

طهران- بدا صناع القرار في طهران على درجة عالية من الواقعية، وحتى البراغماتية، غير راغبين في تصعيد الأزمة التي فجّرتها تصريحات مسؤول إيراني بشأن حقوق إيرانية مزعومة في التراب البحريني، في فترة بدا خلالها بصيص انفتاح دولي تجاه طهران بعد مرحلة ضغط عال مارستها إدارة الرئيس الأمريكي السابق على إيران.
وأكدت إيران الخميس 20-2-2009 أنها تحترم سيادة البحرين، في خطوة تهدف الى نزع فتيل الازمة مع المنامة التي هددت بوقف اتفاق بشأن الغاز مع طهران.
وقال حسن قشقوي المتحدث باسم الخارجية الايرانية لإحدى الفضائيات الناطقة بالعربية أن "موقفنا من البحرين واضح.. أكدنا مرارا على أننا نحترم سيادة واستقلال كافة الدول المجاورة والمنطقة خاصة البحرين".
واحتجت البحرين بشدة على تصريحات نسبت الى علي أكبر ناطق نوري عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام، بأن مملكة البحرين كانت من المحافظات الايرانية الـ14 ولها ممثل في برلمانها.
وقال قشقوي في تصريحه "ليست لنا تطلعات في أي بلد. هذه عاصفة خلقها الاعلام.. وناطق نوري لم يكن يشير الى البحرين".
وأضاف أن ناطق نوري "تحدث في خطابه في مشهد عن إنجازات الثورة الاسلامية وقارنها بعهد الملكية.. لم يتحدث مطلقا عن المسائل العالمية والاقليمية والسياسية الراهنة".
وحذّر قشقوي من "اعادة فتح الخلافات الحدودية القديمة لأنها لا تفيد شعوب المنطقة او الاخوّة او الصداقة".
وذكرت صحيفة بحرينية ان المملكة استدعت فريقها الذي كان في زيارة الى ايران للإشراف على اتفاق تم التوصل اليه في تشرين الاول/اكتوبر لتزويد البحرين بمليار قدم مكعب "نحو 28 مليون متر مكعب" من الغاز الطبيعي كل عام.
وتوترت العلاقات بين ايران والبحرين سابقا خاصة في تموز/يوليو 2007 بسبب مقالة كتبها حسين شريعة مداري كرر فيها القول بتبعية البحرين لايران، ما دفع حينها بوزير الخارجية الايراني منوشهر متكي الى زيارة المنامة وتقديم توضيحات وتطمينات من القيادة الايرانية.
وأثار تصريح ناطق نوري موجة تضامن رسمي عربي مع البحرين، وتحوّلت المنامة إلى قبلة للمسؤولين العرب على أعلى مستوى. وبعد زيارة الرئيس المصري الأخيرة إلى البحرين، حل العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني الاربعاء بالمنامة في زيارة تضمنت أجندتها "بحث التطورات الراهنة في منطقة الشرق الاوسط".
وجاءت الزيارتان المصرية والأردنية على خلفية التصريحات الإيرانية المذكورة التي رأت فيها المنامة مساسا بسيادتها، وتحولت المملكة بموجبها الى نقطة تماس جديدة للخلافات الايرانية العربية.
وفي سياق متصل أكد وزير خارجية تركيا علي باباجان الخميس احترام بلاده لسيادة البحرين والتزامها بالمحافظة عليها، فيما شدّد وزير خارجية البحرين خالد بن أحمد بن محمد آل خليفة على أهمية وقف تصريحات بعض المسؤولين الإيرانيين بشأن سيادة واستقلال بلاده.
وقال مسؤول بحريني إن زيارة الرئيس المصري حسني مبارك الأخيرة للبحرين "جاءت بالأساس للتعبير عن تضامن مصر مع البحرين"، موضحا أنه "ليس أمرا عاديا أن يأتي الرئيس المصري في زيارة تستغرق ساعات".
وأكد أن زيارة الرئيس المصري" جزء من موقف مصري ثابت داعم للبحرين ودول الخليج" مشددا على أن "مصر لديها مسؤولية كبيرة حيال شقيقاتها".
وقبل وصول مبارك الى المنامة نقل عن الناطق باسم الرئاسة المصرية سليمان عواد أن زيارة مبارك للبحرين هي "زيارة تضامن ومساندة ودعم لمواجهة التحديات والمخاطر التي تواجهها مملكة البحرين الشقيقة ومنطقة الخليج".
وعدّ المسؤول البحريني إن "المسألة بالنسبة للبحرين مختلفة عما يجري من صراع نفوذ في مناطق أخرى". وقال ذات المسؤول إن التنافس العربي الايراني في ساحات مثل لبنان وفلسطين "هو صراع نفوذ سياسي أما بالنسبة للبحرين فالمسألة تتعلق بالسيادة والاستقلال".
وبدا للحظة الخسائر التي يمكن أن تلحقها مثل تلك التصريحات بالمصالح الإيرانية ومن ثم مسارعة طهران لتطويق تبعاتها.
وقد أعلنت البحرين وقف مفاوضات حول استيراد الغاز الطبيعي من ايران، وفق ما أكده مسؤول بحريني رفيع أوضح أن "القرار اتخذ بعد التصريحات المؤسفة التي تمس بسيادة البحرين ولا تخدم العلاقات بين البلدين".
واعتبر الناشط والوزير البحريني السابق علي فخرو أن التصريحات التي أدلى بها نوري "ليس لها معنى" مشككا في أن تكون هذه التصريحات "مرتبطة بسياسة مدروسة على مستويات عليا في طهران".
وقال "لا يمكن أن أتصور أن تصريحات مثل هذه نابعة من سياسة مدروسة ولو كان ذلك صحيحا فإن هذه حماقة سياسية كبرى، هذا لا ينسجم مع ما نعرفه عن حذر الايرانيين".
وأضاف "لو كان الأمر يتعلق بالعراق لفهمنا الأمر لكن أن يورط شخص ايران في أزمة مثل هذه فهذا ليس مفهوما تماما وخطأ كبير".
وتساءل فخرو "ما هي المصلحة في تصريحات مثل هذه؟ ايران تحتاج للدعم العربي في مواجهة الضغوط التي تتعرض لها ولا يمكن ان نتصور منطقيا وعقلانيا وسياسيا أن تأتي وتستعدي العرب، لا يمكن أن تكون هذه سياسة مدروسة".
وعلّق مراقبون على تبرؤ الخارجية الإيرانية من تصريحات علي أكبر ناطق نوري، بأن درس المصالح هو ما فهمته إيران سريعا وبادرت لتطبيقه في ظل الموقف العربي الذي بدا حازما هذه المرة على عكس ما بدا عليه من قبل حين كانت التهديدات جلية وواضحة لإسقاط العراق.