الحوار الأزرق والمياه الفلسفيّة

2020-09-10 | منذ 9 شهر

ثلاثة أرباع الجسد البشريّ ماء

أسماء جزائري

يرى البعض أن أجسادهم أثقل من الماء، ومع هذا يستطيعُون السّباحة، يُجيب العلم عن هذه الرؤية بقانون الطّفو لأرخميدس، ولكن ماذا عن علاقة هذا الإنسان بالبحر، تلك التّي يشعرُ فيها بالسّوء، حينما تنقطع ولو للضّرورة، كما هو الأمر في ظلّ جائحة «كوفيد- 19»؟

من المعروف أنّ ثلاثة أرباع الجسد البشريّ ماء، نحن مغمُورون بالسّوائل، ولذلك نشعرُ أحياناً بأن البحر يعرفُنا أكثر من الأصدقاء، وأنّ الحديث الفيزيولوجي الذّي يحدثُ بيننا وبين البحار، جرّاء هذا الانتماء الطبيعيّ الذّي يُمكننا أن ننطلق فيه بـ«حديث الماء» ولا ننتهي عند أية يابسة، ليس إلا حلقة في سلسلة بيولوجيّة؛ إذ يستجيبُ كلانا للآخر في علاقة طبيعيّة متينة، أعرّفها بـ«الحوار الأزرق»، وفي هذا الحوار تحديداً، تظهرُ خواص التّماسك، ويظهر ذلك الانجذاب الذّي تغذيه الرّوابط الهيدروجينيّة.

قانون طفو الأرواح

وفي هذا النوع من الحوارات الحيّة التّي لا تشعر فيها بفُقدان حلقة حديث ما، كما يحدث عادة مع الأشخاص، تكتشفُ حالة التّخفف التّي تحدث في الدّاخل، ونشعر أن قانون طفو الأجساد فوق الماء يقابله ُعلى الشّاطئ قانون طفو الأرواح، أين تفقد المتاعب النفسيّة أثقالها، وتتحوّل إلى شأن شبيه بفقدان الجاذبيّة، إننا نجلسُ على الشّواطئ، ونولي العالم لامبالاتنا. هو المكان الوحيد الذّي نضع فيه مُدننا خلف ظهُورنا، ونستلقي داخل التّفكير الأزرق. قد يكون الأمر أشبه بالبداية، أو عمليّة تصفير الميزان للحظات، ولكنّها تمنحك متسعاً لتعلّم كيفيّة استجابة جسدك لتوائمه في الطّبيعة.

الحُكماء يحبّون الماء

أقول دائماً: حتّى لو سبحت البحر كلّه، في الأخير ستسقط منك موجة ما، لكن ماذا لو سقط منك البحر كلّه؟

يحبّ الإنسان البحر لأنّه يُشبهه، ولأنّه يأخذ صورته الجماليّة من العلاقة الفلسفيّة القائمة على تتبّع تاريخ علاقة الإنسان بالماء، فالعائد إلى جذر الصّورة التاريخيّة، يجد أنّ الماء كان شريكاً في بنائها، إذ يُعتبر المادة القادرة على تحقيق فكرة الانعكاس، ومنها تشكلّت فلسفة النّظر إلى الدّاخل الإنساني (رؤية نرسيس لوجهه على بركة الماء»، مقابل العلاقة البصريّة التّي ظلت سائدة تجاه النّظر إلى الآخر، فالانعكاس ليس في الصورة وحسب، وإنّما في المحمول الذهني والروحي للإنسان، الحُكماء يحبّون الماء، تقولُ مقولة كونفوشيوس، لتظهر احترامها للماء في الثّقافة الصينيّة.

ولكن الحقيقة لا تتعلق بالحُكماء فحسب، فالكلّ يحبّ الماء وفي حبّهم يعثرون على مخاوفهم الوجوديّة التّي تبدأ بالبحر، هذا الكيان المُهاب الذّي يبسط لك يده للرزق وكتفيه لسفُن تصل بين اليابسة والأخرى، وفي الوقت نفسه يأتي بالغزاة ويلقي بالجثث، ما يجعلني أتفهّم ما قاله الفيلسوف فرنسيس بيكون الذّي رأى أنّ البحر أفق مفتوح لاكتشافه والاستيلاء عليه، ففي شطر المقولة الأول يختزل بيكون نظرة التّعايش التّي تصوّر لنا البحر «أصلٌ يطوق البشريّة بيديه الرؤوفتين»، بينما ينقلبُ عليها في الشطر الثاني، ويخرج من جيب الطّبيعة مخلبه! هي علاقة، إذن، قائمة على ثنائية «الخير والشّر»، التّي تتجلى بصورة طفيفة في تعاطي النّاس البسطاء معه على الشواطئ، فنرى من يكتفون بالجُلوس غروباً على مقربة منه للحديث إليه، آخرون يكفيهم أن تلعق بعض الأمواج أقدامهم، بينما هنالك من يذهبُ بعيداً في سباحته، راكباً أمواجه، أو غائصاً داخل أعماقه، كعلامة على قبول دعوة عشاء تأخذه إلى نفسه!

حدس صوفيّ

لأجل هذه الروابط الحيّة، أرجع طاليس الوجود إلى كليّته، وعندما سعى لقول ما رأى نطق بالماء، هكذا وصفه نيتشه الذّي سمّاه بالفيلسوف الأوّل، وهي نفسها فكرة الأرخي عند فلاسفة اليونان، فماء طاليس ماء فلسفي، وليس ماء تجريبياً طبيعيّاً، إنّه رمز للوجُود العام الذّي اهتمت به الفلسفة الما قبل سقراطيّة، فما دفع طاليس إلى مثل هذا التّعميم الهائل نابع من بديهة فلسفية تعُود في أصلها إلى حدس صوفيّ يصادفها في جميع الفلسفات، وتتمثل في المبدأ القائل «الواحد هو الكلّ». لقد أحدث طاليس قطيعة مع تفسير الوُجود بالأسطورة cosmogonie للانتقال إلى تفسيره بمبادئ أو عناصر cosmologie، وليكون أول من حاول شرح الكون، مستنداً إلى هذه المبادئ، وأول من طرح المشكلة، وحدد اتجاه الفلسفة وطابع كل الفلسفة السابقة على سقراط.

أصل القطائع الإبستيمولوجية

لم يتحدث غاستون باشلار عن هذه القطيعة، وإن كان يبدو أنّها أصل القطائع الإبستيمولوجية التيّ طرأت على تاريخ العلوم، إذا اعتبرنا أن علم تشكّل الكون قبل طاليس كان مدوناً في ملحمتي هوميروس، بالنسبة للمجتمع الغربي. وشكل طاليس محطة فارقة في الحياة الفلسفية والعلمية عند الإغريق، ومهد الطريق لتلامذته من فلاسفة الطبيعة، حتى اقترحوا مبادئ مغايرة لتفسير أصل الوجود (هواء، نار، تراب).

لقد نهج المتصوفة نهج اليونان، إن لم نقل إن اليونان نهجوا نهج المتصوفة، باعتمادهم علماً كامناً في باطنهم، أو ما يصطلح عليه علماً لدنيّاً، وذلك في محاولة رؤية الوجود في كليته، كما جاء ضمن عبارة نيتشه، ثم اختلفت رؤاهم، فكان لنا من الميراث اليوناني حول تشكل الكون قدر يقارب ما لدينا من الميراث الصوفي حول الوجود، ومن ثمّة شكّل البحر زورقاً لأجسادنا، نحن الذّين نحتاج إلى السّباحة داخل طبقات الفلسفة الزرقاء.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي