الفيلم التسجيلي «الألفاط»… الإبداع المهني في صناعة مراكب الصيد البدائية

2020-06-04 | منذ 1 شهر

كمال القاضي *

خلال 12 دقيقة فقط هي مدة الفيلم التسجيلي «الألفاط « تتحدد ملامح الإبداع الصناعي والفني لواحدة من الصناعات الأساسية في المدن الساحلية، و»الألفاط» هي كلمة دارجة تُستخدم لتعريف التخصص الأكثر دقة في الصناعة اليدوية لمراكب الصيد، وتعني ملء الفراغات بين الألواح الخشبية المصنوع منها جسم المركب، وهي تخصص يتطلب مهارة في إتمام العملية الصناعية بنجاح لتجنب احتمال الخطأ، كي لا يتسبب ذلك في غرق المركب وفشله في القيام بمهمته.
يبدأ كاتب السيناريو والمخرج حلمي ياسين فيلمه بإطلالة من عدسة الكاميرا على شاطئ البحر، في محاولة لاستعراض الأجواء والطقوس المعتادة للمراكب والصيادين، مُعززاً الإحساس الفني بأغنية من التراث الشعبي للمطربة سمية المخزنجي والكورال النسائي المتميز، تدل على قيمة الصيد والصيادين، وتاريخ الصناعة القديمة التي توشك على الانقراض، وتأبى إلا أن تترك آثارها للأجيال ليعرفوا تاريخ بيئتهم وحرفتهم.
في المشاهد الأولى تطالعنا الصورة السينمائية بمجموعة من العمال والفنيين، يتوسطهم شيخ المهنة الريس نصر المغلاوي، وهو يُعطي توجيهاته لهم ويمنحهم من خبرات العُمر والسنين ما يؤهلهم لإنجاز مهامهم باقتدار، فغاية ما ينشده الشيخ العجوز هو المحافظة على الطابع الصناعي اليدوي، بما يحمله من بصمات الإبداع الاستثنائي والتاريخي لحرفة عمرها يربو على المئة عام، وهي الحرفة المتوارثة عن الآباء والأجداد، التي يعتبر المغلاوي نفسه حارساً أميناً عليها.
وفي تداخل منطقي بين الصورة الدالة على الحالة والبعد الزمني، يأخذنا المخرج عبر رحلة الكاميرا وطوافها إلى التفاصيل، فنرى آيات من الإبداع الصناعي الحقيقي تكمن في إمكانية تطويع الألواح الخشبية لتشكيل جسم المركب وبنيانه المُحكم المتين، ونتعرف على ما يغوص منه تحت الماء وما يطفو فوق السطح، وفق مُعطيات الطبيعة وشروط الصناعة التي تتطلب خامات معينة، تختلف في نوعياتها ومصادرها، فضلاً عن الفروق الجوهرية بين مُقدمة المركب، التي تشبه القفص الصدري، وبقية الأجزاء الجانبية والخلفية، وتلك تخضع بحكم الصنعة لهندسة معمارية من نوع خاص تعود مرجعيتها إلى أهل الخبرة من الصُناع المهرة.
وفي إلماح مهم للدور المهني والفني الدقيق، تنتقل الصورة بشكل مركز بمصاحبة الموسيقى التصويرية، لترصد سراً من أسرار الحرفة وتبعاتها، فنرى العامل المُدرب مُمسكاً بالأزميل، أو ما شابه، وقد انكفأ على جسم المركب، ليُثبت القطع الخشبية الصغيرة في قلب الفراغات، مدللاً على وظيفة «الألفاط» بشكل عملي، فهي بمثابة الحشو اللازم لضمان عدم تسرب المياه إلى الداخل، قبل طلائها بمادة لاصقة مخصصة لهذا الغرض.


أما السر فهو الفقدان التدريجي لحاسة السمع، لمن ينذر نفسه لهذا التخصص النادر، وهو وجه المشقة والتضحية في تلك العملية الضرورية والمهمة للغاية، التي لا تستقيم من دونها وظائف المركب، ولهذا فهي المرحلة الأصعب في مسألة التصنيع بالكامل.
وتنبئنا الأحداث المتوالية والمُكثفة بحسب رؤية حلمي ياسين، كاتباً ومخرجاً، وما يعرضه بطل الفيلم في ملحمة التصنيع الكبرى، شيخ مشايخ الصناعة الريس نصر المغلاوي، بما يضيف إلى الثقافة الجمعية من معارف ومعلومات نوعية في التخصص الأهم، حيث يشير الرجل إلى متلازمات المهنة، من لغة خاصة متداولة بين العمال والصُناع والفنيين، تشبه الشيفرة حتى لا يطلع الغرباء على مفردات قاموسهم الخاص، فهناك تعريفات للأشياء والأشخاص والصفات يرمزون بها، فتدل على مقاصدهم بدون أن يفهمها غيرهم، وتتضمن الشيفرة الكثير من مفردات المدح والذم، وغالباً ما تتم صياغتها في قوالب فكاهية للتندر والتسلية، وأحياناً للتنبيه والتوعية.
وقبل نهاية الرؤية الفنية للأحداث والأحاديث المتصلة بصناعة المراكب البدائية تتجلى صورة هي الأجمل، من حيث الشكل والمضمون، إذ تنتهي أعمال التشييد والتصنيع، وتبدأ الأيادي المُبدعة في زخرفة الجسم الخشبي من الخارج بألوان زاهية مُبهجة تبعث على التفاؤل والاستبشار بمستقبل واعد ورزق وفير من الثروة السمكية المأمولة، لتبدأ بعد ذلك الطقوس الاحتفالية لتعويم المركب والدفع به في عرض البحر كنقطة انطلاق لرحلة الحياة القاسية مع الأمواج والرياح والأعاصير، في اختبار حقيقي للقدرة على المواجهة وتحديد العمر الافتراضي في معركة الوجود.

٭ كاتب من مصر



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق






شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي