وماذا بعدُ؟.. معالمُ من عصر ما بعد الجائحة

2020-09-04 | منذ 9 شهر

ماذا عن عصر ما بعد الجائحة الكورونية الراهنة؟

 لطفية الدليمي*

ماذا عن عصر ما بعد الجائحة الكورونية الراهنة؟ ربما يكون هذا السؤال هو الأكثر أهمية في سلسلة الأسئلة الاستحواذية، التي يتفكّر بها علماء المستقبليات وراسمو السياسات الاستراتيجية على مستوى العالم بأكمله. سأترسّمُ في الحيثيات التالية بعضاُ من المشهديات أو القراءات الفكرية، لجملةٍ من الموضوعات التي تستوجب إلقاء الضوء عليها لأهميتها في توصيف عصر ما بعد الجائحة :

1ـ نهاية عصر الأنثروبوسين والشروع ببواكير عصر النوفاسين :

ليست آثار ونتائج الجائحة الكورونية كلها موتاً ودماراً وخراباً وصوراً كئيبة؛ بل أن لها بعض الجوانب الإيجابية المحمودة، ومن أهمّها التسريع بتنفيذ بعض المشروعات، التي ظلّت رهينة التنفيذ المستقبلي بسبب نقص الجرأة والدافعية لتنفيذها. ستشهد السنوات القليلة المقبلة الخطوات الأولى لولوج حقبة الأنسنة الانتقالية التي ستأذن بنهاية عصر الأنثروبوسين Anthropocene (وهو عصر صارت فيه السلوكيات البشرية ذات مفاعيل – إيجابية وسلبية – مؤثرة في الطبيعة). ومقدم عصر النوفاسين Novacene وهو عصر الذكاء الفائق الذي سيغدو فيه الإنسان البيولوجي مدعماً بالوسائط الميكانيكية والإلكترونية، وفقاً لتعريف عالم المستقبليات الأمريكي جيمس لفلوك.

 2 ـ صعود العلم وانكفاء السياسة:

سيتيحُ انكفاء الجائحة الكورونية إمكانية غير مسبوقة في إعلاء شأن العلم، باعتباره ممارسة بشرية ذات وجهين: وجه براغماتي يسعى لتحسين حياة الإنسان على الأرض، وإمداده بالوسائل العملية القادرة على مضاعفة قدراته وسعادته، ووجه أخلاقي يقوم على إعلاء النزاهة والبحث الدؤوب، واعتماد النزعة الشكوكية في مقاربة المعضلات الوجودية، وعدم الارتكان لوجهة نظر واحدة أو رؤية محددة.

كلنا نعرف أن السياسيين مقامرون بصيغة أو بأخرى: هم يفضّلون النتائج السريعة التي يجتنون منها مكسباً على الجهود طويلة الأجل، التي تتطلّب تضحيات بالمواقف الآنية، وقد أبانت الجائحة الكورونية أنّ هذه البراغماتية السياسية البشعة، التي ولو كنّا ارتضيناها من قبل على مضض، فلن يكون مقبولاً الإبقاء عليها في مقبلات الأيام. من جانب آخر لابد لنا من إشاعة الاهتمام بالعلم والسياسات العلمية على أوسع نطاق، بعد أن أثبت العلم أنه مقاربتنا الوحيدة للتعامل المعقلن مع الطبيعة والكشف عن القوانين الحاكمة لعالمنا الفيزيائي، وسيتبع هذا الاهتمام غير المسبوق نكوص الأصوليات (الدينية والأيديولوجية) التي تعتمد اليقين مقابل الفكر الشكوكي، الذي يسمُ الفكر العلمي، وقد عبّر بروفيسور الفيزياء النظرية جم الخليلي، عن هذه الحقيقة بطريقة رائعة عندما كتب في مقالة حديثة له بعنوان «شكّ العلماء ويقين السياسيين» نشرها في صحيفة «الغارديان» البريطانية: «لم يكن هناك في يومٍ ما هو أكثر أهمية من إشاعة الفهم الخاص بكيفية عمل العلم: في السياسة يُنظرُ إلى الاعتراف بارتكاب خطأ ما على أنّه شكل من أشكال الضعف والوهن؛ في حين أنّ الأمر معاكسٌ لهذا تماماً في العلم، حيث يكون ارتكاب الأخطاء حجر الزاوية في المعرفة. إنّ استبدال النظريات والفرضيات القديمة بأخرى أكثر حداثة ودقّة، هو أمرٌ يتيحُ لنا اكتساب فهمٍ أعمق للمادة العلمية موضوع البحث، وفي الوقت ذاته نحنُ (أي العلماء) نطوّرُ نماذجنا الرياضياتية، ونشكّلُ تخميناتنا تأسيساً على البيانات والشواهد المتوفّرة لنا. بقدر ما يختصُّ الأمر بشيء جديد على شاكلة فيروس الجائحة الكورونية، فقد شرعنا من خط بداية واطئ من المعرفة، وكلما راكمنا المزيد من البيانات الجديدة، فإنّ نماذجنا وتخميناتنا ستستمرُّ في التطوّر والتحسّن» ثم يختتم مقالته بالعبارات المشرقة التالية: «إذا كنّا نتطلّعُ بحقّ لتجاوز معضلة الجائحة الفيروسية الراهنة، فيتوجّبُ علينا جميعاً أن نمتلك فهماً أساسياً للكيفية التي يعمل بها العلم، فضلاً عن امتلاك القدرة على الإفصاح بأننا (وفي خضمّ أزمة كبيرة مثل الجائحة الحالية) إذا ما أبدينا شكوكنا (إزاء نظرياتنا وسلوكياتنا العلمية الراهنة) عوضاً عن التظاهر باليقين، فإنّ هذا الأمر هو مصدر قوة لنا».

