الجاحظ أقرب إلى الكاتش منه إلى الملاكمة

2020-11-02 | منذ 7 شهر

الكتابة ابنة اللحظة (لوحة للفنان علي رضا درويش)

ميلانو (إيطاليا)- استهل الناقد والكاتب المغربي بمقولة تضع القارئ في محل تساؤل عن طبيعة هذه الكتابة “لا يمكننا التفكير في المتعدد من غير إقامة جسور بين الاختلافات، من غير أن نؤكد الاختلافات في علائقها المتبادلة”.

وفي مقدمة الكتاب، يمضي عبدالسلام بنعبد العالي، في تفكيك عبارة العنوان التي هي اقتباس عن كليطو، الذي اقتبسها بدوره عن مونتيني، وذكره ضمن محاضرة تحدث فيها عن مساره وطريقته في الكتابة.

ويشير إلى أن رولان بارت يربط الكتابة المتقطعة بأمرين اثنين: الموسيقى، وموسيقى فيبرن على الخصوص، ثم رياضة الكاتش. حيث يقرب بارت التكثيف في الكتابة المتقطعة من التكثيف الموسيقي، ليبيّن أن الكتابة المتقطعة تضبطها موسيقى مغايرة، وأن كثافتها أقرب إلى التكثيف الموسيقي الذي يضع النغمة محل “الاسترسال”.فيومئ إلى وجهة، كما يتجلى هذا في المقطوعات الموجزة لفيبرن: غياب للإيقاع، جلال ومهارة في سرعة التخلص.

 

الكتابة "بالقفز والوثب" هي خلاصة خطاب و"زبدة" فكر هي ليست نظرة "خاطفة" ولا هي توقف وعدم حراك.

هذا عن علاقة الكتابة المتقطعة بالموسيقى، فما علاقتها برياضة الكاتش؟ نعلم أن صاحب أسطوريات كان قد سبق له أن عقد مقارنة مطولة بين مباراة الكاتش ومباراة الملاكمة، فاستنتج أن الأخيرة عبارة عن حكاية تبنى تحت مراقبة أعين المشاهد. أما في الكاتش، فالمعنى يستمد من اللحظة، وليس من الدوام والاستمرار. المشاهد هنا لا يشغل باله بعملية تكوّن ونشأة، وإنما يترقب الصورة اللحظية لتجلي بعض الانفعالات.

قراءة فورية لمعان تتراكم دونما حاجة لربطها في ما بينها

يستدعي الكاتش، إذن، قراءة فورية لمعان تتراكم دونما حاجة لربطها في ما بينها، فلا يهم المشاهد هنا مآل المعركة الذي يمكن للعقل أن يتتبّعه. أما مباراة الملاكمة، فهي تستدعي معرفة بالمآل وتبيّنا للغايات والمرامي، وتنبؤا بالمستقبل.

بعبارة أخرى، فإن الكاتش حصيلة مشاهد لا يشكل أي منها دالة، تتوقف على غيرها من المتغيرات: فكل لحظة تتطلب إحاطة كلية وانفعالا ينبثق في انعزاله وتفرده من غير أن يمتد، ليتوج مآلا بأكمله. “في الكاتش تدرك اللحظة، وليس الديمومة”.. إنه مشهد مبني على الانفصال والتقطع. وتقطعه، و”عدم انسجامه يحل محل النظام الذي يشوه الأشكال”.

مباراة الملاكمة حكاية تروي حركة موصولة، تصدر عن أصل، لتمتد في الزمان، كي تسير نحو غاية، أما مباراة الكاتش، فإن دلالاتها تقف عند اللحظي الذي لا يتخذ معناه من غاية الحركة ومسعاها، ولا تتوقف دلالته على كلية خارجية.

لا يعني هذا مطلقا أن الأمر يقتصر على المقابلة بين الزماني واللحظي، بين الحركة والتوقف، بين التاريخ ونفيه، بقدر ما يعني تمييزا بين تاريخ وتاريخ: فـ”تاريخ” مباراة الملاكمة تاريخ توليدي تكويني، لا يدرك المشاهد معناه إلا إنْ هو بنى حكاية تربط الأصل بالغاية، كي ترى في اللحظة، ليس معنى في ذاته، بل حلقة في سلسلة مترابطة، يتوالد فيها المعنى، ولا يكتمل إلا عند معرفة المآل.

لذا يعلق بارت “في الملاكمة تقع المراهنة على نتيجة المعركة”. أي أن الأمور تكون في الملاكمة بخواتمها، أما في الكاتش، “فلا معنى للمراهنة على النتيجة” لسبب أساس، وهو أن المعنى لا يمثل في حركة الأصل، ولا ينتظر المآل، وإنما يتجسد في غنى اللحظة.

يقول بنعبد العالي “لم أتوقف طويلا عند هذه المقارنة، كي أستنتج أن الجاحظ أقرب إلى الكاتش منه إلى الملاكمة، وإنما لأتبيّن معكم أنه لا يكفينا تحديد طبيعة الكتابة ‘بالقفز والوثب’ بردها إلى حالة نفسية، وتفسيرها بملل القارئ أو حتى ملل الكاتب، لا يكفينا التأويل السيكولوجي، وإنما لا بد من التأويل الشعري الذي يمكننا من أن نذهب حتى القول إنه ملل الكتابة ذاتها”.

نقرأ على ظهر الكتاب مقولة لمارتن هايدغر، جاء فيها “مادام هذا الكتاب باقيا أمامنا من غير أن يقرأ، فإنه يكون تجميعا لمقالات ومحاضرات.

أما بالنسبة إلى من يقرؤه، فإن بإمكانه أن يغدو كتابا جامعا، أي احتضانا واستجماعا لا يكون في حاجة لأن ينشغل بتشتت الأجزاء وانفصالها عن بعضها. إن كان المؤلف محظوظا، فإنه سيقع على قارئ يعمل الفكر في ما لم يفكر فيه بعد”.

ولا تستهدف الكتابة “بالقفز والوثب”، إذن، خلاصة خطاب، و”زبدة” فكر، وعلى الرغم من ذلك، فهي ليست نظرة “خاطفة”، ولا هي توقف وعدم حراك. إنها “حاضر” متحرك، حتى لا نقول هاربا. فهي تومئ إلى وجهة، من غير أن تدل على طريق.

ونذكر أن كتاب “الكتابة بالقفز والوثب” لعبدالسلام بنعبد العالي صدر هذه الأيام عن منشورات المتوسط – إيطاليا، وهو الإصدار الثاني للكاتب عن نفس الدار بعد كتابه “لا أملك إلا المسافات التي تبعدني” بداية 2020.

وعبدالسلام بنعبد العالي؛ مفكر وكاتب ومترجم وأستاذ بكلية الآداب في جامعة الرباط، المغرب. من مؤلفاته: “الفلسفة السياسية عند الفارابي”، “أسس الفكر الفلسفي المعاصر”، “حوار مع الفكر الفرنسي”، “لا أملك إلا المسافات التي تبعدني”. وفي الترجمة، “ضيافة الغريب”، “جرح الكائن”، و”القراءة رافعة رأسها”.

ومن ترجماته نذكر: “الكتابة والتناسخ” لعبدالفتاح كيليطو، “أتكلم جميع اللغات” لعبدالفتاح كيليطو، “درس السيميولوجيا” لرولان بارت.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي