من التهديد إلى التبرئة الخافتة.. لماذا تغيرت لهجة واشنطن ضد الصين بشأن كورونا

2020-04-15

“الصين هي التي خلَّقت فيروس كورونا، لا.. الصين أخطأت فقط بإخفائها المعلومات عن فيروس كورونا”.

تبدو المعلومات التي تخرج من الإدارة الأمريكية عن مدى مسؤولية الصين عن الفيروس، متضاربة أحياناً، ومتعددة المصادر وحمّالة أوجه أحياناً أخرى.

كل ذلك يذكِّر بطريقة الاختلاقات التي قامت بها إدارة بوش لتوفير ذريعة لإشعال الحرب على العراق.

ولكن عكس العراق الذي كانت المواقف الأمريكية تتصاعد تجاهه وصولاً للحرب، فإن الحرب الإعلامية للإدارة الأمريكية تجاه بكين تتراوح بين التلويح بالعقاب، وتخفيف اللهجة والطلب من الصين ضرورة التعاون مع واشنطن.

لا أدلة على أن الصين هي التي خلَّقت فيروس كورونا ولكن الأمر ليس محسوماً

في آخر التصريحات الأمريكية بشأن الصين، برَّأ أكبر جنرال بالجيش الأمريكي الصين من اتهامها بأنها صنَّعت فيروس كورونا عمداً أو خطأً.

إذ قال رئيس هيئة الأركان المشتركة بالجيش الأمريكي، الجنرال مارك ميلي، إن المخابرات الأمريكية نظرت في احتمال أن يكون تفشي الفيروس التاجي قد بدأ في مختبر صيني، لكن “الأدلة” تشير حتى الآن إلى الأصول الطبيعية للفيروس.

جاء ذلك في تعليق للجنرال ميلي، على تقرير لصحيفة واشنطن بوست، كشف عن برقيات لوزارة الخارجية الأمريكية في عام 2018، تشير إلى أن دبلوماسيين أمريكيين أثاروا مخاوف تتعلق بالسلامة داخل معهد ووهان للفيروسات (WIV) الذي كان يُجري دراسات حول الفيروس التاجي من الخفافيش.

وأشارت الصحيفة إلى أن البرقيات الدبلوماسية أثارت النقاشات داخل الحكومة الأمريكية، حول ما إذا كان هذا المختبر في ووهان أو غيره هو مصدر فيروس كورونا، وذلك على الرغم من أنه لا يوجد حتى الآن أي دليل قاطع على أن يكون الفيروس مصدره أي من المختبرات.

وتشير إحدى البرقيات إلى أن الوفد الأمريكي التقى شي زينغلي، الذي كان يشرف على تلك الأبحاث في مختبر ووهان، والذي نشر عدة دراسات علمية متعلقة بالفيروسات التاجية لدى الخفافيش، على امتداد سنوات طويلة.

وأعرب الوفد حينها عن قلقه بشأن نقص بروتوكولات السلامة والسلامة الحيوية لأبحاث المختبر حول الفيروسات التاجية في الحيوانات، وقالت Washington post إن المسؤولين “حذَّروا من أنه إذا لم يتم اتخاذ خطوات جدية، فإن بحث المختبر قد يؤدي إلى تفشي فيروس السارس”.

أما عن الهدف من وراء تلك الأبحاث، فقالت الصحيفة الأمريكية إنها كانت “بغرض الوصول إلى تفادي وباء شبيه بالسارس قد يظهر مستقبلاً، من خلال وضع سيناريوهات استباقية لكيفية ظهوره”.

وظهرت البرقيات التي أوردتها صحيفة واشنطن بوست، في وقت تسعى فيه الإدارة الأمريكية إلى إلقاء اللوم على الصين ومنظمة الصحة العالمية بشأن تفشي الفيروس، حسب صحيفة The Guardian البريطانية.

وأثار السيناتور الجمهوري توم كوتون احتمال أن يكون الوباء هجوماً متعمّداً على أسلحة بيولوجية صينية.

ولكن الجنرال ميلي قلل من هذا الاحتمال، وإن لم يستبعده تماماً.

إذ قال كبير جنرالات الجيش الأمريكي، الثلاثاء 14 أبريل/نيسان: “هناك كثير من الشائعات والمضاربات في مجموعة واسعة من وسائل الإعلام ومواقع المدونات وما إلى ذلك”، مضيفاً: “لا ينبغي أن يكون من المستغرب أن نولي ذلك اهتماماً كبيراً، وقد تلقينا كثيراً من المعلومات الاستخبارية حول ذلك. وأود فقط أن أقول إن الأدلة تشير إلى أنه طبيعي، إلا أن تحديد مصدره أمر غير محسوم حتى الآن، ولا نعرفه على وجه اليقين”.

مؤشرات على أن الفيروس لم يخرج من السوق التي تحدَّثت عنها الصين

كان التفسير الرسمي الصيني لتفشي الفيروس المسبِّب لمرض كوفيد19، يقول إنه تم نقله إلى البشر من الحيوانات بأسواق الحيوانات البرية في ووهان، على الرغم من أن بعض المسؤولين الصينيين قاموا بتعميم نظريات المؤامرة، مما يشير إلى أنه تم تصميمه في مختبر الأسلحة البيولوجية الأمريكية.

يقول معظم العلماء إن هذا الفيروس التاجي ربما نشأ في الخفافيش، لكنه وجد طريقه إلى البشر من خلال حيوان وسيط.

ولكن لا يوجد دليل قاطع على حدوث ذلك في أسواق ووهان “الرطبة” سيئة السمعة، حيث يتم بيع الحيوانات البرية من أجل لحومها. فقد وجد تحليل أول 41 مريضاً بـCovid-19 في المجلة الطبية “لانسيت”، أن 27 منهم تعرضوا بشكل مباشر لسوق ووهان. لكن التحليل نفسه وجد أن الحالة الأولى المعروفة لم تفعل ذلك.

واللافت أنه بعد تقرير “الواشنطن بوست”، كشفت وكالة أسوشييتد برس الأمريكية، الأربعاء 15 أبريل/نيسان 2020، أنها حصلت على وثائق داخلية من الصين تُظهر أن بكين تأخرت 6 أيام حاسمة قبل أن تحذِّر العامةَ من انتشار كورونا، وأنه في الوقت الذي قررت فيه الصين الإعلان عن الفيروس، كان الأخير قد بدأ في التفشي على نطاق واسع، وهو ما أدى إلى انتشاره في العالم وقتله 127 ألف شخص حتى تاريخ اليوم.

فهل هذه التقارير الصحفية والتصريحات تعبّر عن حقائق تتكشف أم تمهيد للتصعيد ضد الصين؟

هل تعاقب الولاياتُ المتحدة الصين بسبب فيروس كورونا؟

قبل ذلك وصف الرئيس الأمريكي، دونالد ،ترامب الفيروس بالفيروس الصيني، كما اتهم منظمة الصحة العالمية بالتواطؤ مع الصين عبر التشكيك في جدوى منع الدول السفر إليها في بداية الأزمة.

ولكن اللافت أن ترامب ركز في مؤتمره الصحفي الأخير، في الهجوم على منظمة الصحة العالمية، معلناً عزمه تعليق التمويل الأمريكي لها.

كما اتصل بالرئيس الصيني، وتحدثا معاً عن التعاون في مجال مكافحة كورونا، متجنِّباً تسمية فيروس كورونا بالفيروس الصيني.

من جانبه، أصر مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي، على تسمية الفيروس بفيروس ووهان.

كما اتهم وزير الخارجية الأمريكي، الصين، بتعريض حياة الآلاف للخطر، قائلاً إن الحزب الصيني الحاكم لا يزال يحرم العالم من المعلومات التي يحتاجها للحيلولة دون حدوث إصابات أخرى بفيروس كورونا المستجد.

وقال الوزير الأمريكي إنه قد يأتي وقت لمساءلة الأشخاص المسؤولين عن ذلك، وذلك بسبب تأثر كل دول العالم بالوباء وما تبعه من هزات اقتصادية عنيفة بالدول كافة، من جراء هذا الوباء.

وعندما سُئل عن عواقب ذلك على الصين، قال بومبيو: “هذا ليس وقت العقاب. لكنه لا يزال وقت الوضوح والشفافية”.

وتطرق بومبيو مؤخراً إلى موضوع مختبر ووهان بطريقة حمّالة أوجه، قائلاً: “نعلم أن لديهم هذا المختبر. نحن نعرف عن الأسواق الرطبة، وهذا الفيروس نفسه نشأ في ووهان”، واضعاً علامات استفهام على اجتماع كل هذه الأشياء مجتمعةً.

وأضاف: “يجب أن يتحدثوا عن مكان المرض في بلادهم، وعدد الوفيات التي تعرضوا لها، ونوع الحالات التي يعانونها، ونوع الاختبارات التي شاركوا فيها”.

وانتقد حديث الحكومة الصينية عن أن مصدر الفيروس ربما يكون قد جاء من جندي أمريكي أو مختبر أسلحة أمريكي، وعلق قائلاً: “هذا يخلق خطراً عندما تضع معلومات مضللة بهذه الطريقة”.

ولكن على غرار رئيسه، خفف بومبيو كذلك هجومه على الصين، وركز على انتقاد منظمة الصحة العالمية، غير أنه ظل يشدد على ضرورة تعاون بكين مع واشنطن للإجابة عن عديد من الأسئلة المتعلقة بالمرض.

تعويضات بقيمة 6.5 تريليون دولار

أواخر مارس/آذار الماضي، بدأت تظهر مقالات لخبراء قانونيين غربيين يتوقعون مقاضاة الصين ومطالبتها بتعويضات قد تصل لتريليونات من الدولارات، بسبب ما قالوا إنه “تستُّر متعمّد من جانب الصين” على ظهور الفيروس في ووهان، منتصف ديسمبر/كانون الأول الماضي.

وأعدَّ ماثيو هندرسون، وهو دبلوماسي بريطاني سابق في الصين ويعمل حالياً مديراً لمركز دراسات آسيا، تقريراً يقول إنه تجب مقاضاة الصين ومطالبتها بتعويضٍ قدره 6.5 تريليون دولار.

موقع ناشيونال ريفيو الأمريكي نشر تقريراً بعنوان: “كيف يمكن أن نحاسب الصين؟”، ناقش المسألة من منظور أمريكي يعترف باستحالة مقاضاة الصين في ظل القانون الدولي.

لكنه وضع سيناريو أمريكياً لجعل بكين تدفع الثمن.

البديل الأمريكي، وفقاً للموقع، هو تجميد واشنطن وحلفائها أصول وأموال الشركات الصينية المملوكة للدولة؛ لإجبار بكين على دفع تعويضات، وفي حال لجأت الصين إلى مقاضاة تلك الدول، يتم إذن الاحتكام إلى القانون الدولي فيما يخص الوباء ومسؤولية الصين عنه.

لعبة الضباط الأخيار والمسؤولين الأشرار

يبدو أن الإدارة الأمريكية في حربها الإعلامية على الصين بسبب أزمة فيروس كورونا، تستخدم مستويات متعددة من التصريحات، مصادرها متفاوتة المصداقية، كما حدث قبيل حرب العراق.

فهناك الأجهزة العسكرية والاستخباراتية التي تتسم بمحاولة التزام المهنية والحذر وعدم الميل إلى المبالغة.

وهذا المستوى عبَّر عنه رئيس أركان الجيش الأمريكي، الذي أكد بالفعل أن هناك ملاحظات أمريكية سابقة بالنسبة لنقص الأمان في معمل ووهان، ولكنه قال إن الأدلة الوازنة تشير إلى أنَّ أصل الفيروس ليس مختلقاً.

ولكنه أبقى الأمر معلَّقاً، قائلاً: “في النهاية لا شيء يقينياً”، فاتحاً الباب أمام إمكانية تأويل كلامه من المستوى السياسي.

ورغم أن الأجهزة التنفيذية لوزارة الدفاع والاستخبارات الأمريكية غالباً تحاول التزام الاحترافية ومحاولة الابتعاد عن الأجندات السياسية الأيديولوجية وغلبة المنطقية والمعلوماتية، فإن هذه الأجهزة في النهاية مجرد أدوات تنفيذية تنصاع في الأغلب بدرجات متفاوتة، للمستوى السياسي إذا تعرضت لضغوط لإعادة تأويل تفسيراتها، سواء بالصمت أو إعادة تشكيل كلامها أو تمييعه.

ويحدث هذا غالباً في عهد الإدارات الجمهورية، كما حدث في عهد إدارة بوش حينما استجابت أو صمتت الاستخبارات الأمريكية عن تحريف الإدارة للأدلة التي جمعتها الاستخبارات لاتهام العراق بأنه كان يسعى إلى إحياء برنامج الأسلحة النووية، وأن لديه برنامجاً لأسلحة الدمار الشامل، وهو الاتهام الذي ثبت عدم صحته.

من جانبهم فإن السياسيين الأمريكيين الجمهوريين، سواء التنفيذيين أو البرلمانيين، يكون لديهم في الأغلب خليط من البراغماتية والشعبوية والعداء للأجانب.

وهذا الخليط يسمح لهم باختلاق بعض الأمور، ثم تصديق أنفسهم بعد أن يختلقوها، وبعد ذلك مطالبة الأجهزة الفنية المحترفة بتقديم الأدلة على مثل هذه الاختلاقات.

وفي الحالة الصينية فإن إدارة ترامب تواجه انتقاداً داخلياً، بسبب طريقة معالجتها للأزمة؛ ومن ثم فإنها تبحث عن كبش فداء مثل منظمة الصحة العالمية (بصرف النظر عن أنها قد أخطأت بالفعل أم لا).

ولكن الصين تمثل كبش الفداء المثال.

فهي دولة تنافس الولايات المتحدة الأمريكية في كل المجالات، ويخشى كثير من الأمريكيين أنها سوف تحل محل واشنطن في صدارة العالم.

وفي الوقت ذاته فإن الصين ليست بريئة تماماً، فعلى الأرجح تتحمل مسؤولية انتشار الفيروس في بداية الأزمة، بسبب تكتُّمها على معلومات مهمة كان من شأنها تقليل تفشي فيروس على مستوى العالم.

إذ كانت الصين حريصة على مظهرها وضمان سلامة اقتصادها واستمرار رحلات السفر منها وإليها أكثر من حرصها على سلامة شعبها والعالم.

كما أن الصين لا تخفي رغبتها في استغلال تعافيها المبكر نسبياً من الأزمة، لتعزيز نفوذها وتقديم نفسها كمُنقذ للبشرية.

حدود حرب الكورونا بين الصين وأمريكا

لقد وقع العالم ضحية عملية استغلال سياسي فجّ للأزمة تقوم به أمريكا والصين إضافة إلى روسيا.

ولكن تظل هناك حدود للصراع الناشئ بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية والذي بدأ قبل أزمة كورونا عبر الحرب التجارية بين البلدين.

فرغم أن التنافس بين البلدين مرشَّح للتفاقم، فإنهما عكس قوى عظمى أخرى على مدار التاريخ، لا ترغبان في تدمير بعضهما بعضاً حتى لو اقتصادياً.

 

فالصين والولايات المتحدة الأمريكية متداخلتان ومعتمدةٌ إحداهما على الأخرى اقتصادياً ومالياً، بشكل يعني أن خراباً اقتصادياً لإحداهما معناه أضرار بالغى للأخرى.

وعندما نتذكر أن شركة آبل، أيقونة التكنولوجيا الأمريكية وفخر الاقتصاد الأمريكي، تصنّع هاتفها “آيفون” الشهير، بشكل أساسي في الصين، فإن هذا يعني أن الولايات المتحدة تريد تحجيم صعود اقتصاد الصين ولكن ليس تخريب اقتصادها.

في المقابل فإن الصين أكبر حائز للسندات الأمريكية، أي إنها أكبر ممول للفجوة الاستهلاكية الأمريكية الضخمة، إضافة إلى أن الولايات المتحدة أكبر سوق للمنتجات الصينية؛ ومن ثم مهما هاجم الحزب الشيوعي الصيني الإمبريالية الأمريكية والنموذج الأمريكي، فإن رخاء الصين قائم على تلبية مطالب هذا النموذج الأمريكي الذي يهاجمه المسؤولون الصينيون.

وقد يفسر هذا سبب أن الحرب الإعلامية بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية لها حدود، وأنها تبدو حرباً محدودة أو حرباً بالنقاط أكثر من كونها حرباً شاملة بين الجانبين.

وإذا نظرنا إلى عقلية الصفقات العقارية التي تميز ترامب، وتجربته السابقة في الحرب التجارية مع الصين، فإن حرب كورونا بالنسبة له، ما هي إلا وسيلة لتحقيق مكاسب شعبية داخلية، وفي الوقت أداة لمساومة الصين لتحقيق بعض المكاسب كما فعل عبر التعريفات الجمركية.

ولكن الأكيد أنه بصرف النظر عن نتيجة هذه الحرب (التي لن تكون مدمرة على الأرجح)، فإن الطرفين بعد نهاية الأزمة سيبتعدان -ولو قليلاً- عن بعضهما، وسيتراجع التداخل الاقتصادي بين بكين وواشنطن والذي ميَّز الاقتصاد العالمي في العقدين الأوَّلين للقرن الحادي والعشرين.

فقد أثبتت أزمة كورونا أن مقدار التداخل بين الاقتصادين الأمريكي والصيني أكبر بكثير من مقدار الثقة بينهما.. “فهو زواج مصالح ليس به سوى قليل من الإعجاب المتبادل وكثير من التوجس”.








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي