مأزق أرمينيا وأذربيجان الخطير يحرك المنطقة نحو المجهول

2020-10-17 | منذ 3 يوم

الأساليب السياسية القديمة لن تجدي نفعا وباكو لن تتمكن من تحرير الأراضي المتنازع عليها

باسل الحاج جاسم:

كان واضحاً منذ إعلان التوصل إلى "هدنة إنسانية" بين أذربيجان وأرمينيا أنها ستكون "هشة ومتعثرة"، إذ جرى الاتفاق على وقف إطلاق النار بعد 10 ساعات من مباحثات جمعت وزراء خارجية أذربيجان وأرمينيا وروسيا في العاصمة الروسية موسكو، الجمعة الماضية، وكانت مشاورات موسكو أول اتصال دبلوماسي بين الجانبين الآذري والأرميني، منذ اندلاع القتال في 27 سبتمبر (أيلول) الماضي.

ووصف وزير الخارجية الأرميني زوهراب مناتسكانيان المباحثات لاحقاً بأنها "صعبة نوعاً ما"، وقال إن "أرمينيا تريد الاعتراف بناغورنو قره باغ دولياً كدولة مستقلة"، في حين قال وزير الخارجية الآذري جيهون بيراموف إنه "لم يمارس ضغطاً كافياً" على أرمينيا خلال المناقشات، وإن الوضع في الإقليم "لا يمكن أن يستمر كما كان"، وأضاف أن أذربيجان تتوقع "فرض سيطرتها" على مزيد من الأراضي، وأن وقف إطلاق النار سيستمر فقط بقدر ما يحتاج الصليب الأحمر لـ"إتمام عملية تبادل جثث القتلى".

وتتبادل كل من باكو ويريفان الاتهامات بشأن المتسبب باندلاع المعارك الأخيرة، التي تعد الأسوأ منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي.

أمن خطوط الأنابيب

وعلى الرغم من أن القتال يدور بالفعل بين أرمينيا وأذربيجان، فإن الأذربيجانيين يقاتلون لاستعادة ناغورنو قره باغ، ولم يصلوا حتى إلى أراضي الإقليم نفسه، ويوجد أربعة قرارات لمجلس الأمن تؤكد أذربيجانية تلك الأراضي.

وأثارت الاشتباكات الأخيرة المخاوف على أمن خطوط الأنابيب التي تنقل النفط والغاز من أذربيجان وبحر قزوين إلى أوروبا، لا سيما أن هذه المعارك هي الأسوأ منذ الحرب التي دارت بين عامي 1991 و1994 بين البلدين، وخلفت أكثر من 30 ألف قتيل من الجانبين، وانتهت باتفاق وقف إطلاق للنار، تعرض لانتهاكات متكررة.

وكشف تجدد المواجهات في جنوب القوقاز عدم فعالية الأساليب السياسية القديمة، فلا نداءات روسيا ولا فرنسا ولا حتى مجلس الأمن الدولي تؤثر في الوضع حتى الآن، لا سيما أن التغييرات التي طرأت على خريطة السيطرة في ساحة المواجهات، لا تناسب لا باكو ولا يريفان.

خسرت أرمينيا خلال جولة المواجهات الأخيرة بعض المناطق، التي كانت قد سيطرت عليها خلال حروب التسعينيات، من دون الحصول على أي مكاسب سياسية تتعلق بإقليم ناغورنو قره باغ. ومن الواضح، لم تعد القوات الأرمينية قادرة على الاحتفاظ بجميع المواقع التي سيطرت عليها منذ عام 1994، لذلك فإن أي مفاوضات جديدة ستنطلق من هذه الحقيقة.

أوراق المساومة

في المقابل، لم تتمكن أذربيجان من استعادة كامل أراضيها، ويوجد مليون لاجئ آذري، هم ورقة ضغط داخلية على باكو، ينتظرون العودة إلى أراضيهم، حيث جرى تهجيرهم منها في حرب عام 1991.

وكان اتفاق الهدنة الإنسانية بمثابة "استراحة محارب" أرادها كلا الجانبين أذربيجان وأرمينيا لالتقاط الأنفاس، بعد أسبوعين من معارك متواصلة، تكبد فيها الطرفان كثيراً من الخسائر في الأرواح والمعدات، وبما أن الدعوة إلى مباحثات اتفاق الهدنة جاءت من بوتين، وباكو ويريفان لا تريدان إغضاب زعيم الكرملين في هذه الأوقات من الصراع المشتعل بينهما.

يبدو أن موسكو وحدها "حتى الآن" باستطاعتها أن تلعب دور وسيط مؤثر في أزمة جنوب القوقاز، وتدعو الأطراف إلى التفاوض مع انشغال واشنطن في ملفات داخلية وقضايا أكثر أهمية، مع ظهور انحياز فرنسي عبر عنه الرئيس الفرنسي ماكرون في أكثر من تصريح، ما دفع أذربيجان إلى إعلان أن باريس "ليست طرفاً محايداً".

وتقود روسيا والولايات المتحدة الأميركية وفرنسا مجموعة مينسك، تحت مظلة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، التي ترعى المفاوضات بين أذربيجان وأرمينيا منذ أكثر من 28 عاماً. ويمكن القول إن المجموعة تكاد تكون الإجماع الوحيد تقريباً بين روسيا والغرب في الفضاء الأورآسيوي.

مأزق كبير

ومن خلال مراجعة عملية المفاوضات لم يذكر أي شيء عن تحرير الأراضي الأذربيجانية بالوسائل العسكرية، على الرغم من تأكيد "إنهاء احتلال المناطق الأذربيجانية وعودة اللاجئين"، ونجد هنا أنه جرى إدخال أذربيجان وأرمينيا في "لعبة خطيرة" إن صح تسميتها، أو مأزق كبير.

لم تتمكن باكو من السيطرة على الأراضي بالقوة، كما لم تستطع يريفان أيضاً الحصول على الدعم القانوني من الغرب أو من موسكو، على الرغم من اللوبيات الأرمينية الضاغطة في واشنطن وعواصم أوروبية وتجمد النزاع.

يبقى القول، إن عدم إحراز تقدم في المفاوضات حول وضع الإقليم يناسب الجانب الأرمني أكثر، لأنه في هذه الحالة يحتفظ بالسيطرة على جميع الأراضي الأذربيجانية المحيطة بناغورنو قره باغ، التي احتلتها خلال حرب عام 1994، حيث سيستخدمها كورقة مساومة في عملية التفاوض، كما توفر هذه الأراضي منطقة آمنة حول قره باغ نفسها، ونجد هنا أن أذربيجان في هذه الحالة هي الطرف المعني بتغيير الوضع على خط المواجهة، بينما أرمينيا، على العكس من ذلك، مهتمة أكثر بالحفاظ على الوضع الراهن، وتجميد النزاع، لا سيما أنها منتصرة في تلك الحرب القديمة من التسعينيات.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق




شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي