"الصخب والعنف" لوليم فوكنر.. رواية الجنوب الأمريكي

2020-10-23 | منذ 8 شهر

فوكنر جعل أبناء أسرة (آل كمبسن) الثلاثة يتولون سرد حوادث هذه الرواية البوليفونية

شكيب كاظم*

على الرغم من أنه كتب العديد من الروايات، وتُرجم منها للعربية «اللصوص» التي نقلتها خالدة سعيد، وصدرت ضمن منشورات مجلة «شعر» اللبنانية، فضلا عن «رجل عجوز» تعريب سمير عزة نصار، و»نور في آب» ترجمة عطا عبد الوهاب، ومراجعة جبرا إبراهيم جبرا، فإن روايته «الصخب والعنف» هي الأشهر على مستوى القراءة والنقد، وقد سئل وليم فولكنر (1897-1962) الحائز جائزه نوبل للأدب سنة 1950، عن أقرب أعماله إلى نفسه، فأجاب رواية «الصخب والعنف».

وقيل الكثير في غموض هذا العمل الروائي المبهر، وصعوبة فك ألغازه، ويبدو أن هذا النوع المُلغِز من الروايات قد شاع في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، ويمكننا الإشارة في هذا الصدد إلى رواية «يوليسيس» للدبلني جيمس جويس، فضلا عن رواية «البحث عن الزمن الضائع» لمارسيل بروست، وقد ظل هذا الرأي المثبط مستحوذا على الذهن، مما يزهد المرء في قراءة عمل روائي ملغز، وهو ما عانيته وأنا أقرأ «يوليسيس» لكن مصادفة جميلة أن تحظى بمشاهدة فيلم استقاه مخرجه من رواية «الصخب والعنف» (The sound and fury) مهد السبيل لقراءة ممتعة لهذا العمل الروائي الرائع، الذي صبّ فيه فوكنر كل إمكاناته الإبداعية، وقد زاد في تمهيد السبيل؛ المقدمة الضافية الزاهية التي كتبها الأديب الشامل جبرا إبراهيم جبرا- توفي عام 1994- بين يدي هذا العمل الرائع، معترفا بأنه أفاد من تمهيده هذا من مالكولم كاولي في مقدمته الممتازة لكتاب (The portable fulkner).

  الرواية صورت الحياة في الجنوب الأمريكي، بعد الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب سنة 1865، وهزيمة الجنوب الذي كان يعامل الزنوج بعدم احترام، ومن هنا جاء الفيض الروائي الزنجي.

فوكنر جعل أبناء أسرة (آل كمبسن) الثلاثة يتولون سرد حوادث هذه الرواية البوليفونية؛ متعددة الأصوات، ولنا منها في أدبنا العربي رواية «ميرامار» للنوبلي العربي نجيب محفوظ، فضلا عن استخدامه فن الاستذكار والحوار الداخلي، وتيار الوعي الذي يسميه جبرا (سيل الوعي).

وهي من الروايات التي تتحدث عن الحياة في الجنوب الأمريكي بداية القرن العشرين وحتى سنة 1928، مع أن فوكنر في تقريره التوضيحي الذي نشره مع الطبعات التالية لروايته هذه، حدس أو بالحري لمس قلة إقبال القراء عليها، بسبب تعدد مستويات السرد، التي تأتي مضطربة متأرجحة، ولاسيما في الفصل الأول، الذي يتولى (بنجامين) سرده، وهو أصغر أبناء ( السيد كمبسن) الذي ولد متخلفا عقليا، يسمع لكن لا يتكلم، ولديه حاسة شم قوية، تجعله يتذكر الحوادث من خلال الروائح، ويظل يبكي، وفي أحسن الأحوال يئن للتعبير عن خلجاته وطلباته، ولعل هذا الفصل الذي يرويه (بنجامين) من خلال ما يجول في عقله المضطرب، هو الذي لا يتكلم، من أصعب فصول الرواية، وأروعها وأبدعها، لأنها أظهرت الإمكانات الرائعة لتقمص فوكنر أفكار هذا المعتوه ونوازعه، الذي سيُخصى بعد أن يموت أبوه، ويودع مشفى المجانين، بعد أن تموت أمه، يرتكب هذه الموبقات أخوه (جاسن) الذي لا يأبه لشيء في الحياة سوى كنز المال، من أي طريق جاء!

وإذ نتعرف على الكثير من حياة هذه الأسرة الأمريكية، التي ظلت تحيا على ذكريات مجد غابر في الفصل الأول الذي رواه (بنجامين)، فإن الصورة لتتوضح أكثر، لدى قراءتنا الفصل الثاني الذي يرويه الابن الأكبر (كونتن) عائدا إلى سنة 1910، حيث تبيع الأسرة جزءا من أرضها الزراعية، كي تمكن ابنَها (كونتن) من الدراسة في جامعة هارفرد، لكن حدثا يعصف بحياة الأسرة، إذ تعشق ابنتهم (كاندس) شابا، وإذ يقضي منها وَطَرَه، يتركها بعد أن زرع في رحمها جنينا، لتتزوج من آخر، فيكتشف زوجها أنها حبلى منذ شهرين فيطلقها، فتدفع هذه الكارثة بشقيقها (كونتن) لرمي نفسه في النهر منتحرا.

وإذ نواصل القراءة في الفصل الثالث الذي يتولى سرده (جاسن)، الإنسان العملي، الخالي من المشاعر والعواطف، الذي لا يحترم شيئا في الدنيا سوى الشرطة بوصفها هي التي تنفذ القانون، الذي ينعى على الأسرة أنها باعت أرضا كي يدرس (كونتن)، وأنفقت أموالا طائلة كي تقيم حفل زواج باذخا لشقيقته (كاندس) وتركوا عبء الأسرة على كاهله وحده، بعد أن مات الأب الذي عاش على مجد الأسرة القديم، والقارئ لكلاسيكيات الأدب والمعاقر الدائم للويسكي.

(جاسن) هذا كان مخادعا مرابياً جافا جافيا، كان يكره هؤلاء الزنوج الخدم في بيت الأسرة، يراهم عبئا مضافا عليه، كان يخدع أمه، التي كانت ابنتها (كاندس) ترسل باسمها شهرياً مئتي دولار لتصرف على ابنتها، التي جاءت من علاقة سفاح غير شرعية كما أشرت آنفا. (كاندس) كانت ترسل هذا المبلغ شهريا من مكان إقامتها في باريس، إلى ابنتها التي أطلقوا عليها اسم خالها المنتحر (كونتن) إحياء لذكراه! فكان يخدع أمه بتحرير صك مزور مدخلا في روعها حرمة هذا المبلغ، الذي ترسله ابنتها، التي يصفها دائما بـ(العاهرة)! فمال العاهرة حرام يجب أن يحرق! وانطلت هذه الخديعة على الأم المسكينة الطيبة، المؤمنة بتعاليم السيد المسيح في الصدق والأمانة والمحبة والشرف، فكانت تحرق الصك الذي يزوره ابنها (جاسن)، في حين يحتفظ بالمئتي دولار لنفسه، مخبرا ابنة أخته؛ التي أخذت تشب عن الطوق، وتعيد سيرة أمها، هو الذي يصفها بقوله (عاهرةٌ يوما، عاهرة كل يوم) يخبرها بأن أمها ترسل لها عشرة دولارات شهرياً! وما كانت البنت المراهقة تصدق خالها الكذاب، وينتهي الحال، بأن تتسلل (كونتن) من نافذة غرفتها، مارة- مصادفة- على غرفة خالها ، متخذة من أغصان الشجرة وسيلة للوصول إلى غرفته، كاسرة زجاج شباكها لتدخل فتعثر- مصادفة أيضاً- على الدرج الذي كان خالها (جاسن) يحتفظ فيه بالنقود؛ درج منضدته، كاسرة إياه سارقة النقود؛ نقودها، لا بل مستردة أو مستعيدة نقودها التي غصبها خالها، نازلة عن طريق أغصان الأشجار، مولية الأدبار مع عشيقها، وكما انقطعت أخبار أمها من باريس، تلاشت أخبار (كونتن) لتكون لا مسك ختام، بل حنظل ختام هذه الأسرة المسكينة، التي مزقتها حوادث الزمان.

وقفات فكرية

الرواية صورت الحياة في الجنوب الأمريكي، بعد الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب سنة 1865، وهزيمة الجنوب الذي كان يعامل الزنوج بعدم احترام، ومن هنا جاء الفيض الروائي الزنجي، الذي قرأناه وكتبه الروائيون الأمريكيون من أصول افريقية: هرييت بيتشر ستاو، وجون شتاينبك، وهوارد فاست، وآرسكين كالدويل، وجيمس بالدوين، نجد في هذه الرواية تأكيد مكارم الأخلاق وصون الشرف، والحفاظ على السمعة لا كذباً بل حقيقة، من هنا رأينا انتحار (كونتن) الذي أفجعه حبل أخته سفاحا، ما استطاع قتلها لأنه كان يحبها حباً جماً، فقتل نفسه، فضلا عن أخلاقيات الأم (السيدة كارولاين) المتمسكة بأهداب الفضيلة، وكانت تحنو على الأسرة الزنجية التي تخدمهم، كما تحدب على أبنائها، وظلت لـ( دلزي) المربية الزنجية والطاهية، كلمتها النافذة لدى الأسرة، وكذلك (جاسن) الذي على الرغم من براغماتياته وذرائعياته وميكافيلياته، ظل يراقب سلوك ابنة اخته (كونتن) ويعظها وينصحها، لكن من غير جدوى؛ فالعرق دساس، وعاهرةٌ يوما، عاهرة كل يوم! كما يقول.

الحفاظ على الشرف، القريب من سلوك الشرقيين وجدته – كذلك- في رواية (مويرا) وهي من روائع الأدب العالمي، للروائي الأمريكي جوليان كرين، لكن هذا الانفلات الأخلاقي الذي ضرب أمريكا الشمالية وأوروبا، إنما كان من نتائج الحرب العالمية الثانية، وتفشى في ستينيات القرن العشرين، وظهور الهيبيين المنفلتين، وفرقة البيتلز الغنائية، ولبس النساء للملابس القصيرة، الميني جوب والميكرو، واختراع حبوب منع الحمل، فضلا عن دعوات ما عرفت بـ(ثورة الشباب والطلبة) سنة 1968، التي أطاحت برمز فرنسا الجنرال شارل ديغول، لينسحب من الحياة السياسية، الى بيته الريفي ومن ثم ليموت في خريف 1970، وكادت تطيح بالزعيم الجيكوسلوفاكي (دوبجيك) لولا نجدة الدبابات السوفييتية له، والإنزال السوفييتي الهائل في أغسطس/آب 1968.

رأيت في الرواية كرها لليهود، وهو ما كان جليا في «يوليسيس» جيمس جويس، فضلا عن رواية «موبي ديك» للروائي الأمريكي هرمان ميلفل، ولا بأس من الإشارة إلى أدب وليم شكسبير، ولاسيما مسرحيته «تاجر البندقية»، يتجلى ذلك في حديث (جاسن) مع أحد الأشخاص بشأن زراعة القطن، الذي أمسى تجاره: «أوتظن أن المزارع يخرج بشيء من كل ذلك عدا (..) احديداب الظهر! أوَتظن أن الرجل الذي يتصبب عرقا من بذره وزرعه يحصل على فلس أحمر غير كفاف العيش؟ فإذا أنتج غلة صغيرة فهي لا تستحق القطاف؛ وإذا أنتج غلة كبيرة، لم يكن لديه ما يكفي للحلج.

والفائدة؟ لكي تأتي شرذمة من اليهود الشرقيين- وأنا لا أتحدث عن الذين يعتنقون الدين اليهودي، ولعلك واحد منهم وأنا لا اعترض على اليهود كأفراد، إنما على الجنس، العرق. فأنت توافقني على أنهم لا ينتجون شيئاً».

« فما من إنسان إلا ويعرف- إلا إذا بلغ به الغباء حد الإيمان بكل ما يقوله اليهود في ذلك- إن السوق في ارتفاع دائم لأن الدلتا اللعينة بأجمعها على وشك الغرق بالفيضان من جديد، والماء يقتلع القطن من الأرض، كما حدث في العام الماضي، محاصيلنا تغرق سنة بعد سنة، إنما أريد أن أسترد نقودي التي ابتزها هؤلاء اليهود الملاعين- بمعلوماتهم المضمونة لما يجري وراء الستار- وعندها سأكف نهائيا، وليقبّلوا قدمي لكل سنت أحمر يستخرجونه مني بعد ذلك».

الفصل العنصري اللعين

ويظل كره البيض للزنوج واضحا، يقابله كره الزنوج لهم، وفي أفضل الأحوال تحاشيهم، إذ كثيرا ما ترد على لسان (جاسن) تعابير كارهة للسود قائلا: إن ما يحتاجه هذا البلد هو العمال البيض. فلو جعلنا هؤلاء السود الكسالى يتضورون جوعا سنة أو سنتين، لأدركوا حينئذ قيمتهم الحقيقية».

كما أود الإشارة إلى المقابر الخاصة بالزنوج، على الرغم من الدين الذي يجمعهم، ما يؤكد وجود الفصل العنصري اللعين وقتذاك حتى في الموت، إذ يناجي (جاسن) نفسه بعد الفراغ من مراسم دفن أبيه «فتوجهت نحو مقبرة الزنوج.

ووقفت تحت أرزة احتمي بها من المطر». كما ظهر في الرواية جليا واضحا، كره الأمريكي الأقدم، لموجات الهجرة إلى أمريكا بحثا عن الثراء والعيش الرغيد، فها هو (جاسن) وقد رأى تلاعب القائمين على بورصة نيويورك بسعر الدولار، صعودا ونزولا، ما يسبب للزبائن والمتعاملين بالبورصة أفدح الخسائر، في حين يجني هؤلاء طائل الأرباح، عازيا هذا التلاعب لليهود الشرقيين المهاجرين، فهو ما اكتفى بذم اليهود؛ كل اليهود، فإنه هنا يضيف إليهم صفة (الهجرة). يهود شرقيون مهاجرون مؤكدا: «يظهر أن هؤلاء اليهود الشرقيين أيضا لا بد لهم من وسيلة للعيش. ولكنني أضيق ذرعا كلما رأيت أن بوسع كل أجنبي لعين عاجز عن طلب الرزق في بلده، حيث أوجده ربه، أن يأتي إلى هذا البلد ويحصد المال من جيوب الأمريكيين».

 

  • كاتب من العراق

 

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي