غير صلاح الدين.. قادة مسلمون قضوا على الصليبيين في العالم الإسلامي

2020-05-18 | منذ 2 أسبوع

من المشهور لدينا في العالم العربي أن القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي هو صاحب أكبر إنجاز ضخم في تاريخ الحروب الصليبية على المشرق الإسلامي، إذ إنه هزم الصليبيين وطردهم من بيت المقدس. لكنّ الحروب الصليبية لم تنتهِ عند صلاح الدين الأيوبي، بل استمرت مدة 100 عام من بعده، وظهر فيها سلاطين وقادة مسلمون آخرون حققوا انتصاراتٍ كبيرة، ربما لا تقل عن تلك التي حققها صلاح الدين.

حفيد صلاح الدين.. الناصر داود يحرر القدس بعدما سلمها عمّه

كان المشهد بعد وفاة صلاح الدين الأيوبي هو الصراع بين ورثة البيت الأيوبي إلى أن استطاع الملك العادل السيطرة على الحكم من أبناء أخيه صلاح الدين، ثمّ قسّم لاحقاً مناطق ملكه بين أبنائه، الذين حدثت بينهم خلافات كبيرة لاحقاً، ولم يتفقوا سوى مرة واحدة، وهي أثناء الحملة الصليبية الخامسة التي فشلت، بفعل تكاتفهم معاً.

ولكن بعد انتهاء الحملة الصليبية الخامسة عادت الانقسامات العميقة بين الإخوة الأيوبيين التي كان من شأنها إضعاف الدولة، وتمهد الطريق لعودة الصليبيين إلى القدس، خاصةً بعد أن لجأ كل منهم إلى قوى خارجية، فقد لجأ الملك المعظم عيسى إلى الجند الخوارزمية للتغلب على أخويه، ولجأ السلطان الكامل إلى الصليبيين والإمبراطور فريدريك الثاني، لمواجهة تهديد أخيه المعظم والخوارزمية، مقابل أن يسلمه القدس.

سلم الملك الكامل بيت المقدس للصليبيين

وبالفعل، سلم الملك الكامل القدس إلى فريدريك الثاني عام 1229، عقب توقيعهما اتفاقية يافا التي تقضي بالصلح بين المسلمين والصليبيين مدة 10 سنوات، وما أن انتهت هذه الاتفاقية عام 1239، حتى أتى الناصر داود بن المعظم عيسى، ملك الأردن، وحاصر القدس مستغلاً انتهاء المعاهدة التي عقدها عمّه الكامل وحررها من الصليبيين.

أخطر ضربة للصليبيين بعد معركة حطين

تولى الصالح نجم الدين أيوب حكم مصر في عام 1240 بعد وفاة والده الملك الكامل الأيوبي سابق الذكر، واتسمت فترة حكمه بكثرة الاضطرابات وعوامل التهديد الداخلية والخارجية، وتتمثل التهديدات الداخلية في خلافاته مع العائلة الأيوبية، أما الخارجية فكانت من الصليبيين والمغول.

ومنذ أن تسلم حكم مصر، حرص الملك الصالح على شراء الجنود المماليك، لدرجة أنهم أصبحوا أحد أقوى كتائب الجيش السلطاني الأيوبي في مصر، وجعل لهم امتيازات كبيرة في الجيش، واعتمد عليهم في معاركه، كما تعامل مع جنود الخوارزميين المسلمين الذين فرّوا من بلادهم التي دمرتها جيوش المغول.

وفي عام 1240 نفسه، اشتعل خلاف بين الملك الصالح أيوب في مصر وعمّه ملك دمشق الصالح عماد الدين إسماعيل، الذي سلّم القدس مرةً أخرى للصليبين بعد أن طلب منهم أن يساندوه في محاربة الملك الصالح.

وفي عام 1244، تحرك جيش الملك الصالح مستعيناً بالخوارزميين، نحو بيت المقدس، واستطاع تحريرها من الصليبيين بشكلٍ كامل.

هنا اضطر الملك الصالح إلى طلب دعم الخوارزميين، الذين لبوا طلبه وأرسلوا له 10 آلاف جندي، ولكنهم كانوا يتسمون بالشراسة والتخريب أينما ذهبوا، وتوجهوا إلى القدس، وما أن وصلوها حتى فرّ الناصر داود ومعه قواته إلى الكرك، وكذلك الأمر بالنسبة للقوات الصليبية التي كانت ترابط في القدس، فأسرعت في الانسحاب منها، فحرروا القدس ولكن ألحقوا خراباً كبيراً بالمدينة.

وفي طريق العودة إلى مصر، وقعت معركة غزة عام 1244، بين جيش الصالح والصليبيين وحليفهم الأيوبي الصالح إسماعيل، وانتهت بهزيمة ساحقة لصالح الملك الصالح، ويقول الكاتب محسن صالح في كتابه "الطريق إلى القدس": "إن هذه المعركة هي أخطر ضربة تلقاها الصليبيون بعد معركة حطين، وتُعد من المعارك الفاصلة في تاريخ فلسطين؛ إذ ضَعُف الصليبيون بعدها، ولم يتمكنوا من التوسع، وسعوا إلى الاحتفاظ بما لديهم".

في مواجهة الحملة الصليبية السابعة

بعد هذه المعركة بخمسة أعوام، بالتحديد في سنة 1249، شن الصليبيون الحملة الصليبية السابعة بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا، الذي قرر مهاجمة مصر أولاً ثم الزحف منها لبيت المقدس. وقد حاول في الوقت نفسه، التقرُّب إلى التتار، خصوصاً أنّ هولاكو -قائد التتار- كان يميل للمسيحية بسبب زوجته المسيحية، وبعض قادة جيشه المسيحيين.

وصل الصليبيون إلى دمياط واحتلوها بلا عناء، وكما كان عرض والده على الصليبيين في الحملة الصليبية الخامسة؛ عرض الملك الصالح، الذي كان مرض السل ينهك جسده وقتها، على لويس التاسع أنه يسلمه القدس مقابل دمياط، لكنه رفض ذلك، وهنا قرر الملك الصالح المقاومة.

ويحكي لنا المؤلف اللبناني-الفرنسي أمين معلوف في كتابه "الحروب الصليبية كما رآها العرب"، أن الصالح طلب نقله بالنقالة للإشراف على جيشه في مدينة المنصورة، ولكن مات بعد وصوله بأيام، وهنا حدثت نقطة تحول في التاريخ الإسلامي، وظهرت شخصيات محورية لهذا التحول.

كانت زوجة الصالح أيوب شجرة الدر هي أولى الشخصيات التي برزت، وتمثَّل دورها القيادي في أنها حكمت مصر بعد وفاة زوجها الملك الصالح، وأشارت على قيادة الجيش المصري من المماليك بإخفاء خبر وفاة الملك حتى يعود ابنه توران شاه من العراق ليخلف والده ويقود المعركة.

وبرز أيضاً شخصيتان محوريتان في التاريخ الإسلامي سيكون لهما الدور الأبرز في العالم العربي الإسلامي لعدة سنوات قادمة، هما: المظفّر قطز، والظاهر بيبرس.

وقد برزا في هذه الأثناء بسبب دورهما العسكري في مقاومة الصليبيين، وأبلى جنود المماليك أداءً بطولياً في معركة المنصورة عام 1250، وحاصروا جيش الصليبيين من كل ناحية، وهزموهم هزيمة نكراء وأسروا الملك لويس التاسع، وبعدها أطلقوا سراحه بفديةٍ ضخمة.

تسارعت الأحداث بعد ذلك وقتل بيبرس توران شاه بعدما نشب خلافٌ ضخم بينه وبين المماليك، لينهي بذلك عصر الأيوبيين، ويبزغ نجم دولة المماليك في مصر والشام.

أصبحت شجرة الدر سلطانة مصر بعدما تزوّجت القائد المملوكي عز الدين أيبك، حتى جاء سيف الدين قطز عام 1259 ليصبح سلطاناً للمماليك في مصر، وينتصر بمشاركة بيبرس على جيش المغول في معركة عين جالوت الحاسمة عام 1260، وفي العام ذاته قتله بيبرس ليصبح هو السلطان الجديد.

بيبرس.. ملاحق الصليبيين الأول

حرص بيبرس خلال فترة حكمه الممتدة (17 عاماً) على القضاء على الصليبيين في منطقة الشرق، ففي عام 1263 هاجم مدينة الناصرة، ثم هاجم مدينة عكا الحصينة، لكنه لم يتمكن من فتحها، وتمكن عام 1265 من محاصرة مدينة قيسارية وفتحها رغم حصانتها المنيعة، ثم غادرها جنوباً إلى قلعة أرسوف البحرية وفتحها بعد أن هزم فرسان المعبد هناك، وأكمل فتوحاته في يافا ومدن الشمال.

وفي عام 1266، أرسل جيشه بقيادة قائده المحنّك قلاوون، ليلحقوا الهزيمة بالحليف الدائم لكل من الصليبيين والمغول، وهي مملكة أرمينيا الصغرى (جنوب الأناضول) قرب منطقة دراساك، وقام جيشه بتدمير مدن سيس وأضنه وطرسوس والمصيصة التابعة لمملكة أرمينيا، وحققوا انتصارات مهمة هناك.

وفي عام 1268، وجّه بيبرس جيوشه إلى إمارة أنطاكية وهي أقوى الإمارات الصليبية المتبقية بعد عكّا، والتي كانت متحالفةً مع التتار أيضاً، وحاصرها، وبحسب وصف معلوف: "فلم تصمد أكبر المدن الفرنجية التي وقفت بعناد في وجه جميع ملوك المسلمين مدة 170 عاماً أكثر من أربعة أيام".

بدأ بيبرس بمهاجمة البلاد المحيطة بها، واستولى على عدة قلاع تقع إلى الشمال منها، ثم وجه همّه نحوها بجيشه المؤلف من ثلاث فرق، استولت الفرقة الأولى منها على ميناء السويدية، لتقطع اتصال أنطاكيا بالبحر، ورابطت الفرقة الثانية في ممرات قيليقية لمنع وصول الإمدادات من أرمينيا الصغرى، ثم هاجم المدينة بالفرقة الثالثة، واستمرت الهجمات، ودام الحصار، حتى سقطت.

وفي عام 1270 حاول الصليبيون بقيادة لويس التاسع شن حملة صليبية ثامنة، رداً على ما قام به بيبرس ضد الصليبيين، وقرروا أن تبدأ حملتهم هذه المرة من تونس، وما أن وصلوا تونس حتى أصيب الكثير من الجيش بالأمراض والأوبئة، ومات لويس هناك وعادت الحملة، ولكن بيبرس توجه إلى حصن الأكراد الذي يسيطر عليه الصليبيين في حمص عام 1271، واستولى عليه، وهو الحصن الذي لم يستطع صلاح الدين السيطرة عليه سابقاً.

المنصور قلاوون.. تلميذ بيبرس على نهجه

بعد وفاة الظاهر بيبرس، وبعد تصاعد أحداث داخلية واضطرابات كثيرة، تولى السلطان المنصور قلاوون حكم المماليك وأكمل مسيرة أستاذه بيبرس في حربه مع الصليبيين، لكنه رأى في بادئ الأمر أن يهادن الصليبيين وفرسان المعبد المتواجدين في عكا الحصينة وطرابلس واللاذقية، لأنّ الخطر الحقيقي كان يتمثل في تهديد المغول، وما كان من الصليبيين إلا الوقوف في صف المغول.

انتصر قلاوون على المغول، وقرَّر المنصور أن ينتقم من الصليبيين وفرسان المعبد -الذين وقفوا في صف المغول- عام 1285، فهاجم حصن المرقب القريب من بانياس وفَتَحه، وكان فَتْحه خسارة كبرى للصليبيين لأنه كان أهم حصونهم، ثم أتبع ذلك بالاستيلاء على اللاذقية عام 1287، التي كانت آخر أملاك إمارة أنطاكية المتبقية للصليبيين.

بعد ذلك وجّه جيشه إلى طرابلس عام 1289 التي حصّنها الصليبيون بشكل متين، وحاصرها لما يزيد على شهر وهرب الكثير من الصليبيين عبر البحر، ووقع الكثير منهم في أسر السلطان الذي توجّه لفتح بيروت، وبهذا لم يبق بيد الصليبيين سوَى صور وصيدا وعتليت وعكا التي كانت مركز مملكة بيت المقدس بعد استرداد القدس للمسلمين.

الأشرف خليل بن قلاوون.. آخر معركة صليبية كبرى

وقَّع السلطان قلاوون مع ملك قبرص والقدس "الفخري" هنري الثاني في عكا اتفاقية هدنة لمدة 10 أعوام، تبدأ في عام 1289، وشجع وقتها المسلمين على استخدام عكا في مبادلاتهم التجارية مع الغرب، وبالفعل أصبح التجار والصيارفة الدمشقيون يتوافدون إلى المدينة بالمئات للإقامة في الخانات القريبة من الأسواق، ونشطت تجارتهم مع التجار البنادقة وصيارفة فرسان المعبد، كما توافد آلاف الفلاحون العرب من الجليل لتصدير بضاعتهم إلى الغرب.

استمر الوضع على هذا النحو حتى عام 1290، حتى وصل إلى ميناء عكا أسطول عسكري ضخم يحمل آلاف المقاتلين الصليبيين، جاؤوا على خلفية طلب رسمي من الملك هنري إلى روما، يطلب منهم إمداده بالجند ليثأر من المسلمين الذين فتحوا طرابلس.

وما أن وصل الصليبيون حتى بدأوا يعيثون في الأرض فساداً، ويذبحون المسلمين بل وحتى والمسيحيين المشارقة، فغضب السلطان المنصور وأقسم على ألا يُلقي سلاحه إلا بعد أن يطرد من البلاد آخر صليبي.

وانطلق جيش المماليك الضخم نحو عكا في نهاية عام 1290، بقيادة السلطان نفسه، لكنه توفي في اليوم التالي لإطلاق حملته، وتولى ابنه الأشرف خليل بن قلاوون قيادة الجيش، ووصل إلى عكا عام 1291 وخاض المسلمون معركةً شرسة هي آخر معركة كبيرة وحاسمة في الحروب الصليبية، سحق فيها جيش المسلمين الصليبيين وفرسان المعبد، وفرّ هنري الثاني ومن نجا إلى قبرص.

وتم فتح عكا بعد 100 عام من سيطرة ريتشارد قلب الأسد عليها وكانت عكا آخر معقل للصليبيين في أرض فلسطين، وبسبب ما حل بالصليبيين في عكا، أسرع الصليبيون في صيدا وبيروت وصور إلى إخلاء هذه المدن، وغادر جميع الصليبيين، وكانت هذه المعركة آخر مسمار في نعش تنظيم فرسان الهيكل الذي أرّق جيوش المسلمين خلال سنوات الحملات الصليبية.



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق






شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي