بيئة ومناخفضاءتكنولوجياعالم الحيوانحشراتفيزياءطيورالانسانبحار وأنهارعالم النباتاتكوارثعلوم

قصة الكون وغرائب علم الفلك في نظريات الفيزياء الحديثة - د. حسن المصدق

خدمة شبكة الأمة برس الإخبارية
2009-03-14

أعلنت منظمة الأمم المتحدة عام 2009 سنة دولية لعلم الفلك، حيث عقد ت مؤتمرا خصيصا ‏لهذه المناسبة بدأ الخميس والجمعة في مقر منظمة اليونسكو في باريس، بحيث ‏انطلق حفل الافتتاح فعليا في 15-16 يناير/ كانون الثاني 2009 تحت رعاية هيئة الأمم ‏المتحدة، منظمة اليونسكو، والاتحاد الدولي لعلم الفلك.

وشارك فيه حوالي 400 شخصاً من ‏أكثر من 100 دولة في جميع أنحاء العالم، ومن بينهم علماء وشخصيات فلكية كبيرة.

إذ ‏تتزامن هذه الذكرى مع ذكرى المائة الرابعة لأول حالة مسجلة لرؤية جرم سماوي من خلال ‏منظار العالم الإيطالي جاليليو، كما أنها تشكل الذكرى السنوية الأربعين لهبوط أول إنسان ‏على سطح القمر.

ومن ثم سيقوم الفلكيون في جميع أنحاء العالم بدعوة جميع الناس من ‏مختلف الفئات والأعمار لتأمل عجائب الكون، وللنظر عبر المسابر والمراقب إلى روائع ‏السماء، فضلا عن طرح كافة الأسئلة التي تدور في ذهنهم حول علم الفلك ونشأة الكون.

‏وجريدة العرب الأسبوعي لا تفوت الفرصة للمشاركة في تظاهرة دولية كبيرة كهذه، إيمانا ‏منها بدور العرب والمسلمين الحضاري في تطوير علم الفلك. إذ ستكون السنة الدولية للفلك ‏‏2009 أولاً وقبل كل شيء مناسبة لمعرفة آخر الاستكشافات، ثم تبادل المعلومات حول ‏الكون ومكاننا فيه، وقيمة الثقافة العلمية في حياة الإنسان.‏‎ ‎

قضية الفلك ونشأة الكون قضية جد شائكة، نظرا لكونها تقع في المنطقة الفاصلة بين العلم ‏والثقافة "بشقيها الديني واليومي"، فهي من جهة كما نعلم حاضرة بقوة في الكثير من العبادات ‏بخاصة الخلاف الذي يتكرر كل عام، مع حلول شهر رمضان، كما أنها من جهة أخرى لا ‏غنى عنها في تحديد زمان ومكان الكشوف والخسوف قبل وقوعه بمدة طويلة، فضلا عن ‏حماية البيئة والتوقعات عبر الأرصاد الجوية.

الأمر الذي اختلط معه الحابل والنابل عندما لا ‏يفرق الناس بين ما هو في تعداد التنجيم والرؤية. فالأول دجل وشعوذة يقوم على استغباء ‏العقول والسيطرة على الجيوب بإيهام الناس قراءة مستقبلهم ودرء سوء الطالع عنهم، بينما إن ‏اعتماد الحساب الفلكي العلمي الدقيق، سننهي معه التكهنات والاختلافات في حلول الأشهر ‏الهجرية، بحيث تتحول السنة الهجرية إلى سنة دقيقة منضبطة مثل السنة الميلادية.

ناهيك أنه ‏سنحسم جدلا لم ينتهي إلى الآن والخاص بمسألة الرؤية، حتى يتمكن الجميع من وأد ودفن ‏إشكالاً فرَّق الأمة الإسلامية في يوم صيامها ويوم عيدها. ناهيك أن غياب ثقافة الفلك عربياً ‏واقع مأساوي بحق، فمن المعروف أن الثقافة السائدة عربياً تُعاني نقصاً فاضحاً في مجال ‏العلوم، بخاصة منها علم الفلك على الرغم من بعض الجهود المتميزة شكلا ومضمونا.

وعسى ‏أن يكون تعلم فيزياء الفلك وعلومه وقوانينه ومفرداته بديلاً معرفياً يسحب من أذهان الناس ‏صورة التنجيم والشعوذة والخرافة ويقطع الطريق أمام المنجمين الذين تطلق عليهم خطأ تسمية ‏‏"علماء الفلك" بينما تعتمد توقعاتهم على مجموعة من الأوهام والتنبؤات التي لا تقرّها قوانين ‏علم فيزياء الفلك واستنتاجاته مطلقا.

‎ومن ثم ما هو السبيل لفهم دقيق وعلمي لكيفية انبثاق الكون من العدم وظهور الحياة على ‏أديمه شريطة أن تكون الرؤية علمية وخالية من الخيال الجامح والتهويمات السحرية ‏والشعوذة؟

سؤال يجر معه‎ ‎‏ بالضرورة فحص تاريخ علم الفلك والفيزياء المعاصرة، بحيث ‏تبدو معه حلقة التأسيس صعبة جدا، بعد أن اتضح أن عمر الكون بالقياس إلى إشعاع حفريات ‏‏<< الانفجار العظيم>> أو ما يسمى ببقايا الإشعاع الكوني، يرجع إلى 14 مليار سنة إلى ‏الوراء، ما زالت نظريات الفيزياء المعاصرة تتضارب حولها ولم تستطع فك غُلالة أسرارها ‏كليا. ‏

غير أن الصعوبة لا تكمن هنا فحسب، بل إن الكلام عن نشأة الكون يفرض أيضا الحديث عن ‏حجمه ومنتهاه، بحيث إذا شئنا تقريبه من الفهم الإنساني العادي، علينا أن ندرك بأن أحدث ‏الطائرات الحربية المطاردة تطير بسرعة قصوى تصل إلى ماخ 3، ما يعني أنها قادرة على ‏الطيران بسرعة تفوق الكيلومتر في الثانية.

غير أنه بهذه السرعة النفّاثة والكبيرة جدا، ما ‏زالت تحتاج إلى أكثر من مليون سنة كي تصل إلى أقرب نجم بجوار الأرض. لذا ما يزال ‏الذهول والحيرة يطالان علماء الفلك في ملكوت الله الواسع، على الرغم من الفتوحات العلمية ‏والتقنية الجبارة التي تم تحقيقها في القرن الماضي. ‏

هذا في الوقت الذي ما زالت فيه تتكرر كثير من الأسئلة الحادة التي علكتها الألسن منذ القدم: ‏من أين أتى الكون وكيف نشأ؟ وإلى أين يتجه؟ وبالتالي من أين أتى الإنسان وإلى أين نذهب؟ ‏هل حياة الإنسان والكون مرتبطان بعضهما ببعض؟

وهل يساعدنا معرفة نظريات تفسير نشأة ‏الكون، الإجابة عن سؤال كيف سينتهي؟ علاوة على هذا كله، ثمة أسئلة أخرى، منها كم هو ‏عمر الكون؟ ومَن الأسبق الدجاجة أم البيضة في إشكالية نشأة الكون؟ فكل ما رجعنا إلى ‏نقطة زمنية وجدنا نقطة أقدم منها، وهكذا دواليك، بحيث يشبه الأمر دوران القط حول نفسه ‏ليلحق بذيله، غير أنه في هذا المسعى المستحيل‏‎ ‎يدور ويظل يدور دائما. ‏

والواقع أن تاريخ علم الكون بدأ بإجبار العلماء وتحذيرهم من مغبة الغرور وادعاء تقديم ‏وصف شامل وكامل للكون برمته، بل كان عليهم الاهتمام أولا بالعالم القريب " ما هو موجود ‏على سطح الأرض والكواكب القريبة من نظامنا الشمسي"، خوفا من مغبّة السقوط في أوهام ‏التنبؤات وفرضيات أو اختلاق رؤى أسطورية لا تغني ولا تسمن من جوع، خلافا لما ينبغي ‏أن تكون عليه كل رؤية علمية دقيقة. ‏

والواقع أن معرفة الكون لم يكن أمرا بالسهل مناله، ما دامت العديد من السمات الأساسية ‏للمادة ما زالت غير معروفة على وجه كامل، بالرغم من الفتوحات الجبارة في مجال النظرية ‏النسبية العامة التي تهتم بفهم العالم في أبعاده الكبرى: النجوم والمجرات وتجمعات أو حشود ‏المجرات، فيما انبرت الفيزياء الكمية إلى محاولة فهم العالم في ثناياه الصغيرة والدقيقة، ‏بخاصة في مجال الجزيئات والجسيمات والذرات والإلكترونات والكواركات...

لكن من ‏المعروف أيضا بأن كلا النظريتان متعارضتان، فصحة افتراضات الواحدة منها تلغي الأخرى، ‏ما يجعل إحداها على صواب والأخرى على خطأ. لذلك يحاول العلماء فك هذا التناقض عبر ‏محاولة إيجاد جسر رابط سواء عبر ما سمي بنظرية الأوتار الفائقة، آخر ما تفتقت عنه ‏عبقرية العلماء في تذليل العقبات بين النظريتين، بخاصة أنها تحاول أن تجد نظرية موحدة في ‏الفيزياء تستطيع أن تجمع كل قوى الطبيعة الجبارة مع أدق المكونات المادية الصغيرة في ‏نسيج نظري واحد.‏

غير أن المهم يبقى معرفة الكون في أكبر أبعاده وفي أصغر أبعاده على حد سواء، فإذا الكون ‏مكون من نجوم ومجرات ومجرات فائقة، فهو مكون في تقاسيمه الصغرى من ذرات ‏وإلكترونات ونيوترونات...

إذ لا يخفى بأن اللغات تكونها جمل... والجمل تكونها حروف... ‏وبالتالي إن البحث في اللغة لا يمكن الاستغناء فيه عن الجمل والحروف معا، وهو ما يمكن ‏على غراره تطبيقه أيضا في الكون عبر الانطلاق من النجوم والمجرات الكبرى، بالإضافة ‏إلى البحث في الجسيمات والذرات والإلكترونات والنيوترونات...‏

معادلات الفيزياء الحديثة: ظهور النسبانية وسقوط الحتمانية
تعد نظرية ميكانيكا الكم أهم نظرية ظهرت في بدايات الألفية الثانية، تفسر الطبيعة الثنائية، ‏الموجية والجسيمية للمادة، بالإضافة إلى خاصيتها الاحتمالية على الصعيد ما تحت أو دون ‏الذري، وهي نظرية تبتعد كثيرا عن نظرية القانون الواحد في تفسير كل الظواهر الطبيعية ‏التي يمكن اشتقاق كل قوانين الفيزياء بواسطتها رياضيا، أو على الأصح إن كل قوى الأربعة ‏الأساسية في الكون " القوة الكهرومغناطيسية، والقوة النووية الضعيفة " التفاعل الأساسي الذي ‏يسبب النشاط الإشعاعي"، والقوة النووية الشديدة " التفاعل الأساسي الذي يربط الكواركات ـ ‏مكونات المادة على المستوى ما تحت الذري ـ سوية في نواة الذرة"، والجاذبية يمكن أن ‏تجمع في قانون واحد.

هذا مع العلم بأن هذا القانون لم يتم التوصل إليه، وربما لن يتم التوصل ‏إليه في الأمد القريب والمتوسط. ومن ثم لاحظنا بأنه إذا كانت السببية معطى أساسي في ‏الفيزياء الميكانيكية هدفها المساهمة في استنتاج شيئ ملاحظ من شيئ غير ملاحظ، فلقد لحقها ‏في الفيزياء الكمية تغيير كبير، بحيث تحول عنها الفيزيائيون إلى تبني الاحتمالية.

فبعد ما كان ‏‏<< لكل شيئ سبب>> صرنا أمام << كل شيئ محتمل>>,‏
ولا ريب بأن العلم ظل أمدا طويلا محصورا في البحث عن الأسباب، هذا قبل أن يقترح العالم ‏الألماني ماخ التخلي عن مفهوم السبب والنتيجة لأن ذلك قد يؤدي اعتبار كل منهما حدثين ‏مفردين ومتمايزين، بينما هما في الواقع ليسا إلا جزئين من نفس الظاهرة.

ومن ثم ركز هذا ‏العالِم على العلاقة بينهما، لأن إدراك عناصر الطبيعة يتم من خلالها، واقترح <<الدالة>> ‏كمفهوم أنسب لفهم علاقات العناصر في ارتباطها، بحيث إن ارتباط العناصر بواسطة معادلة ‏قابلة للقياس، يمكن من خلاله أن نعتبر كل واحد منها دالة للآخر. ومن ثم يصبح التصور ‏العلمي للطبيعة نسق من العلاقات الدالية.‏

والحال أن ذلك يرجعنا إلى العالم الفرنسي المركيز بيار سيمون دو لابلاس "1749- 1827" ‏الذي اقترح بعد اكتشاف قانون الجاذبية البحث عن مجموعة من القوانين العلمية يمكننا ‏بواسطتها التكهن مطلقا بما سيقع في العالم مستقبلا، لاسيما أنه يكفي أن نعرف مسبقا حالته ‏في ظرف معين، كي نخمن على وجه التحديد المسار الذي سيتجه نحوه في أي لحظة مقبلة. ‏

وبعبارة أخرى أنه عبر أوضاع وسرعة الشمس في ظرف زمن معين، يمكننا مثلا استعمال ‏قوانين نيوتن في حساب وضع النظام الشمسي في أي ظرف زمني آخر، بحيث تبدوا الحتمية ‏في هذه الحالة شبه مؤكدة، غير أن لابلاس لم يتوقف عند حد ذلك، بل أكد وجود قوانين ‏مماثلة تتحكم في باقي الظواهر بما فيها السلوك الإنساني.‏

ولقد ثارت في وجه هذه الرؤية العديد من الاعتراضات والنقد الشديد، أولها دينية لأنها ‏تتعارض مع حرية مشيئة الله في التدخل في الكون، لكنها مع ذلك بقيت كفرضية عامة للعلم ‏إلى غاية بداية القرن العشرين.

ثم سرعان ما تم دحضها تجريبيا، بخاصة عندما يرسل جسد ‏ساخن نفس كمية الطاقة في موجات مترددة ما بين مليار ومليارين في الثانية، بحيث يكون هذا ‏التردد ما بين مليارين وثلاثة مليارات موجة في الثانية. مفاد ذلك أنه إذا كان عدد الموجات ‏في الثانية غير محدود، فهذا يعني بأن الطاقة الإجمالية المرسلة من قبل هذا الجسد الساخن ‏يمكن أن تكون غير منتهية.

ولكي يتم تجنب هذه النتيجة المثيرة للسخرية، اقترح العالم ‏الألماني ماكس بلانك في سنة 1900 بأن الضوء وأشعة << ‏X‏>> والموجات الأخرى لا ‏يمكن أن تُرسل بنسب اعتباطية، بل في شكل حزمات أطلق عليها << كموم " جمع: ‏كم"=‏quanta ‎‏>>. فضلا عن أي كم‎"quantum"‎‏ "وحدة أي كمية فيزيائية، تكون قيمها ‏مضاعفات لهذه الوحدة" له نسبة معينة من الطاقة تزداد بفعل ارتفاع تردد الموجات. كذلك ‏ضمن تواتر عالي القياس، يتطلب إرسال كمّ واحد، طاقة أكثر مما هو موجود ومتوفر.

بحيث ‏ينتهي الإشعاع عالي القياس إلى التقلص، وبالتالي إن النسبة التي فقد بحسبها الجسد طاقته ‏ستكون منتهية. ‏

ومن ثم إن الفرضية الكمِّية تشرح تماما نسبة إشعاعات الأجساد الساخنة المرسلة، لكن ‏تداعياتها على الحتمانية لم تأخذ بعين الاعتبار إلا مع سنة 1924، حيث عمد ويرنر هاينزبرغ ‏إلى صياغة << مبدأ عدم اليقين>> أو الارتياب، بحيث إن قياس سرعة جسيم وحالته ‏المستقبلية، يتطلب منا قياس وضعه الحالي وسرعته على وجه الدقة.

لكن في هذه الحالة ‏بالذات يجب إضاءته، بحيث إن أشعة الضوء الساقطة ستتناثر من قبل نفس الجسيم لتحديد ‏حالته، فيما أنه لن يكون بوسعنا تحديد هذه الحالة والمسافة بين موجات الضوء على وجه ‏الدقة، ما لم نستعمل ضوءا قصير الموجة كي نحصل على قياس أدق.

غير أن بلانك يعتبر ‏بأنه لا يكفي استعمال كمية ضوئية صغيرة، ما يفرض علينا استعمال كم "‏quantum‏" واحد ‏على الأقل، ما سينجم عنه اعتراض الجسيم وتغيير سرعته بشكل غير متوقع. ناهيك أنه كلما ‏أردنا قياس الحالة على وجه الدقة، كلما كان طول موجة الضوء التي نحتاجها قصيرة، تطلبت ‏طاقة الكم أن تكون عالية، مما تتأثر معه سرعة الجسيم بشكل قوي ولا يمكن تفاديه.‏

وبمعنى آخر أنه كلما حاولنا قياس وضع الجُسيم بدقة، كلما نقصت إمكانية حصولنا على ‏سرعته وثباته بنفس القدر. لذك برهن هينزبرغ أن عدم اليقين الذي يحيط بوضع الجسيم ‏مضاعف بعدم التيقن المحيط بشحنة الجسيم، لا يمكن أن يكون أصغر من ثابت بلانك " ثابت ‏كوني يحكم تكْمية النظم الميكروسكوبية". فضلا أن هذا الحد غير خاضع للطريقة التي نحاول ‏بها قياس وضع أو سرعة الجسيم ولا نوعه أيضا، لأن مبدأ عدم التيقن الذي وضعه هايزنبرغ ‏هو خاصية كامنة في العالم.‏

ومن ثم كان لهذا المبدأ نتائج عميقة وخطيرة حول الطريقة التي نتصور بها العالم، بحيث ‏وضع حدا للحلم الذي راود لابلاس وكثير من العلماء في بلورة نظرية علمية تشمل نموذجا ‏محددا وشاملا للكون. إذ كيف يمكن التنبؤ بمسار الأحداث مستقبلا وبيقين كامل في ظل ‏عجزنا عن قياس وضعيته الحالية بدقة.

الأمر الذي دفع هايزنبرغ وإروين شرودينجر وبول ‏ديراك في العشرينات إلى إعادة النظر في الميكانيكاالكلاسيكية وتصور الميكانيكا الكمية ‏كبديل، بحيث لم يعد للجسيمات وضع محدد على وجه اليقين ولا تحديد سرعتها عبر ‏الملاحظة، إذ هي في حالة كمية تلف وضعها وسرعتها.

وبالتالي لا تتنبأ الميكانيكا الكمية ‏بحالة وحيدة ومحددة عبر معطيات ملاحظة بعينها، بل تستبدل ذلك بعدد من النتائج الممكنة ‏والمختلفة، كي تقدم وفق هذا المنظار لكل منها احتمال الوجود. ومن ثم دخلت الصدفة في ‏العلم، لكن هذا لا يعني بأن العالم تحكمه الصدفة، فهذا مستحيل في نظر أينشتاين حين قال في ‏كلمته الشهيرة: << إن الله لا يلعب النرد>>.‏

عناصـــــر الكــون ونسيج الفضاء‏
‏-‏ بداية لم يكن معروفا من هذا الكون الفسيح والمتمدد إلى غاية سنة 1800، غير 6 ‏كواكب قريبة من أصل 9 التي يضمها النظام الشمسي، لكن اليوم "اتسعت الرؤيا ‏وضاقت العبارة" أمام هذا الكون الشاسع والفسيح الذي يضم نوعين من الكواكب، تمثل ‏الصغرى منها الكواكب الأرضية، سواء التي يحيط بها محيط هوائي "جو" أم لا، ‏بحيث تمثل " عطارد، الأرض، المريخ، الزهرة، ، بلوتون..." نجوما صخرية ‏ومعدنية ذوات مساحة صلبة، بينما الكواكب الأخرى مثل "المشتري، زحل، ‏أورانوس، نبتون" بالإضافة إلى جميع الكواكب التي تم اكتشافها بالقرب من النجوم، ‏فهي كواكب عملاقة مكونة من الغازات.

غير أن استعمال مصطلح << غازات>> لا ‏يستقيم ما دام الهيدروجين والهليوم كمواد غازية في الأرض، فهي على العكس من ‏ذلك لزجة في علياء السماء، ما يجعل تلك الكواكب مجرد كرات لزجة عملاقة في ‏وضع دوراني، تحتوي كلها على فضاء يمتزج مع طبقاتها الداخلية ولها نواة صلبة.‏

والحال أنه مهما كانت حدة أعين أكثر الناس بصرا لا يستطيع أن يرى أكثر من ‏‏3000 نجم، فيما استطاعت المراقب الفلكية اليوم أن تكشف لنا اليوم أكثر من 1500 ‏مليون نجم.‏

‏-‏ ثانيا، تشكل النجوم كتلا من الغازات يصل عرضها آلاف أو مئات الآلاف من ‏الكيلومترات، لا تظهر في الغالب إلا كرؤوس إبر مضاءة أو مشتعلة من مختلف ‏الأحجام والألوان، فهي أجسام ملتهبة ومتقدة تشع نورا وحرارة، وقد نجد تركيبة ‏بعضها مزدوجة تدور الواحدة منها في فلك الأخرى.

فضلا عن وجود نجوم حمراء ‏قزمية الشكل، منتشرة بكثرة في المدار الأسفل من النجوم، حيث تصل كُتلتها العامة ‏نصف كتلة الشمس وتبلغ درجة الحرارة على سطحها حوالي 4000 درجة. ثم نجد ‏أيضا نجوما صفراء من نوع شمسي بدرجة أقل، لكن حرارتها مرتفعة قليلا وأكثر ‏كثافة، بينما نجد في مدارها الأعلى نجوما عملاقة زرقاء أكثر إشعاعا وأكثر كثافة من ‏الشمس عشرات المرات، حيث تفوق درجة حرارتها أكثر من 50000 درجة، لكنها ‏نادرة جدا.

علاوة أن هذه النجوم تظل ملتهبة طوال حياتها وبنفس الطريقة، بيد أنها ‏تصبح عرضة لتحولات كبيرة في شيخوختها، الأمر الذي يوحي بأن الشمس بعد أن ‏يحين أجلها سوف تتحول إلى نجم عملاق أحمر أكثر لمعانا وأكبر من أي نجم عادي ‏مئات المرات، ثم لا تلبث أن تنفجر في النهاية مُخلِّفة ركاما من الأجساد المتناثرة ‏أصغر بمئات المرات من النجوم العادية، تعرف بالأقزام البيضاء.‏

‏-‏ ثالثا، يظهر الغبار المجري أو النجوم السديمية كسحب رقيقة من الغاز ورهج الغبار ‏المتناثر هنا وهناك، بحيث تتكون النجوم في سحب من الغاز والغبار، كما تعد خزانا ‏للهيدروجين والهليوم، فضلا عن احتوائها أيضا على بقايا من غازات أخرى وركام ‏من غاز الكاربون يغطي مساحتها الجليد.

إذ من المعروف عموما أن النجوم تولَد في ‏سحب غاز وغبار عملاقة، بخاصة أن قربها أو بعدها من نجم ما، هو الذي يجعلها ‏مضيئة أو مُعتَّمة. ذلك أن غياب النجوم من جوار الغازات يُسبب العتمة، فيما إن ‏النجوم السديمية الكبرى هي سحب جزيئية من مختلف الأعمار، ترجع إلى مئات من ‏السنين الضوئية وتختزن المواد الأساسية لنشأة ملايين من النجوم.

حيث بينت الفيزياء ‏الفلكية الحديثة أن الأجرام السديمية هي، إما مراكز ولادة نجوم " عبارة عن غيوم ‏غازية ممتدة يضيئها إشعاع نجوم تكونت حديثا ولا تزال مدفونة في هذه السحب ‏والغيوم" أو نجوما نزعت قشرتها السطحية خلال مرورها بطور العملاق الأحمر، ‏وبالتالي يصبح المظهر السديمي في هذه الحالة يرجع إلى هذه المادة المنتشرة في ‏الفضاء، حيث مقاساتها تعد بالسنين الضوئية.‏

‏-‏ رابعا، تتميز المجرات " منطقة في السماء قوامها نجوم كثيرة لا يُميزها البصر فتراها ‏العين بقعة بيضاء" بكبرها الذي يضم الكواكب والنجوم وسحب الغاز والغبار مهدها ‏الأول.

إذ تضم ما بين 100- 1000 بليون نجم، بحيث توجد ثلاثة أنواع منها: منها ‏المجرات الحلزونية تضم قرابة 200 مليونا من النجوم، وهي حلزونية لأنها توزع ‏النجوم وسحب الغاز بشكل حلزوني، تماما مثل حركة اليد المرفوعة دائريا.

لكنها ‏على الرغم من كونها مُسطحة كقرص، فهي تحتوي على بُرعمة "بُصيْلة" مركزية، ‏إذا نظرنا إليها جانبا، نَجدها تُشبه بيْضتين فوق طبق ظهرها مسند إلى ظهر الآخر. ‏كما تعتبر المجرات الكبرى إهليلَجية الشكل " بيْضية الشكل"، هي أكثر كثافة من ‏المجرات الحلزونية وحجمها يفوق مئات آلاف السنين الضوئية، نظرا لكونها تشبه في ‏شكلها العام الكرة المستطيلة.

أما إذا نظرنا إلى الفارق بينها وبين الحلزونية، فهي لا ‏تضم إلا القليل من نجوم سحب الغاز والغبار. ثم تأتي بعد هذه المجرات، المجرات ‏غير المنضبطة في الشكل، كما أن هناك مجرات لولبية وبيضوية ومجرات ممزقة ‏ومجرات مزدوجة ومجرات مزدوجة دوارة ومجرات بيضوية متفجرة ومجرات ‏مزدوجة ملتصقة.‏

‏-‏ خامسا، إن الحشود المجرية تعني بأن الكون متعدد المجرات، فهي مثل تلك النجوم ‏التي تحت ضغط الجاذبية تبقى مجمّعة من أجل تكوين مجرات أخرى، أو مثل ‏المجرات التي تُكون فيما بينها مجموعات واسعة تصبح بعدها كومة وحشود من ‏المجرات.

ويتبين أن الحشود المجرية الكبرى كالعذراء تضم آلافا من المجرات تمتد ‏على 20 مليون سنة ضوئية، بينما الصغرى منها كمجرة أندروميدا لا تضم إلا ثلاثين ‏من المجرات الصغرى لا تفوق 5 مليون سنة ضوئية، حيث إن الحشود الأكثر غنى ‏تُقدم بنية مهيكلة في المركز مع المجرات الأكثر كثافة ـ بصفة عامة المجرات ‏الإهليلجية ـ .

كما يمكن أن تكون هذه الحشود في المناطق المركزية أكثر كثافة، لأن ‏قُطر المجرات لا يبعد فيما بينها إلا قليلا، غير أنها كلما ابتعدنا من المركز تخفت ‏الكثافة وتصبح المجرات صغيرة جدا وغير منتظمة ومتباعدة بينها، بحيث لا تضم إلا ‏بضعة ملايين من النجوم. إجمالا، إن عددا كبيرا من المجرات يظل متقاربا من بعضه ‏على شكل حشد، شكلها بيضوي ومنها ما هو شديد التسطح، لكنها تخلو من النوع ‏اللولبي " الحلزوني".‏

‏-‏ سادسا، تؤكد الحشود العملاقة بأن الحشود المجرية ليست هي الأكثر اتساعا في ‏بنيتها، لأنها هي بدورها تجتمع فيما بينها لكي تُكون حشودا فائقة أو عملاقة، بخاصة ‏إذا فحصنا أرجاء الكون الفسيح سنجده مثل رغوة خيوط يتكون جدار فقاعتها من ‏حشود مجرية وحشود مجرية عملاقة ممتدة تضم مليارات من المجرات, بحيث نجد ‏في هذه الفقاعة من الرغوة مساحات واسعة خالية من أية مادة، قد يصل حجمها 150 ‏إلى 120 مليون سنة ضوئية.

إذ أن مجموع المادة المرئية يكمن تقريبا في هذه ‏الفقاعات العملاقة والخيوط، ما يجعل هذا الكون الذي يضم مليارات المجرات يظهر ‏ويا للعجب كأنه خال وغير مأهول. ذلك أن المناطق المُعتَّمة تمثل مناطق فسيحة من ‏فضاء يبدو خاليا، بحيث يتم تطور النجوم إلى نجوم عمالقة بعد تحول غاز ‏الهيدروجين بعد تفاعله في جسم النجم إلى غاز الهليوم، والذي نظرا لكثافته الزائدة ‏مقارنة بكثافة الهيدروجين فإنه ينجذب باتجاه النواة القائمة حول مركز النجم.

ومع ‏تزايده تتزايد الكثافة في النواة بدرجة كبيرة، فتؤدي إلى حدوث ضغط كبير فيها وبعث ‏حرارة هائلة منها، ينجم عنها تفاعل نووي ينجم عنه تمدد حجم النجم شيئا فشيئا، ‏يرافقه تبرد في سطح النجم، يتغير معه لون النجم من لون بنفسجي إلى لون أزرق، ثم ‏إلى اللون الأصفر ومن بعده إلى اللون البرتقالي، ثم إلى اللون الأحمر. بحيث يكون ‏النجم قد وصل إلى أقصى حجم له، يبدو معه في الأخير كنجم عملاق.‏

لذلك يبقى إن الكون من هذا المنظور يُبين أنه إذا كان يضم مليارات من المجرات مجتمعة ‏ومرتبطة بينها بخيوط دقيقة على مدار مليارات السنين الضوئية، فإن أجزاء أخرى فسيحة منه ‏غير مأهولة بالمجرات... ذلك أن الكون في اتساعه الذي لا يمكن للعقل البشري تصوره، ‏مُكوَّن من ملايير النجوم ولدت لتحيى ثم تموت، بحيث تتجمع في مجرات تتحد بينها كي ‏تُشكل كومة من المجرات الفائقة.‏

إجمالا وبإيجاز شديد، تكشف الفيزياء الحديثة على الأقل مع نظرية "الانفجار العظيم" بأن ‏الكون بدأ في التشكل كغبار من الهيدروجين والهيليوم. ثم طالته البرودة بسبب تمدد هذا ‏السحاب أو الغبار بسرعة فائقة بعد أن كانت درجة حرارته تفوق حرارة الشمس ملايين ‏المرات.

الأمر الذي دفع بعض الفلكيين إلى الإعلان بأن النجوم والمجرات ظهرت منذ ‏مليارات السنين، بحيث أنه لما شاخت هذه النجوم وانفجرت تناثرت منها في الفضاء العناصر ‏الذرية الأولى التي هي أكثر وزنا من الليتيوم " العنصر الثالث بعد الهيدروجين " يشكل %73 ‏بالمائة من المادة المرئية" والهيليوم "العنصر الثاني الأكثر وجودا في الفضاء" خلال الانفجار ‏العظيم. إذ أنه من خلال هذه العناصر الذرية الثلاثة في تفاعلها تشكلت الكواكب والأحياء.‏

والسؤال الأساسي الذي يعترض سبيلنا في تطبيق فتوحات العلم وعلم الفلك الحديث على نشأة ‏هذا العالم، يبدأ من معضلة القول بأن الكون كان موجودا منذ الأزل، ما يجعل وضع العالم في ‏الوقت الحالي لا يمكن تفسيره بصورة تامة بالركون إلى الحالات الأسبق، لأن كل ما رجعنا ‏إلى سبب امتدت خطوط الرجعة إلى الخلف بدون نهاية وبدون انقطاع في سلسلة السببية، ‏وبالتالي كل ما رجعنا إلى الخلف سنجد نقطة أخرى إلى ما لانهاية. وبالتالي سنظل ندور ‏وندور إلى ما لانهاية...‏

ومن جهة أخرى إذا قلنا بأن الكون ظهر إلى الوجود في لحظة معينة من الماضي، فإن ‏اللحظة الأولى التي ظهر فيها الكون تصبح فريدة من نوعها، لكن هنا كيف نربط بين الوجود ‏والعدم ما دام أن الصانع سبحانه هو وحده القادر على القول: << كن فيكون>>. إذ يبدو أنه ‏مهما بلغت نظريات تفسير الكون من دقة وعلمية، يبقى شيئا هناك ما وراء القوانين العلمية، ‏ينبغى الرجوع إليه عندما كان الزمن يساوي صفرا.

لكن السؤال المحير، هو ما هو هذا ‏الشيء الخارق؟ وهنا بالذات تخرس جميع الألسنة وتقر بعجزها.‏

ثمة تصور ثالث يقول أنه لا هذا ولا ذاك، بمعنى أنه لم يكن هناك كون منذ الأزل، ولا كون ‏ظهر على حين غرة وفجأة. ومن ثم إمكانية وجود طريق ثالث بين الطريقين السالفين الذكر، ‏هو أن الكون لم يوجد دائما، ولم يظهر على نحو مفاجئ في لحظة زمنية خلق فيها، بل ظهر ‏تدريجيا كما يعنيه زمن بلانك " أي 10 -43 من الثانية: يستنبط زمن بلانك من ثابت بلانك ‏وثابت الجاذبية وسرعة الضوء".

وهذه الإمكانية يمكن أن نتبناها على ضوء ميكانيك الكم، ‏حيث مبدأ عدم اليقين لهايزنبرغ، ما يعرف بعامل اللاحتمية في الطبيعة.‏

مفاد هذا الرأي أن الأحداث على المدى المجهري على الأقل، يمكن أن تكون تلقائية، أي أنها ‏تحدث بلا أسباب سابقة تامة التحديد وحتمية على هذا الوجه أو ذاك، ما يترك لهذه اللاحتمية ‏أن توفر للكون فرصة الظهور دون أن يخلق أو << يسبب>> بطريقة فيزيائية خاصة.

الأمر ‏الذي يؤدي إلى القول بأن الظهور التلقائي للكون يتماشى مع قوانين فيزياء الكم " فيزياء ‏الذرة"، بينما في الفيزياء الكلاسيكية يعتبر ذلك معجزة، ولا يمكن تفسيرها علميا.‏

والأهم بأن مبدأ عدم التيقن " اللاحتمية، الارتياب، عدم اليقين" يخبرنا بأنه لا نملك تحديد ‏سرعة واتجاه الجسيمات الأولية في الذرة، ما يعني بأن الكون عبارة عن مكان مضطرب ‏عندما نختبره على وجه التحديد لمعرفة موقع الجسيمات الأولية مثل الإلكترون بدقة، نقوم ‏بتسليط ضوء ساطع ذي تردد متزايد يساعدنا في معرفة حركة هذه الإلكترونات.

لكن ذلك لا ‏يمر مرور الكرام، بحيث إن ملاحظاتنا تصبح مشوشة ومضطربة تمام الاضطراب، لأن طاقة ‏الفوتونات عالية التردد التي من المفترض أن تساعدنا في معرفة حركة الإلكترون بدقة، تتدخل ‏بمجرد تسليط ضوئها في حركة الإلكترونات فتغير من سرعتها بشكل ملحوظ. الأمر الذي ‏يكشف عن تداخل مبدأ عدم التيقن بالاضطراب، بحيث لا نعرف مثلا حركة الإلكترون ‏المحبوس في صندوق على وجه التحديد.

فكل ما نشاهده هو تحركه في جميع الاتجاهات ‏وبسرعة كبيرة، أما إذا سلطنا الضوء عليه، فإن فوتونات هذا الضوء تتدخل هي بدورها في ‏سرعة واتجاه الإلكترون اللذين يتغيران بشدة وبشكل غير متوقع بين لحظة وأخرى.‏

والواقع أن هايزنبرغ كشف سمة أساسية في العالم المجهري تتعلق باضطراب أدق المكونات ‏فيه، بحيث يستحيل أن نحدد على وجه اليقين موقع حركة الإلكترون، فهي تتحرك في كل ‏الاتجاهات.‏

____________

العرب أونلاين
‏* أستاذ جامعي بالسوربون











كاريكاتير

إستطلاعات الرأي