 

لا يمكننا نكران حقيقة أنّ الجائحة الكورونية انطوت على الكثير من التضحيات البشرية والخسائر المادية؛ لكنها تذكرة لنا بضرورة اعتماد سياسات تشاركية أوسع على الصعيد العالمي بدلاً من تكريس حالة القطائع الأيديولوجية والسياسات الأنانية الضيقة.

 3 ـ خدعة هشاشتنا البشرية :

لعلّ عبارة (الهشاشة البشرية) هي أكثر العبارات التي تشيع في ظروف المعضلات الوجودية الكبرى، ويعمد المنافحون عنها إلى وضعها في سياق لاهوتي يشي بالمقدرة الكونية الفائقة والساحقة إزاء القدرة البشرية، وبما يؤكّد ضآلة الكائن البشري وتفاهته، وعدم تفكّره في هذه الحقيقة، إلا عند الجائحات التي تقرّبه من حقيقة موته المحتّم، وممّا يفاقم من حدّة هذه الهشاشة المزعومة الترديد الببغاوي لأسئلة من نمط: كيف يمكن لفيروس لا يرى بالعين المجرّدة أن يقتل إنساناً مدججاً بكلّ القدرات العلمية والتقنية الهائلة؟ واضحٌ أنّ من يطرحُ أسئلة بهذه الصياغات القصدية الملغّمة، إنما يمرّرُ فكرة مضمرة قوامها فكرة العقاب الأبدي الذي يستحقه الكائن البشري.

ليست الهشاشة البشرية عيباً أو منقصة: قد يشعر الإنسان بهشاشته في مواقف وجودية بعينها، وهو يواجه حقائق الموت والشيخوخة والمرض والعجز وفراق من يحب، إلخ غير أن هذا لا يلغي القدرات العظيمة المخبوءة في روح الإنسان، التي تتحفّز على نحوٍ غير مسبوقٍ متى ما استشعرت عوامل الخطر؛ وعليه فإنّ المنافحين عن فكرة الهشاشة البشرية، ليسوا سوى كائنات تتلذذ برؤية الإنسان محطّماً كسير الجناح، لتمرير أجنداتها التي تنشد مراكمة المكاسب على حساب معاناة البشر وموتهم، وتهشيم روح العنفوان والابتكار لديهم.

 4 ـ نكوص الفكر الرغائبي والسرديات الكبرى :

 تشيع في أيامنا الموبوءة بالجائحة الكورونية أفكار لا تعدو أن تكون تمثلات لفكر رغائبي Wishful Thinking يشيعه بعض أقطاب الفكر العالمي، تشومسكي مثالاً: انهيار الإمبراطورية الأمريكية، تصدّع التكتلات الكبيرة (الاتحاد الأوربي على سبيل المثال) وإعادة إحياء الدولة القومية المدعمة بصبغة دينية (على شاكلة الاتحاد الروسي) صعود الإمبراطورية الصينية كقطب أوحد بديل للقطب الأمريكي، إلخ. قد يحصل شيء من هذا في السنوات أو العقود القليلة المقبلة؛ لكنه لن يتخذ سمة السردية الكبرى (على شاكلة نهاية التأريخ) بقدر ما سيكون انعطافة هادئة تمليها ضرورات براغماتية لا أيديولوجية. الفكر الرغائبي والتمسّك بالسرديات الكبرى الجامعة المانعة ليس سوى خصيصة لصيقة بالعقل العاجز عن الفعل المشهود على الأرض.

5 ـ إعادة هيكلة التعليم والسياسات التعليمية:

من المتوقع أن هذا يكون التغيير الجذري الذي سيطالُ التعليم في السنوات القليلة المقبلة، هو المَعْلَمُ الأعظم الذي سيسودُ حياتنا في عصر ما بعد الجائحة الكورونية، وسيمثّلُ هذا التغيير بداية سلسلة ممتدة من التطويرات الثورية على جميع الأصعدة، وبخاصة في ميدان مغادرة المرجعية القائمة على الثنائية الأزلية (المعلّم/ المتعلّم) لصالح منظومات تعليمية يكون فيها المتعلّم مرجعية لذاته، يعرفُ متطلباته وكيفية التعامل معها، بطريقة كفوءة تختصر الكثير من الوقت والجهد والمال والموارد البشرية. أصبحت البرامج التعليمية الرقمية المجانية في السنوات الأخيرة معْلَماً أساسياً من معالم التعليم في عصرنا الحديث؛ فثمة برامج مهمة أذكر منها برنامجين مميزين هما الأكثر فرادة بين برامج التعليم الرقمي، من حيث مفردات البرامج والمنصات التفاعلية، والجهات الأكاديمية التي تدير هذه البرامج: البرنامج الأول هو ( Edx ) الذي يديره معهد ماساتشوستس التقني MIT وجامعة هارفارد، والبرنامج الثاني فهو Coursera الذي تديره جامعة ستانفورد إلى جانب جامعات عالمية مشهود لها بالرصانة العلمية. تُنشر بين حين وآخر تقارير إحصائية لبيان أعداد المستفيدين من هذه البرامج التعليمية، ويُلاحظ أن الصينيين والهنود وبعض أبناء جنوب شرق آسيا يأتون في طليعة المستفيدين من هذه البرامج الدراسية، وبخاصة في موضوعات الرياضيات والفيزياء والبرمجة الحاسوبية ولغات البرمجة وتعلّم اللغات الأجنبية (خاصة الإنكليزية)؛ الأمر الذي يكشف أن هؤلاء يعدّون العدّة منذ وقت مبكر في حياتهم، لترسيم صورة المستقبل الذي يريدونه لأنفسهم، وبخطوات محسوبة بدقة ووعي، وفي العادة يرى هؤلاء في تلك البرامج الدراسية كنزاً ثميناً عليهم الاستفادة منه إلى أبعد الحدود الممكنة، وليس غريباً أن نقرأ بصورة دورية عن شباب آسيويين يافعين في حدود العاشرة من أعمارهم – أو أكثر بقليل – وقد أكملوا برامج دراسية علمية وتقنية تكفي للحصول على درجة البكالوريوس بتفوق، وربما حتى الماجستير في أحيان أخرى.

 6 ـ الثقافة البيئية ستكون عنصراً جوهرياً في رسم السياسات العامة:

 قد يسمع الكثيرون – وهم غير مكترثين – بمفردات من قبيل: الاحترار العالمي، ارتفاع نسبة ثاني أوكسيد الكربون في الجوّ، ظاهرة غازات الدفيئة، ظاهرة النينيو، إلخ، ولا يكاد يرفّ لهم جفن، والحقّ أن تقصيراً معيباً يسمُ سلوكيات الأفراد إزاء هذه الظواهر، فضلاً عن ثقافتهم العامة في الموضوعات البيئية؛ إذ على الرغم من كثرة المواد الإخبارية والإعلامية بشأن التغيّرات المناخية الشاذة، فلا يبدو ثمة بديل عن جهد فرديّ مواظب لمعرفة أدقّ تفاصيل هذه الظواهر ومساءلة الوسائل التي تمكن الفرد من المساهمة في تقليل آثارها المهلكة، والفعل الجاد – كما نعلم- يأتي لاحقا للمعرفة الرصينة بكلّ أبعاد الموضوع، وإلى حد معقول بالنسبة للمواطنين من غير المتخصصين.

قد يظن البعض بأنّ ظواهر غريبة مثل هذه تستلزم جهودا عالمية وقدرات حكومية ضخمة، ولن يكون دور الأفراد مؤثّرا فيها؛ غير أن هذا خطأ كبير يُراد منه التعتيم على دور الأفراد، وعلينا ألاّ ننسى التأثير الجمعي للكتلة البشرية التي تتجاوز السبعة مليارات نسمة، أما ماذا يسع الفرد أن يفعل في هذا الشأن، فذاك موضوع قراءة اختصاصية، ولكن لا بأس من ذكر القليل المؤثر منها: ضبط استهلاك المياه، تقليل استخدام المحروقات العضوية، المساهمة في زيادة رقعة المساحات الخضراء، ترشيد استهلاك الطاقة الكهربائية، إلخ.

لم يعد الخوض في الموضوع البيئي ترفا، خاصة في أعقاب الجائحة الكورونية؛ فقد تنبّهت أغلب البلدان – المتقدمة والتي في طور الارتقاء – إلى خطورة هذه الظاهرة التي ستؤثر على مجمل السياسات العالمية في السنوات القليلة المقبلة، وبلغ الأمر حدّ اعتماد ما يسمّى (الثقافة البيئية) التي تعدّ اليوم فرعاً حيويّاً ضمن السياسات الثقافية، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل بلغ حدوداً أكبر تتغلغل في معظم المفاصل الحياتية للمجتمع، وأذكر، على سبيل المثال، أنّ نوعاً أدبياً روائياًأصبح يدعى الرواية البيئية، نال حظوة كبيرة في السنوات الماضية وظهرت روايات كثيرة جعلت البيئة ثيمة رئيسية لها، هذا فضلاً عن الاهتمام التعليمي منذ المراحل المبكرة بتعليم الموضوعات البيئية، بسبب المعرفة الاستباقية بخطورة الموضوع وجوهريته لبقاء الجنس البشري واستدامة عناصر ديمومته الحيوية.

نحن على أعتاب كارثة بيئية خطيرة ومدمرة ستتفاقم مفاعيلها في السنوات القليلة المقبلة، وما لم نحشّد كلّ الجهود الفردية والحكومية لمواجهتها، فسنكون بمواجهة مشهد قيامي مريع في القرن الحادي والعشرين.

 7 ـ مستقبلنا البشري يعتمدُ على سياسات إنسانية تشاركية بدلاً من سياسات القطائع الأيديولوجية والاقتصادية:

لا يمكننا نكران حقيقة أنّ الجائحة الكورونية انطوت على الكثير من التضحيات البشرية والخسائر المادية؛ لكنها تذكرة لنا بضرورة اعتماد سياسات تشاركية أوسع على الصعيد العالمي بدلاً من تكريس حالة القطائع الأيديولوجية والسياسات الأنانية الضيقة. كلنا بشر نستوطن كوكباً ليس سوى (نقطة زرقاء شاحبة) في الفضاء الكوني الشاسع، حسب توصيف كارل ساغان، وعلينا تقع مهمة حمايته وتوريثه بصورة مقبولة للأجيال اللاحقة. لنُصغِ ملياً إلى هذه الكلمات النبوئية المليئة بالحكمة المعتّقة وهي تردُ على لسان أحد حكماء (غوروهات) القرن العشرين، بيتر مدوّر Peter Medawar : «الأجراس التي تقرعها البشرية هي في معظمها مثلُ الأجراس المعلّقة في رقاب الماشية التي ترعى على مقربة من سفوح جبال الألب؛ فهي معلّقةٌ في رقابنا نحنُ سكّان هذا الكوكب، وسيكون بالضرورة خطأنا غير المغتفر، إذا ما أطلقت تلك الأجراس أصواتاً ناشزة لا تبعث على البهجة».

 

  • كاتبة وروائية ومترجمة عراقية مقيمة في الأردن

 

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي