فيلسوف أميركي: نحتاج لإعادة بناء شاملة تستفيد من دروس جائحة كورونا

2020-05-10 | منذ 1 سنة

مع تزايد الإجراءات لمواجهة تفشي جائحة كورونا، بدت أزمة الجائحة بمثابة "اختبار هائل" للعولمة والفلسفات التي سادت العالم المعاصر منذ الحرب العالمية الثانية مثل "السوق الحرة" ومبدأ "عدم تدخل الدولة في الاقتصاد"، في وقت تعيش فيه المجتمعات التي اجتاحها كورونا حالة من الصدمة والخوف بأن يقضي الفيروس على شعوبها.

وشجعت الجائحة العديد من المفكرين في العالم الغربي على التفكير في الأفكار السائدة في مجتمعاتهم، وقدّم كثير منهم نقدا ذاتيا من واقع معايشة عالم الجائحة واضطراباته.

وفي مقاله المطوّل بمدونته الشخصية، يعتبر الأكاديمي والفيلسوف الأميركي جريجوري فرناندو باباس أن الأزمة الحالية فرصة لإحداث تغييرات عميقة في المجتمع المعاصر، لكنها أيضا قد تعني فرصة للسلطويين والرجعيين وضيقي الأفق، بحسب تعبيره.

ويرى باباس أنه من الصعوبة بمكان التنبؤ بمستقبل العالم في ظل الجائحة، في المقابل "يجب علينا بدلاً من ذلك إجراء مراجعة للدروس التي نتعلمها، حتى لا ننسى تجربتنا المشتركة".

ويقول الأكاديمي بجامعة تكساس إن الاضطرابات الحالية أعطتنا فرصة لاكتشاف ما سيحدث لو توقف العالم ببساطة، وتابع "إذا أردنا إنشاء بلد أفضل وعالم أفضل لأطفالنا، وإذا أردنا التأكد من أننا باقون بوصفنا أمة وديمقراطية، علينا أن ننتبه إلى ما نشعر به الآن".

ويخشى الناقد ورئيس تحرير مجلة الفلسفة الأميركية أن يقود الشعور الحالي غير المريح الناجم عن الإضراب والشك إلى الرغبة المحمومة في العودة "للحياة الطبيعية" مرة أخرى وبأي ثمن، معتبرا أن ذلك قد يعني عدم الإفادة من الدروس الحالية والتعلم منها.

 

يرى باباس أنه من الصعوبة بمكان التنبؤ بمستقبل العالم في ظل الجائحة، في المقابل "يجب علينا بدلاً من ذلك إجراء مراجعة للدروس التي نتعلمها، حتى لا ننسى تجربتنا المشتركة"

ظلم منهجي

يقول باباس إن الجائحة كشفت بالفعل عن الظلم الاجتماعي الممنهج وعدم النظر في العواقب، ويتساءل بصوت عالٍ عن نوع التغييرات المطلوبة إذا أردنا ألا نعيش فحسب، "بل أن نعيش حياة أفضل للجميع، وأن نكون قادرين على مواجهة عواقب هذا الوباء وما سيأتي بعد".

ويضيف أن الظروف الاستثنائية الحالية تجعل الظلم الاقتصادي والعرقي باديًا للعيان أكثر، ويقول "كان لدى الولايات المتحدة قبل جائحة كورونا أكبر عدد من نزلاء السجون في العالم، وغالبا ما يتم إيواؤهم في ظروف مكتظة"، كما أن النظام الصحي وشبكة الأمان الاجتماعي ضعيفة بالمقارنة مع الدول الغربية والديمقراطية الأخرى، وأدت الأزمة إلى ترك العمال يواجهون خيارا صعبا بين السماح لعائلاتهم بالجوع أو الذهاب للعمل مع احتمال التعرض للعدوى.

ويقول الفيلسوف الأميركي أنه إذا كان التفكير الفلسفي مفيدًا، فذلك لأن هذا التأمل هو ما يدفع لطرح أسئلة الواقع والمعرفة والسياسة والقيم وعلاقاتها، وليس لأنه يحتوي على إجابات نهائية.

أزمة الديمقراطية

يقول الفيلسوف الأميركي إن الصحة والاقتصاد والسياسة هي مجالات مترابطة ومتداخلة، فالنظام الاقتصادي أو السياسي غير العادل له عواقب على صحة المجتمع والعكس صحيح، خاصة في نظام صحي يهدف للربح ولا يعتد بقيم المساواة.

ويعتبر باباس أن تداخل القيم في وقت الجائحة هو فرصة لاختبار الأولويات الفعلية ودرجة الاستبداد أو الديمقراطية الحقيقية في المجتمع والدولة، ويتساءل "هل تتخذ الحكومات قراراتها بناءً على مصالح المواطنين أم بناء على المصالح والشركات الخاصة؟ وهل تستغل الأزمة الصحية لتحقيق مكاسب أيديولوجية وسياسية؟".

ويتابع باباس مراجعته الطويلة، معتبرا أن الجائحة كشفت ميل الكثيرين للبحث عن سبب وحيد مثل الشيطان أو النيوليبرالية أو الإمبريالية أو الحداثة، وتحميلها المسؤولية والذنب، وهو ما يؤدي لافتراض أن هناك علاجا وحيدا للمشاكل الاجتماعية.

ويستدرك بالقول إن العلاج يحتاج نهجا أكثر شمولية وتعددية ومجتمعا يقر بالصلات بين أخطر مشاكلنا مثل الظلم الهيكلي والنيوليبرالية والاحتباس الحراري دون الانزلاق نحو الاختزال والتبسيط المفرط الذي يؤدي إلى نتائج عكسية.

ولأن الأوبئة والجوائح تؤثر على جميع جوانب الحياة، فهناك حاجة للعديد من الخبرات التي يجب أن تفكر معا في علاج المشكلة من منظورات وتخصصات متعددة.

البشر كائنات عادية

يعتبر باباس أن الجائحة أعطتنا فرصة للتفكير في البشر بوصفهم كائنات حية في البيئة والطبيعة التي تعيش فيها الكائنات الأخرى أيضا، مشيرا إلى أن "الحياة غير مضمونة وغير مؤكدة ولا مستقرة، ولا يمكن الاستغناء عن الترابط الاجتماعي بين البشر"، وهذا يتطلب المزيد من التواضع والمسؤولية الاجتماعية، و"النظرة الراديكالية للديمقراطية كطريقة حياة ذات منظور بيئي أكثر".

وينقل عن مؤلف كتاب "الأوبئة والمجتمع.. من الموت الأسود حتى الوقت الحاضر" فرانك سنودن قوله "إن الأوبئة هي فئة من الأمراض التي تبدو وكأنها تحمل المرآة أمام البشر، وتظهر العلاقات الأخلاقية التي لدينا تجاه بعضنا بعضا"، وهو ما نراه اليوم بالفعل.

ويؤكد باباس أننا نعيش في عالم محفوف بالمخاطر ومترابط، "ولا يمكن لأي قدر من التقدم التكنولوجي أو الانفصال عن الطبيعة أو الآخرين حماية أي شخص من العواقب".

ويؤكد الكاتب أن التكنولوجيا هي جزء من الطبيعة كذلك، وهي ليست شيئا خارجيا بالنسبة لنا ولا خاضعة لسيطرتنا، فهناك "علاقة تكافلية أو عضوية بين البشر والطبيعة والبيئة، لهذا السبب يمكن تفسير آثار الاحترار العالمي على أنها رسائل موجهة إلينا من قبل أجزاء أخرى من الطبيعة". 

ويضيف "لقد تعطل أسلوب حياتنا بالكامل بشكل كبير في شتى أنحاء العالم"، وبينما يسعى كثيرون لإنتاج لقاح، علينا أن نفكر فيما بعد ذلك، فهل سنعود لطرق العيش القديمة أم نتعلم دروس الجائحة ونغير عادتنا اليومية؟ معتبرا أن الطريقة التي نعيش بها ستؤدي لنشوء وباء جديد مرة أخرى.

الهشاشة الإنسانية

يعتبر الأكاديمي الأميركي أن الجائحة جعلت البشر يدركون أن الهشاشة والمرض والموت جزء لا يتجزأ من الواقع الذي يعيشون فيه، مضيفا أن الجائحة دعت المواطنين لتغيير عاداتهم وتقديم بعض التضحيات، وكثير منهم سيفعل ذلك بدافع المصلحة الذاتية (لتجنب الإصابة بالعدوى) بينما يستجيب آخرون بسبب القانون.

ويعتبر باباس أن هذه الاستجابة لا تعبر عن دوافع ديمقراطية حقيقية، لأن المجتمع الديمقراطي لا يفترض أن يفصل بين المصلحة الخاصة والعامة بهذه الصورة، في المقابل يجب التفكير في الآخرين بوسائل تشمل التضامن الاجتماعي الذي يعود بالنفع على الجميع حتى ولو كان يكلف الأفراد أكثر، مضيفا أن الجائحة أثبتت أن "الطريقة الوحيدة للبقاء على قيد الحياة هي من خلال رعاية بعضهم بعضا".

يرى رئيس تحرير مجلة الفلسفة الأميركية فرناندو باباس أن الجائحة فرصة للتفكير في مستقبل البشر

ويرى باباس أن هناك حاجة ماسة لإعادة بناء جادة على جميع المستويات، بما في ذلك المؤسسات والسياقات والظروف والعلاقات وحتى الأرواح والقيم، ويقول إن الثورة المطلوبة تتجاوز السياسة واللقاح للعلاج الجذري الذي يمنع حدوث أوبئة مستقبلية.

خصخصة الصحة

وفي حواره مع موقع "تروث أوت" الأميركي غير الربحي، ناقش المفكر وعالم اللسانيات ناعوم تشومسكي أستاذ علم اللغة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا الحائز على جائزة جامعة أريزونا، ومؤلف لأكثر من 120 كتابا وآلاف المقالات، كيف أن "الرأسمالية النيوليبرالية نفسها تقف وراء التعامل الفاشل للولايات المتحدة مع جائحة كورونا".

يقول تشومسكي إن الوباء كان متوقعا قبل ظهور جائحة كورونا بوقت طويل، لكن الإجراءات الاستباقية اللازمة للتعامل مع مثل هذه الأزمة منعتها الضرورات القاسية لنظام اقتصادي لا يهمه منع وقوع كارثة مستقبلية لأن ذلك غير مربح اقتصاديا.

ويوضح المفكر الأميركي -المعروف بنقده الحاد لما يسميه "الليبرالية المتوحشة" وللسياسة الخارجية لحكومات بلاده- أن الولايات المتحدة لديها أسوأ سجل في الاستجابة للأزمة، مبينا أن العلماء حذروا من الجائحة لسنوات، خاصة منذ وباء سارس عام 2003، وكان الوقت مناسبا منذ ذلك الحين للبدء في تطبيق أنظمة الاستجابة السريعة استعدادا لتفشي المرض، وتخصيص الطاقة الاحتياطية اللازمة، وكان من الممكن أيضا اتخاذ مبادرات لتطوير دفاعات وأنماط علاجية للفيروسات ذات الصلة.

ويستدرك تشومسكي قائلا لكن الفهم العلمي ليس كافيا، "يجب أن يكون هناك شخص ما يلتقط الكرة ويركض بها"، بيد أن هذا الخيار ألغي بسبب أمراض النظام الاجتماعي والاقتصادي المعاصر.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي