كورونا.. هل هي نهاية العولمة الليبرالية وعودة الحدود بقوة؟

2020-07-02 | منذ 12 شهر

محمود عبد الغني 

بعد مرور بضعة أيام على الحجر الصحّي الذي دخله سُكّان الكرة الأرضية، وبطريقة داّلة جدًّا، بدأ العديد من مثقفي الكوكب في تفسير صورة العالم بعد أزمة "كوفيد-19". رأى البعض أن هذه الأزمة تجسّد نهاية العولمة الليبرالية وعودة الحدود بقوّة، فيما رأى آخرون أنها تحقيق لنبوءة أصحاب نظرية انهيار حضارتنا، الذين بدؤوا يلقّنوننا كيف نتعلّم، وبعُجالة، عيش حياة محلّية داخل حدود صارمة، أكثر اعتدالًا، أكثر خضرة. وحسب فريق ثالث، فإن الأزمة هي إعلان عن انتصار النموذج الصيني على ضعف وفوضى الديمقراطيات الغربية المضغوطة بأزمة اقتصادية واجتماعية كامنة تزيد من تعب الزعماء السياسيين الشعبويين، وبذلك فهي تذكّرنا بـ"سرير بروكوست".

كل ردود الفعل هذه تكشف عن نزعاتنا الخاصة، أمام احتمالات حدوث اللّامتوقَّع، حتى لا نصبح مخدوعي التاريخ، رافضين بأن تحملنا الرياح حيث شاءت، محاولين رفع قطع الشطرنج أمام القدر حتى نحافظ على خطوة الاستباق. هكذا، عوض اتخاذ وضعية المتفرّج على الحاضر، بدأنا نبحث عن الهروب نحو المستقبل، بل محاولة إضفاء ألوان اليوتوبيا عليه.

كل هذه الانشغالات، حاولت المجلة الفرنسية "فلسفة" (العدد الأخير، مايو/ أيار- يونيو/ حزيران) تشريحها بالرجوع إلى ثلاثة فلاسفة هم: ميغل بنعسياغ، فيلسوف ومحلّل نفسي، متخصص في سبينوزا، الذي أجاب عن سؤال: ماذا تعلّمنا؟، وفرانسواز داستير، متخصصة في الفكر الألماني، التي تحدثت عن العيش كليا في الحاضر، وجوليان باجيني، وهو فيلسوف إنكليزي، تناول إشكالية العمل أقل، والعيش أفضل.

كورونا والطاعون الأسود

بالموازاة مع كل الانشغالات المشار إليها، ظهر فريق من المفكّرين قارنوا وباء كوفيد-19 بالتجارب المأساوية في الماضي. فظهرت دراسات ومقالات كثيرة تناولت الطاعون الأسود، الإنفلونزا الإسبانية أو زكام هونغ كونغ. والبعض الآخر رسم خطًّا موازيًا قابلًا للنقاش، هو الحرب العالمية الثانية. وبذلك لم يظهر فقط الوزير الأول البريطاني بوريس جونسون وهو مصاب، في مظهر وينستون تشرشل، دون أن تكون له نفس الجلالة، بل إن هذا الوباء فرض الحجر على ما يقرب أربعة مليارات كائن إنساني، فكان هو أول حدث عالمي حقيقي منذ سنة 1945؛ فعمل على الحدّ من الرفاه المادي، ذلك الجهد الذي بذلته الإنسانية منذ التحرير الليبرالي، مرورًا بسقوط جدار برلين وعولمة النموذج الرأسمالي. فلأول مرة، منذ الانتصار على النازية، تظهر هشاشتنا، لكن أيضًا صلابة قيمنا.

الحاضر والحدث يفتحان ثغرة في الزمن

ما لم يقله أي أحد تقريبًا هو حقيقة أن يهزمنا الحدث، مما لزم وعيًا حادًّا به، و"تحديدًا للحظة الحاضرة"، حسب نصيحة الفيلسوف الروماني العظيم مارك أوريل (121-180). إن لهذه النصيحة بعدًا عقليًا ووجوديًا. وحين نعيد قراءة نصوص حنا أرندت التي خصصتها للتاريخ، نعثر على إشارة سياسية أساسية. كتبت في "أزمة الثقافة" (1961): "لا تتحول الأزمة إلى كارثة، إلا حين نجيب عنها بأسئلة جاهزة، أي بالأحكام الجاهزة. إن تصرفًا شبيها مثل هذا لا يجعل الأزمة حادّة جدًا فقط، بل أيضًا يجعلنا نمرّ جنب هذه التجربة الواقعية وفرصة التأمل في نتائجها". وتحذّرنا أرندت من كون الحاضر والحدث يفتحان "ثغرة في الزمن". وهذه الثغرة مزعجة جدًّا. فهي تتطلّب منا مجهودًا قلّما نرضى به: أن نعمل على تشغيل فكرنا، والانطلاق في رحلة البحث عن معنى غير موجود، ولن يكون بالبساطة التي نتصوّر. إنها جملة رائعة مقتبسة من "مذكرات فكر" لـ ح. أرندت تعود إلى شهر يونيو/ حزيران 1951. وتعطينا أيضا إشارة أخرى ثمينة: "نبع الحرية التي تتمظهر من خلال العفوية- إمكانية بدء السلسلة انطلاقًا من ذواتنا- هو الحدث".

حنّة أرندت 

إن ذكريات الماضي تثقل كاهلنا، وتغوينا مفاهيم اليوتوبيات والديستوبيات الخاصة بالمستقبل، ووحده الحدث الحاضر يجعلنا أحرارًا. لذلك، لنحاول استقبال الحدث، والاستقرار داخل ثغرته، وأن نفهم تدريجيًا ما ينتظره منّا. هذا هو الهدف الذي تروم هيئة تحرير مجلة "فلسفة" الوصول إليه من خلال الملف المخصص لجائحة "كوفيد-19".

وذلك وعيًا منها بكون هذه الأزمة ليست عابرة، بل ستخلّف وراءها آثارًا طويلة الأمد، لكننا لا نستطيع التنبؤ بها أكثر من القول إن شكل الوردة كامن داخل البذرة، وإن مسلسل الإنبات طويل جدًّا ومشوّش. لنأخذ مثالين اثنين. ففي ملف العادات والتقاليد، تؤكّد المجلة، أنه من المحتمل في السنوات القادمة أن تكثر الزيجات والمعاشرات، لأن العازبين عاشوا الحجر بطريقة سيئة جدًا. لكن يمكن تصور العكس أيضًا، فربما نزعة نزوية ما بعد الجائحة تنتج تحرّرًا عاطفيًا وجنسيًا جديدًا.

وعلى مستوى الاقتصاد، تصبح الدول أكثر استعدادًا للتدخّل. يمكن للدولة الراعية أن تعود إلى وضع مخططات للانطلاق، وإلى سياسة صحية أكثر طموحًا. هذه التدخلية يمكن أن تفرض عودة تمركز الأنشطة الضرورية للحياة، وإعادة تأهيل المخازن (أدوية، مواد غذائية...). لكن يمكن أيضًا أن يحدث العكس، فيتقوّى النموذج الليبرالي على صندوق للأزمة العميقة، والاستدانة، وصعود مرضي للبطالة وتقييم العملات. وفي الحقيقة، لسنا سوى في بداية سيرورة تاريخية، وتبقى الخلاصات النهائية غير متوفرة.

الأنا، الآخر وكوكب الأرض

ونحن في قلب الثغرة، اعتقدنا أننا أمسكنا بثلاثة أبعاد في التجربة الحالية التي أردنا استثمارها. أولا، هذه التجربة أرغمتنا على استبطان أنفسنا ومساءلتها، كل واحد على حدة، حول القيم التي تقود حياتنا، وهكذا فقد دلّتنا على الجوهري فينا. بعد ذلك، جعلتنا نعي الاعتماد المتبادل الذي في أعماقنا، وأن العاملين عن بعد لا ينعمون برفاهيتهم إلا بفضل العاملين في قطاع الصحة والسلسلة اللوجيستيكية. كما أن العلاقات العائلية أصبحت مهمة جدًّا.

أما العلاقة بين الإنسان والحيوان والفيروسات فأصبحت بديهية. وفي الأخير، لقد دفعتنا إلى التفكير داخل إطار أوسع. لذلك أكّدت هيئة تحرير مجلة "فلسفة" أمام قراء هذا الملف الخاص بـ"كوفيد-19" ضرورة التفكير في مفهوم "صحة الكوكب"، الذي أصبح تيارًا طبيًا وعلميًا، ورغم محدودية انتشاره، فهو يعمل على التأكيد على علاقة الإنسان بمحيطه.

ميغل بنعسياغ: ماذا تعلمنا؟

يرى الفيلسوف والمحلل النفسي ميغل بنعسياغ الأرجنتيني (1953) أن بقاء الإنسان في بيته خوفًا من الوباء جعله يطرح سلسلة من الأسئلة العميقة، مرتبطة بالوحدة، الملل والمرض. وذلك ما جعل من "كوفيد-19" زلزالًا وجوديًا كبيرًا.  لهذه الأزمة وجهان، واحد عالمي، تاريخي، لكن أيضًا له طابع فردي. فكل واحد أسقط على هذه الكارثة وحوشه الخاصة. فمع الانغلاق، تنهار بنيتنا وتتفكّك. فجأة، نحن أمام أنفسنا كما لو في كاريكاتير للأبواب المغلقة.

فبالنسبة للذي يعيش مع الآخرين، الجحيم هو الآخر؛ أما الذي يعيش وحيدًا، فالجحيم هو نفسه ذاتها. كان من الضروري القيام بهذا الحجر، من أجل العيش بهدوء مع النفس، بالمعنى الذي يجعلنا ننام جميعًا ونحن مطمئنّون. يذكرنا سيغموند فرويد بأنه خلال الحرب لا وجود للعُصاب، لأنه فجأة، وبشكل عاجل، تصبح الوضعية مزدوجة.

كل الناس يعرفون أين يوجد الأعلى، وأين يوجد الأسفل. ولن يُطرح السؤال أبدًا. لكن ينبغي البقاء في اليقظة، وتذكّر بأن الحياة الفردية والحياة الاجتماعية هما وجهان لعملة واحدة. نحن كائنات الارتباط، تمّ وضعها داخل إقليم، فتلاحمت في عالم مشترك. كتب جيل دولوز أن الأفراد هم جزر في البحر، لكن الجزر هي ثنايا البحر.

لكن تجربة المشترك هذه هي أيضًا تجربة الهشاشة. والهشاشة ليست هي الضعف. أن تكون قويًا أو ضعيفًا هي إشكالية الأفراد المعزولين. وأعطى ميغل. ب مثالًا عنه كأب، مثلًا، فهو مرتبط حُلوليًا ببناته. وحياته متعلقة بما يحدث لهنّ. وهذه الرابطة تتطلب منه استيعاب هشاشة تضاعف من وجوده. كما أنه كان سجينا في الماضي في الأرجنتين خلال الحكم الديكتاتوري. في السجن تشكّلت ثلاث مجموعات: مجموعة المنكسرين، المقوّضين؛ ومجموعة المتعصبين، الذي كانوا يعرفون إلى أين يتّجه التاريخ؛ ثم أخيرًا مجموعة لا شكل لها، تتكوّن من كل الذين يستوعبون الحياة في السجن بعدم يقين مطلق. ولا أحد كان يعلم من سيخرج، ولا متى.

ما الذي حدث؟ لقد قرروا جميعًا دراسة الوضع، أضاف قائلًا. لم يكن الأمر انشغالًا بشيء ما. بل تعلّق بالتفكير في الممكن في الوضعية، أن نجبر أنفسنا على فعل معين لصناعة هيكل خارجي بواسطة تمرين عقلي وجسدي في نفس الآن. هذا الهيكل الخارجي، هذه القشرة الصلبة، ضمنت لنا تشكيل بنية، وحدة نفسية وجسدية في الوقت الذي كان فيه يومنا ومحيطنا يتشظّى.

فرانسواز داستير: نحن الموتى

بالنسبة للفيلسوفة والمترجمة الفرنسية فرانسواز داستير، المتخصصة في الفكر الألماني، فإن جائحة "كوفيد-19" أعادت إلى دائرة السؤال مسألة العولمة. ونصحت، في هذا السياق، بإعادة قراءة العمل الأساسي "الإنسان المتعدّد الأبعاد" لهربرت ماركوز، الذي ظهر في ستينيات القرن الماضي. وماركوز هو تلميذ سابق لهايدغر. وقد انتقد فيه تقليص إنسانيتنا إلى مرجع واحد "البعد الواحد"، الذي هو نتاج للصناعة الليبرالية: المستهلك الواحد ونموذج الحياة المنمّطة. لقد بشّرتنا حضارتنا بسياحة الكتلة، وبجعل الثقافات فولكلورًا واحدًا، وبترفيه منسجم (قادم أساسًا من الولايات المتحدة)، أو بـ"الغلوبيش" (نسخة مبسطة من الأنجلو أميركية) عوض التنوع اللغوي. في حين أنه مع ثقافة الترفيه هذه، نحاول الهروب من الهموم العميقة التي يمكن أن تشغلنا: والتي هي الوعي بما هو أساسي واقعيا بالنسبة للموتى الذين هم نحن.

لقد أرسلنا الحجر إلى أنفسنا، تضيف ف. داستير، ودعانا إلى قياس امتداد الزمن، واختبار ذواتنا حول طبيعة العلاقة بمحيطنا السريع، والعيش فعلا في الحاضر، لأن الحاضر هو ذلك البعد الجوهري الذي يحتوي كل الماضي ويتوقّع المستقبل. هذا ما سماه مفكّر الزمن هوسرل: "الحاضر الحي"، ليفصله عن "الحاضر الميت" الذي يُختصر في تلك الذرة التي هي اللحظة المقطعة تجريديًا على خط الزمن. العيش كليًا في اللحظة، يعني الانفتاح على الوضعية التي نوجد فيها في العالم والتكفل بها بشجاعة، كما يشير إلى ذلك هايدغر، الذي يرى أن الكائن البشري هو بالأساس كائن موجود من أجل "الموت"، أي يتوجّه نحو حتفه. وبذلك هو يدعو الناس إلى أن يصبحوا موتى. وذلك لا يعني فقط مواجهة الموت في الحاضر، بل النظر إليه باعتباره نقصًا: قاعدة الوجود الإنساني. وتنهي داستير رأيها بالقول: "الخوف من الموت لا يقارن أبدًا بسعادة العيش".

جوليان باجّيني: عملٌ أقل، حياة أفضل

اختار الفيلسوف الإنكليزي جوليان باجّيني الحديث من زاوية تجربة شخصية مرّ بها قبل انتشار الفيروس، إذ أصيب بالتهاب رئوي حاد، اضطرّ الأطباء إلى الاحتفاظ به مدّة ستة أيام بالمستشفى، محاطًا بالعناية اللازمة. وقد كانت تلك التجربة محطّة للوقوف على مسار حياته بالكامل. وذلك معناه الإقامة مع الموت عن طريق تجربة الفكر. مع المرض، يضيف ج. باجّيني، استوعب أن عليه العمل أقل للعيش أفضل. لذلك فالعديد من الفلاسفة يؤكّدون أن "التفكير الفلسفي يعني تعلّم الموت". وأضاف أن مونتاني يفسّر بأنه لا يجب تبذير الحياة باعتبارات مرضية، وإذًا، علينا "الاستعداد ضد الاستعدادات للموت".



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي