خطأ غاليليو

2020-11-04 | منذ 7 شهر

عانى غاليليو من إجحاف نظير إصلاحه لبعض الأخطاء الشائعة في القرن 16

محمد قنور

يعدُّ فهم علاقة العقل بالوعي أحد أكبر التحديات العلمية والفكرية في عصرنا. فبعض الفلاسفة يجادل العلماء باعتبار الوعي عملية تتجاوز الأعمال الفيزيائية للدماغ. ويعتقد آخرون أن تطور البحث العلمي سيجيب على الأسئلة الشائكة حول الوعي، إلا أن البعض يعتبرُ اللغز أعمق ويستعصى حله.

في هذا الصّدد، أصدر فيلسوف العقل والوعي البريطاني فيليب غوف سنة 2019 كتاباً بليغاً بعنوان «خطأ غاليليو»، حيث استنبطَ صورة جديدة للوعي البشري بناءً على الفلسفة «الروحية الشاملة» (Panpsychism)؛ والنظرية، التي تُنسبُ إلى طاليس وأفلاطون، وصولاً إلى سبينوزا، تقول: «إن العقل والوعي والروح خاصية أساسية لبقية الأشياء».

وقد وضعتها الفلسفة التجريبية الوضعية في مطلع القرن العشرين في طي النسيان. فيُحييها غوف قائلاً: «يفترض ألا يقتصر الوعي على الكيانات البيولوجية، لأنه ميزة أساسية لجميع المواد الفيزيائية من الجسيمات دون الذرية إلى الدماغ البشري».

وبعد كتابه «الوعي والحقيقة الأساسية» 2017، فإن كتابه «خطأ غاليليو» بيانٌ لجيل جديد من الفلاسفة، الذين يدْعون إلى مراجعة نظرتنا للعالم المادي واستيعاب الوعي. ويمهّد كتاب غوف الطريق لإدراك الوعي من خلال تحليل الأسس الفلسفية للعلم الحديث، بالعودة إلى «الروحية الشاملة»، وتفكيك البحوث التي اهتمت بهذا المجال سابقاً، خصوصاً آرثر إدينغتون وبرتراند راسل وفكرتهما الشهيرة: «لا تخبرنا العلوم الفيزيائية بأي شيء عن الطبيعة الجوهرية للأشياء التي يتكون منها العالم. إنها تعتمدُ وصف تفاعل الجزيئات فقط، بينما يتمزق حجاب المظهر العلمي في العقل، ليجعلنا نتساءل عن التفاصيل الدقيقة حد التيه».. هكذا يستخلصُ غوف نظريته في خمسة فصول شيّقة.

كيف سبّب غاليليو مشكلة الوعي؟

عانى غاليليو من إجحاف نظير إصلاحه لبعض الأخطاء الشائعة في القرن 16، مثل تفنيده لفكرة الكنيسة؛ التي كانت تعتبر أن الأرض الثابتة مركز الكون. ولكن فصله للعقل عن المادة، الذي اعتُبر أمراً جيّداً لعلم المادة، لم يكن كذلك لعلم العقل.

وقد سبق أن أشار أب العلوم التجريبية فرانسيس بيكون إلى هذه الفكرة، التي يزكيها غوف في كتابه كمدخل للفيلوسُفوبيا (Philosophobia)؛ أو الخوف من الفلسفة وفعل التّفلسُف. فيلحُّ غوف على ضرورة إعادة العقل إلى المادة لإدراك الوعي. إن أفكار هذا الفصل راديكالية، لكن حججه صارمة وواضحة.

ولا يتحدث الكتاب عن غاليليو فقط، كما يبدو من العنوان. فغوف يُدخل القارئ إلى غرفة مغلقة مع عشرات العلماء والمفكرين، ليصير الكتاب عبارة عن نقاش تاريخي محتدم حول مدارس الفلسفة والعلوم والعلاقة باستكشاف الوعي، وكيف يمكن للأشياء المادية أن تؤدي إلى تجربة ذاتية؟ بداية من ديكارت، الذي اشتهر بزعمه أن العقل يختلف عن المادة. ولذلك يركز غوف على غاليليو المعاصر لديكارت وأحد أوائل ممارسي المنهج العلمي. إذ إن «العلم غير قادر من الناحية الهيكلية على تفسير الوعي منذ زمن غاليليو،» كما يقول.

 أيوجدُ وحش في الآلة؟

تنكُر الفلسفة المادية وجود الوعي؛ «إن الماديين مخادعون» هكذا يفتتح غوف الفصل الثاني من كتابه، فينتقدُ إصرارهم بالقول: «إن أدمغة البشر آلات،» ونكران التجربة الحسية. وكما يقود الأدميرال دانيال دينيت سفينة الوعي منذ عقود لمواجهة مثل هذه الأفكار، يدعو غوف أيضاً إلى تجاوز الأفكار المادية «فلا يمكنُ حل مشكلة الوعي بإنكارها».

كما يحيي الكاتب «الروحية الشاملة» من خلال استعراض أقوال ثلاثة فائزين بجائزة نوبل للفيزياء: إرفين شرودنغر «صنع الكون المادي والوعي من نفس الأشياء»، ولويس دي برولي «أنا أعتبر الوعي والمادة جانبين مختلفين من نفس الشيء»، وماكس بلانك «أنا أعتبر الوعي هو الجوهر». فيناقش أفكارهم عن الوعي والعقل.

هل يمكن شرح الوعي من خلال الفيزياء؟

بالنسبة للفصلين الأولين، يبدو هذا الكتاب تذكرة لفهم الوعي. ومع تقدم الصفحات، يصل القارئ إلى وجهة نظر مختلفة؛ إنه كتاب لفهم كيف يفهم الفيلسوف الوعي، وهذا يختلف تماماً عن علم الأعصاب.

يقول غوف: «إنه ليس عالِماً»، رغم أنه يفهم كيفية عمل العِلم ببحوث للكشف عن مشكلة الوعي، وذلك عبر التجربة والمنطق واللغة، حيث الكلمات والتعريفات مهمة. وبما أن بناء الجملة ليس أداة كافية لفهم تام للعالم الطبيعي، فإننا «نحتاج إلى التجريب»، كما يؤكد. ويقرُّ أن الوعي حالة خاصة، ولا يمكن فهمها بالمنهج العلمي فقط.

الوعي ومعنى الحياة

يدعو الفصل الأخير إلى تغيير نظرتنا للعالم. فيرى الكاتب أن الاهتمام بنظرية الروحية الشاملة يساعد على معاملة الكوكب بمزيد من الاحترام. «ربما نتوقف عن قطع الأشجار، احتراماً لحياتها العقلية الخاصة»؛ حيث يستشهد ببحث العالم بافلوف القائل: «إن الأشجار تتواصل مع بعضها بعضاً». فيناشد العِلم الموضوعي والكمي لإثبات وجود الوعي وتجاوز خطأ غاليليو؛ أي خطأ تفضيل القياسات الكمية على التجربة النوعية المباشرة.

هكذا، يرى غوف الروحية الشاملة كأسلوب لإحياء عالم محبط علمياً. ولهذا يوصي نقادٌ كثيرون بقراءة كتابه، الذي أسال الكثير من المداد منذ صدوره، ليس كإجابة نهائية للأسئلة حول الوعي، ولكن كحجة منطقية لتوسيع نافذة «أوفرتون» (Overton)؛ أو إدراك الوعي كفكرة مقبولة لدى الرأي العام.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي