبه الرائع المعتق بشذى الصحراء وقسوتها، وتناقضاتها وغموضها، وفضائها الرحب الذي لا يرضى بغير الحرية والانطلاق بديلا.

«وادي الحطب» الفائزة بجائزة كتارا للرواية العربية المنشورة 2020، ليست مجرد رواية تُقرأ وتُنسى، خاصة لمن يقرأ رواية موريتانية لأول مرة، فهي موسوعة معرفية عفوية لموريتانيا، من حيث اللغة الراقية المحلقة، والإنسان الموريتاني الذي يعيش في الصحراء وتقلباتها وبطشها، ولعاداته وتقاليده وثقافته وعلاقاته وفنونه وهمومه، والاختلافات القبلية الداخلية والبينية، وللجغرافيا المتنوعة، وللحيوان والنبات، وللمستعمر الفرنسي المستبد وأذنابه، وللمقاومة الموريتانية التي رفضت الخضوع والقبول بالأمر الواقع.

عنوان الرواية «وادي الحطب» هو المكان الذي تدور فيه معظم أحداث الرواية، وموطن القبيلة، في منطقة «أفله» وهو مكان حقيقي، كما غيره من المناطق التي ذكرتها الرواية.

كما أن للعنوان دلالة رمزية عميقة عبّر عنها حاكم «تامشكط» الفرنسي «كزافييه» بقوله في نهاية مذكراته، وقد عرف سر السيطرة والتحكم بالقبائل: «عرفت من خلال هذه الحصرة، ومن خلال ملاحظاتي قبلها أن المجتمع البيضاني لا يملك قوة الجماعة، بل إن كل فرد منه مجتمع مستقل بنفسه، تحركه مصلحته فقط، ويمكنه أن يدوس في سبيلها على مصالح المجموعة، تماما مثل العلاقة بين الأغصان في أودية الحطب، لا جذع شجرة يجمعه، ولا ماء يسقيه دفعة واحدة.. الآن يمكنني أن أشعل أودية الحطب متى شئت، وأحيلها إلى رماد، بدون أن يصيبني شرر جمرها الملتهب».

الصراع على رئاسة ومشيخة القبيلة، كان موضوعا بارزا في الرواية، ربط بقية الموضوعات، وأظهر الاختلافات، وفضح الولاءات، وكشف الأقنعة، وأظهر الحقائق؛ فقد تحالف «امهادي» مع الفرنسي لاعتقال وسجن منافسه وزوج أخته «خطري» ضاربا عرض الحائط بصلات النسب والجوار والقبيلة، ومن قبل مشاعر أخته «تربه فال» وأولادها، كما أن «سلماتي» تمنى في قرارة نفسه أن لا يعود أخاه «خطري» فتخلو له الطريق نحو الزعامة.

وموضوع الصراع على السلطة، مشكلة عالمية، ولعلها عند العرب أظهر، فلا يمكن أن يتفق الجميع على زعيم واحد، ولكل زعيم عيوبه، وعندما تنقلب الآية، لا يختلف الجديد عن القديم، ولا المعارض عن الموالي.

أما الولاء للمستعمر، والاستخذاء له، فهي لعنة لا تنفك عن معظم الزعامات، وكل منها ينافس الآخر بخضوعه وتنفيذ أوامره، وخيانه رعيته من أجله، ومع كل ذلك، لا يزيد المستعمر إلا إذلالا لهذه الزعامات واحتقارا لها وركوب ظهرها، فقد أخضع الفرنسي «خطري» في سجنه، وحوله من المعارضة إلى الموالاة، كما أنه أذل «سلماتي» وأهانه حتى يجعل له نصيبا من السلطة، وبدلا من زعيم واحد للقبيلة، نصب «كزافييه» ثلاثة رؤوس، تتسابق لخدمته، وصراعها الداخلي، يضمن له تفرق القبيلة وانشغالها بنفسها.

المستعمر، هو المستعمر في كل مكان وزمان، يظلم، يبطش، يسجن، يقتل، يفرض الضرائب، يستعبد الناس، يقضي على كل بادرة مقاومة أو رفض، يستخدم سياسة العصا والجزرة، يزرع بذور الفرقة. وقد مثل «كزافييه» شخصية الحاكم المستعمر المتسلطة، التي تسعى إلى السيطرة المطلقة، لا يعير أي اهتمام للناس ولا لزعمائهم، إلا بما يكفل له الحكم المطلق بدون مقاومة.

أبرزت الرواية دور «المحاظر/الزوايا الدينية» باعتبارها معاهد علم، ومحاضن تربية، وبؤر مقاومة للمستعمر وأذنابه، وعرضت جانبا من ظروفها الصعبة، وما يدرس فيها، ومستوى علمائها وطلبتها، ودورها في حل الخلافات، وتوحيد الكلمة، فهي القلب النابض للمجتمع الموريتاني، ومنبعه النقي الأصيل. وتظهر حرص الموريتانيين على العلم والتعلم، على الرغم من شظف العيش، وقسوة الظروف، ونأي المسافات؛ لأنهم يؤمنون أن المتعلم في «المحظرة» إنسان مختلف بعلمه وفهمه وحكمته. واهتمت الرواية بالعادات الموريتانية في حفلات الزواج؛ من رقص، وغناء، وفرق غنائية، وشعر، وشعر شعبي «كيفان» وحناء، وملابس، وطعام، وسهر، وحب.

وتطرقت للآلات الموسيقية الشائعة هناك، وأبرع العازفين عليها. كما أبرزت الرواية عادات وطقوس الرحيل، والضيافة، والاجتماعات القبلية، وجهود البحث عن الضال من الماشية، وغير ذلك مما يُعطي صورة واضحة لمنطقة من الصحراء الموريتانية الواسعة.

تناولت الرواية التفاوت الطبقي في المجتمع، حتى بين أبناء القبائل، وقد احتل العبيد والإماء مساحة كبيرة من الرواية، خاصة «امبيريك» دلالة على حضورهم الواسع والمؤثر آنذاك، فقد كان لكل بيت عدد من العبيد والإماء، وعلى الرغم من تجريم فرنسا للعبودية، إلا أنها غضت الطرف، بل استثمرت وجودهم الكثيف بفرض ضرائب يدفعها السيد حسب ما يملك من عبيد.

وكان العبيد والإماء يقومون بمعظم الأعمال والأعباء في البيئة الصحراوية، من رعي وحلب وذبح ماشية وتحطيب وجلب ماء وخدمة البيت والدواب، كما يقومون بمهمات خاصة لسيدهم مثل التجسس والمراقبة، والقتل ونقل الرسائل وغيرها، في حين أن السيد لا يعمل في الغالب، فهو يعتمد بالكامل على عبيده، إلا في ما ندر.

من حسنات الرواية أنها عرّفت القارئ العربي على المكان الموريتاني واختلافاته وتضاريسه وتفاصيله وتنوعه، مثل: وادي الحطب، الأنحاب، تامورت لكور، تنكاره، تامشكط، التيشطايه، صيراطة، أفلّه، لعصابه، الحوضين، لفده، وغيرها، وإن كان من الأفضل أن تتضمن الرواية بعض الخرائط التوضيحية، صحيح أن القارئ عليه أن يبحث ليتعرف أكثر، ولكن هذا لا يقلل من أهمية وجود خرائط في ثنايا الرواية، باعتبارها نصا مصورا، يختصر الكثير، ويقدم الكثير.

الأسماء الموريتانية لها خصوصيتها، التي تختلف عن الأسماء المشرقية، وجاءت الرواية لتعرّف القارئ على بعض الأسماء التي كانت معروفة في ذلك الزمن، ومن أمثلة ذلك: أحمدونا، لمرورح، بُتَّار، امرابط اتلاميد، أجمله، خطَّاري، بوتبيب، لمعيدل، النانمي، سانقو، بوفال، الفارهة، وغيرها كثير. وتميزت الرواية بلغتها البكر الأنيقة الجميلة؛ لكأنها تغرف من نبعٍ صاف يعود إلى أصولها ونقائها، لغة عذبة بجرسها وصرفها ونحتها ودلالتها، على الرغم من غرابة بعض الألفاظ، إلا أن معناها واضح جلي، لتؤكد أننا نحن الغرباء لا هي، وما أجمل أن يعيد الأدب للغة رونقها وجدتها وبراءتها وطلاوتها.

وبعد؛ فإن «وادي الحطب» دار ميّارة ـ تونس ـ 2019 ـ 320 صفحة، رواية مميزة، رائعة، مشوقة مثيرة، مع سلاسة سردها، وصفاء لغتها، وخاتمتها المؤلمة. أعطت صورة نابضة لجزء من موريتانيا إبان الاستعمار الفرنسي، وما يمور في تلك المنطقة من صراعات واختلافات، تنبئ بمستقبل غامض، وأن التحولات لا تبشر بخير، والمنطقة تتجه إلى المجهول، ولكن يبقى ثمة أمل لا يخبو، وشرارة متوقدة، تؤكد أن الخير متأصل في هذا الشعب العربي الأصيل، وإن كل الظلم سيزول وإن طال أمده، وأن الظلام سينقشع لا محالة. أما الكاتب الشيخ أحمد ألبان، فهو شاعر وأكاديمي، يعمل في قطر، و«وادي الحطب» هي تجربته الروائية الأولى التي تعد بالكثير.

 

  • كاتب أردني


إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي