الشام ومصر أول من طبقتا الحجر الصحي في التاريخ.. كيف وصل إلى أوروبا؟

2020-03-29 | منذ 2 شهر

فريدة أحمد

الحجر الصحي، أحد أقدم الممارسات البشرية للحد من الأوبئة ومنع انتشارها، ورغم التقدم العلمي الكبير ما زلنا نلجأ إليه كوسيلة مجربة وناجحة في التعامل مع الأوبئة، وأغلب الظن أنك تقرأ هذا التقرير عن تاريخ الحجر الصحي بينما أنت ضمن 2.6 مليار إنسان يخضعون للعزل أو التباعد الاجتماعي الآن، للحد من انتشار فيروس كورونا المستجد.

التباعد الاجتماعي والحجر الصحي؟

"التباعد الاجتماعي" (Social Distancing)، هو إلغاء الأنشطة وأية أحداث من شأنها تكوين مجموعات مزدحمة في نطاق محدد، وذلك للمساعدة في إيقاف انتشار المرض أو إبطائه مما يسمح لنظام الرعاية الصحية بالعناية بالمرضى بسهولة أكبر بمرور الوقت.

أما "الحجر الصحي" (Self-Quarantine) فهو حالة أو مكان لعزل شخص أو حيوان قد يكون على اتصال بأمراض معدية، حيث تقلل فترة العزلة من احتمالية انتقال المرض إلى الآخرين.

والحجر الصحي غير مخصص للمرضى الذين تم تشخيصهم فقط، إذ يمكن للأشخاص الذين يبدون أصحاء أن ينقلوا أحد مسببات الأمراض دون أن يعرفوا أبدا أنهم حاملون له، ولهذا السبب قد يظل المسافرون الذين يبدون أصحاء في الحجر الصحي، اعتمادا على المكان الذي يزورونه، طبقا لـ"لايف ساينس" (Livescience).

إشارات العهد القديم

استخدمت المجتمعات منذ العصور القديمة إستراتيجيات لعزل الأشخاص المصابين بالمرض عن الأشخاص غير المتأثرين، وتم العثور على بعض أقدم المراجع لهذه الإستراتيجيات في كتب العهد القديم في سفر اللاويين، بحسب "مجلة أكسفورد الأكاديمية"، حيث يذكر الفصل الثالث عشر أن أي شخص مصاب بالجذام يبقى نجسا، طالما كان لديه المرض وأنه يجب أن يعيش بعيدا عن الآخرين، ويصف الفصل الخامس، أنه واجب الطرد لكل شخص مصاب بمرض جلدي مخيف أو إفرازات جسدية.

العزل مقترن بالموت الأسود

مع ذلك، لم يظهر مصطلح "الحجر الصحي" إلا مقترنا بالموت الأسود "الطاعون" في أوروبا، فقد اجتاحها في منتصف القرن الرابع عشر وباء الطاعون، وبعد وصوله إلى جنوب أوروبا عام 1347، انتشر بسرعة كبيرة، ووصل إلى إنجلترا وألمانيا وروسيا بحلول عام 1350.

خلال هذا الوقت، حيث يقدر أن ثلث سكان أوروبا ماتوا، أدى التأثير العميق للوباء إلى وضع تدابير شديدة لمكافحة العدوى، وتم عزل المصابين ومن يشتبه في إصابتهم إلى خارج المدن، فإما أن يتعافوا أو يموتوا.

وعزلت موانئ إيطاليا السفن القادمة من البلدان التي انتشر فيها الوباء، واشترط أن تبقى في المرسى لمدة أربعين يوما، وأطلق على تلك الممارسة "الحجر الصحي" "كورنتين"، وهي مشتقة من الكلمات الإيطالية (Quaranta Giorni) والتي تعني أربعين يوما.

دمشق الأولى

قبل تطبيق الحجر الصحي في جنوة والبندقية الإيطاليتين ومدن جنوب أوروبا، عرفت دمشق تطبيق العزل الصحي، وقام الخليفة الأموي السادس الوليد بن عبد الملك، ببناء أول مستشفى "بيمارستان" في دمشق، وفيها كان يُعزل المصابون بالجذام في مكان خاص يشبه الحجر الصحي، لتجنب اختلاطهم ببقية المرضى في المستشفى.

واستمرت ممارسة الحجر الصحي غير الطوعي للجذام في المستشفيات العامة بالعالم الإسلامي لقرون، وفي عام 1431 بنى العثمانيون مستشفى للجذام في أدرنة التي كانت عاصمة العثمانيين قبل فتح القسطنطينية (إسطنبول)، وفقا لما جاء في تقرير للجزيرة.

في أواخر القرن الـ18، ضربت الحمى الصفراء الولايات المتحدة الأميركية، مما دفع حكومات الولايات والحكومات المحلية بمحاولات متفرقة لفرض متطلبات الحجر الصحي ورفعت الأعلام الصفراء كإشارة لانتشار المرض في المناطق، ومع تفشي وباء الكوليرا والجدري طوال القرن الـ19، اعتمدت حكومات الولايات على الحجر الصحي الشامل للسيطرة على حركة الناس داخل وخارج المجتمعات المصابة.

كورنتينات الباشا في مصر

تزامنا مع فترة تفشي وباء الكوليرا، وضع محمد علي باشا نظاما للحجر الصحي في مصر، وأنشأ عددا من "الكورنتينات" عند مداخل الموانئ المصرية لحجز المشتبه فيهم بالعدوى، وتعتبر "كورنتينة القصير" التي أقيمت عند ميناء القصير البحري، من أقدم مكاتب الحجر الصحي في مصر، وأنشئت خوفا من انتقال الأمراض المعدية من خلال الحجاج الوافدين من الحجاز، بحسب صحيفة المصري اليوم.

ومع انتشار الكوليرا والطاعون، أمر محمد علي بإنشاء "كورنتينة الإسكندرية" على ميناء الإسكندرية وعزل فيها المسافرين القادمين إلى البلاد لمدة أربعين يوما قبل السماح لهم بدخول البلاد والاختلاط بأهلها، وعلى شاكلتها أمر بإنشاء "كورنتينة" أخرى عند ميناء دمياط للغرض نفسه.

اليوم، مع انتشار وباء كورونا على مستوى العالم، تفرض غالبية الدول الحجر الصحي على المرضى والمشتبه في حملهم الفيروس القادمين من دول أجنبية أو المخالطين للمرضى لمدة 14 يوما التي تظهر خلالها الأعراض، كما فرضت بعض الدول إجراءات الحجر الصحي في المنازل على جميع مواطنيها، ومنعت التجمعات والخروج إلا الضرورة.



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق






شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي