تصاعد الرمزية في رواية "نهاية رجل غاضب" لبسام شمس الدين

2020-11-07 | منذ 7 شهر

عالجت الرواية علاقة طردية بين محدودية التعليم والتطرف الديني

أحمد الأغبري*

عالجت رواية «نهاية رجل غاضب» للكاتب بسام شمس الدين، التي صدرت في صنعاء عن مركز دال، ما يراه الكاتب علاقة طردية بين محدودية التعليم والتطرف الديني من جهة، والغضب والعنف من جهة أخرى، وصولا إلى النهاية المحتومة، لكنها نهاية أرادها الكاتب مؤلمة؛ إذ انتهت الأحداث بـ(جعفر) والد زيد (الراوي) إلى الموت بسم أفعى، ومن ثم أكلته الضباع، خلال رحلته التي رأى أنها (مقدسة) لزيارة شقيقته التي نفاها والده مع زوجها لعدم رضاه عن زواجهما.

الصراع بين جيلين

تقاسم بطولة الرواية الأب (جعفر) والابن (زيد) اللذان خاضا غمار الرحلة، التي تروي محطاتها ماهيات الصراع بين جيلين قديم وجديد من وجهة نظر الكاتب؛ فالأب ينتمي لجيل تقليدي، علاقته بالتعليم محدودة؛ وبالتالي علاقته بالدين متطرفة ومحدودة، ويبرز الغضب والقسوة عنوانا لها، والابن الذي ارتاد المدارس، وعلاقته بالدين متزنة، تستند إلى وعي إنساني يبرز العطف والرحمة عنوانا لها.

في سياق الرواية تجاهل الكاتب أن يجيب على سؤال مفاده: لماذا لم يتعرف جعفر إلى شقيقته (الأصغر منه) عندما وصل إلى منزلها، وقد آوته وداوت جراحه وغمرته بعطفها وكرمها؟ بل إنه، بدلا عن ذلك، نظر إليها نظرة متطرفة، معتبرا إياها فاسقة لعدم احتشامها في حضرته، بل بالغ في التعامل معها حد محاولته اغتصابها، بمبرر وقوعه تحت تأثير «إغواء الشيطان» كما برر ذلك بعد أن غادر منزلها، مواصلا رحلته صوب شقيقته المنشودة التي لم نعرف كيف كان سيتعرف إليها.. وفي الطريق، التي تعرض فيها لمخاطر كثيرة، أصابته لدغة أفعى، بينما انقذ زوج اخته ابنه (زيد) من بين أيادي القرود، وعاد به إلى عمته… ومن ثم اقترح زيد أن يعود إلى قريته ومعه ابنتها (هند) لتتعرف إلى أسرة والدتها؛ وهو ما وافق عليه الأبوان، وعاد زيد مع هند بسيارة شقيقها؛ وفي القرية أخبر والدته وجده بما شهده مع أبيه منذ خروجهما من القرية قاصدين قرية عمته، وما تعرضوا له في الطرق الموحشة والمقفرة في (القفر الأسفل) في منطقة القفر (وسط اليمن).

رؤيويا… حسب الرواية فإن التطرف الديني يُعمي الشخصية عن رؤية الحقائق والوقائع بمنطق (الإنسان) ما يجعلها تجنح إلى العنف والقسوة كنتيجة عملية للغضب؛ وهو ما فسره الراوي في علاقة الجد (الفقيه) مع أولاده (الفقهاء) وقسوته في نفي ابنته إلى أرض مقفرة مع زوجها، فيما لم يفكر أحد من أفراد الأسرة في زيارتها إلا عندما رأى جعفر في المنام مَن يدعوه لزيارتها؛ فذهب لضريح أحد الأولياء مستشيرا إياه؛ فشعر جعفر بأن الضريح قد بعث له علامات بالموافقة على زيارة شقيقته، ومن هنا اعتبرها جعفر مَهمة مقدسة، وافق عليها والده؛ فذهب في رحلة طويلة محفوفة بالمخاطر مصطحبا ابنه زيد معاملا إياه بقسوة طوال الرحلة التي شاهد فيها زيد كثيرا من تناقضات والده في علاقته بالدين والحياة، لتتجلى طبيعة العلاقة بين جيلين مختلفين.

الرمزية

رفع الكاتب في هذه الرواية من منسوب الرمزية، في محاولة منه لتجاوز الإشكالات التي وقع فيها في روايته السابقة «نبوءة الشيوخ»؛ التي تناول فيها ما اعتبرها مثالب التواجد العسكري المصري في اليمن، في ستينيات القرن الماضي. وهو ما نلاحظه في الخطاب، وتحديدا الحوار الذي كان يتم بين الأب والابن وتصاعده رمزيا في تناوله لإشكالات التطرف الديني، وعلاقة المتطرف بمن حوله، إذ يتجلى العنف سلوكا لصيقا بالمتطرف في تعامله حتى مع الحيوانات.

تقنيا.. اعتمد الكاتب في هذه الرواية على البناء الدائري؛ فانطلق من عودة زيد إلى قريته؛ وعند وصوله استغربت والدته من عدم عودة والده معه؛ فبدأ بسرد الحكاية لينتهي من حيث بدأ.

تميز الكاتب في الحفاظ على تصاعد دراما الحدث، ملتزما خطا متوهجا منذ البداية وحتى النهاية؛ ما يجعل القارئ مستمرا في القراءة، متميزا بوصف رائع لتفاصيل الرحلة، وكان متميزا أكثر في اشتغاله على الرؤى والمشاعر في السرد… فتشعر بأنك إزاء عمل فكري بموازاة كونه عملا سرديا…والأجمل من ذلك، أنك خلال القراءة تشعر وكأنك جزء من تلك المشاعر والأفكار.. تستنهضك وتستفزك!

خطابيا.. جاءت الرواية ناقدة للشخصية الدينية المتطرفة، من خلال رمزية (الفقيه) وهو اسم يُطلق في اليمن على القائم على شؤون المسجد في الأرياف. وفي السياق استعرضت الرواية ما كان عليه حال الريف اليمني في وسط اليمن من تخلفٍ وطبقية وجهل، ظهر فيه التطرف الديني موحشا؛ وإن كان الكاتب لم يُحدد، ولو تلميحا، الفترة التاريخية التي اشتغل عليها؛ وهذا يؤخذ عليه كسارد.

تميزت لغة الرواية باتكاء الكاتب على قاموس مكنه من وصف الحالات والأحداث بقدرٍ من الجمال. لكنه في الحوار، الذي أخذ حيزا لائقا من السرد، اعتمد على اللغة الفصحى، بمحمولها الثقافي الافتعالي، كما هو الحال في رواياته السابقة؛ ما يجعل القارئ يشعر بتناقض، بل يشعر وكأنه يشاهد مسلسل تاريخي، بينما كان يُفضل استخدام لغة ذات محمول ثقافي يتناسب مع مستوى الشخصيات والبيئة المحيطة.

تبقى هذه الرواية إضافة لمسار تجربة الكاتب، الذي يُعد من أبرز كُتاب الرواية اليمنية الشباب؛ ومرت تجربته السردية بمراحل تعكس مدى مثابرته على تطويرها.

 

  • صحافي وكاتب يمني

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي