قبل 44 عاما قلعة الشقيف مسرح لمعركة ضارية مع إسرائيل يرويها مقاتلان فلسطينيان

أ ف ب-الامة برس
2026-06-06 | منذ 1 ساعة

صورة مؤرخة في 29 أيار/مايو 2026 لقلعة الشقيف في لبنان ( ا ف ب)القدس المحتلة- في حزيران/يونيو 1982، كانت قلعة الشقيف التي رُفع عليها علم إسرائيل قبل أيام، مسرحا لمعركة ضارية بين جنود إسرائيليين ومقاتلين فلسطينيين تحصّنوا داخلها وانتهت بمقتلهم جميعا وسيطرة جيش الاحتلال الإسرائيلي عليها.

بعد أربعة عقود، يروي معين الطاهر ومحمد القاروط، المقاتلان السابقان في صفوف منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت تتخذ من لبنان مقرّا في تلك الفترة، ذكرياتهما عن هذه المعركة، لوكالة فرانس برس.

ويقول الطاهر (74 عاما) الذي يقيم حاليا في عمّان ويتفرّغ منذ سنوات للبحث والكتابة، "كان ذلك في السادس من حزيران/يونيو. تعرّضت القلعة يومها لقصف مدفعي وجوي إسرائيلي لم يتوقّف لحظة".

ويضيف "كنت أنظر إلى القلعة التي كانت عبارة عن كتلة من نار... مشتعلة من حدة القصف".

مع قيام دولة إسرائيل عام 1948، هُجّر إلى لبنان عشرات آلاف الفلسطينيين على دفعات، وما لبثوا أن انتظموا ضمن فصائل مسلحة بدأت تنشط ضد إسرائيل انطلاقا من الأراضي اللبنانية، لا سيما بعد "اتفاق القاهرة" الذي وُقّع عام 1969 بين منظمة التحرير الفلسطينية والسلطات اللبنانية وأعطى "الكفاح المسلح" شرعية.

في العام 1978، اجتاحت إسرائيل لبنان للمرة الأولى ردّا على العمليات ضدها، وفي العام 1982، نفّذت اجتياحا ثانيا وصلت فيه الى بيروت.

كان الطاهر قائدا للقوات اللبنانية الفلسطينية المشتركة في حرب 1978 في منطقة بنت جبيل ومارون الراس الحدودية، ثم في المسؤولية ذاتها في النبطية وقلعة الشقيف عام 1982.

ويروي أنه لم يكن داخل القلعة في ذلك اليوم.

ويقول "كنت في بيروت حيث وضعت زوجتي ابنتي الأولى. عندما احتدمت المعارك، غادرت بيروت إلى النبطية ووصلتها ظهر السادس من حزيران/يونيو"، مضيفا "في صباح ذلك اليوم، تمكّن المقاتلون من إسقاط طائرة حربية إسرائيلية... وأسر طيارها".

ويتابع أنه حاول أن يصل إلى القلعة لتفقّد المقاتلين برفقة مقاتل آخر، لكن سيارتهما تعرّضت لقصف إسرائيلي، وأصيب هو بشظايا.

ويقول "أسفرت المعركة يومها عن مقتل جميع المقاتلين الذين تحصنوا داخل القلعة"، وكانوا ينتمون الى "كتيبة الجرمق في حركة فتح ويتراوح عددهم ما بين 30 إلى 35 مقاتلا". وضمّت الكتيبة في حينه مقاتلين لبنانيين ويمنيين الى جانب الفلسطينيين.

- خنادق ودشم -

ويوضح الطاهر أن القلعة كانت "دُمّرت" في العام 1981، بغارات إٍسرائيلية. إلا أن المقاتلين حصّنوها بعد ذلك عبر حفر العديد من الخنادق والدشم ونفق امتد 150 مترا داخل القلعة.

ويقول إن القلعة اكتسبت شهرة "نتيجة القصف الاسرائيلي المتواصل عليها... في كل يوم، كان يصدر بلاغ بأن العدو قصف قلعة الشقيف. أصبحت حدثا يوميا في التاريخ".

وقاتل القاروط (69 عاما) بدوره في صفوف منظمة التحرير الفلسطينية في جنوب لبنان ثم شغل مناصب في السلطة الفلسطينية في مدينة أريحا في وسط الضفة الغربية المحتلة حيث يقيم حاليا. ويركّز نشاطاته حاليا على جمع معلومات ووثائق عن تاريخ حركة فتح، ومنه معركة قلعة الشقيف، لصالح "أكاديمية فتح الفكرية".

ويقلّب القاروط أمام فريق فرانس برس مجموعة من الوثائق المطبوعة وصورا للقلعة ولمقاتلين فيها تعود الى تلك الحقبة. ويظهر في إحداها سلّم طويل يشرح أنه وضعه بنفسه هناك ليتمكّن المقاتلون من الصعود إلى القلعة بعد تدميرها مع مدخلها في 1981.

وفي صورة أخرى، تظهر مجموعة من المقاتلين بزي عسكري على القلعة يلوحون بأيديهم.

ويروي القاروط أنه بعد بدء معركة قلعة الشقيف، "صمد المقاتلون في القلعة أكثر من 60 ساعة حتى استشهدوا جميعا"، معتبرا أن تلك المعركة مثّلت "رمزية في التحدّي والصمود والعنفوان".

ويتوقف الطاهر والقاروط عند القيمة التاريخية للقلعة الأثرية التي تعود إلى زمن الحملات الصليبية، ثم مرّت عليها جيوش أخرى بينها قوات صلاح الدين الأيوبي والعثمانيون. ويشيران الى أن "أهميتها الاستراتيجية والعسكرية تنحصر في كونها نقطة مراقبة تطلّ على" شمال إسرائيل وهضبة الجولان.

وأطلقت إسرائيل عام 1982 اسم "سلامة الجليل" على عمليتها العسكرية في لبنان التي هدفت إلى إبعاد منظمة التحرير عن حدودها الشمالية. وقد نجحت في ذلك، وصولا الى إخراج قادة المنظمة وعلى رأسهم ياسر عرفات من لبنان، بعدما حاصرت قواتها العاصمة بيروت.

وكانت معركة قلعة الشقيف من أول المعارك في الاجتياح. وزارها بعد السيطرة عليها رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك مناحيم بيغن ووزير دفاعه أرييل شارون.

عام 2013، بثت القناة العاشرة الإسرائيلية فيلما وثائقيا بعنوان "الجرح الأخضر النازف" يظهر مقاطع من قلعة الشقيف وأرتالا من الدبابات الإسرائيلية في جنوب لبنان وشهادات ضباط وجنود إسرائيليين شاركوا في معركة القلعة.

ويقول غابي أشكينازي الذي كان نائبا لقائد لواء "غولاني" الذي شارك في المعركة آنذاك وشغل لاحقا منصب رئيس الأركان، في الفيلم، إن احتلال القلعة "كان هدفا رمزيا وسياديا".

- بين منظمة التحرير وحزب الله -

فجر 31 أيار/مايو، دخلت قوات الاحتلال الإسرائيلي مجددا قلعة الشقيف، بعدما كانت أخلتها إثر انسحابها من لبنان عام 2000. وسبقت ذلك معركة بينها وبين حزب الله الذي كان متمركزا في المنطقة. 

واعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو أن " السيطرة على قلعة الشقيف تحوّل حاسم" في مسار الحرب المتواصلة مع حزب الله على خلفية الحرب في إيران منذ الثاني من آذار/مارس.

بعد ساعات، التقطت فرانس برس صورا عن بعد للعلم الإسرائيلي وعلم لواء "غولاني" مرفوعين فوق القلعة مع تصاعد الدخان في محيطها.

وعن المقارنة بين معركة حزب الله ومعركة الفلسطينيين في 1982، يقول الطاهر إن الحزب اللبناني الشيعي رغم أنه "مرتبط بمسائل إقليمية والوضع الإيراني بشكل عام"، "يمثّل مكوّنا طائفيا كبيرا في لبنان ويقاتل على أرضه ولديه حاضنة شعبية كانت تفتقدها المقاومة الفلسطينية في بعض المراحل".

ويرى أيضا أن إسرائيل قد تلعب ورقة "الخلافات الداخلية" في لبنان، كون اللبنانيون غير مجمعين على الحرب التي يخوضها حزب الله، ما قد يؤثر على السلم الأهلي، معتبرا أن الحزب "أمام اختبار صعب".












كاريكاتير

إستطلاعات الرأي