لماذا كل هذه المادة في الكون؟.. علماء يبحثون عن الإجابة في النيوترون

2020-03-04 | منذ 7 شهر

قام العلماء في جامعة ساسكس بقياس خاصية النيوترون -وهو جسيم أساسي في الكون- بدقة أكثر من أي وقت مضى. هذه القياسات ستساعد العلماء في فهم لماذا توجد كل هذه الكمية من المادة في الكون، ولماذا لم تفن كما فنيت المادة المضادة بعيد تشكلها إثر الانفجار العظيم؟

حسب النظريات الفيزيائية الحديثة يجب أن يكون الانفجار العظيم الذي حدث قبل 13.8 مليار سنة، قد خلق كميات متساوية من المادة والمادة المضادة تشتركان في الكتلة لكنهما تحملان شحنات كهربائية معاكسة.

فالإلكترون ذو الشحنة السالبة على سبيل المثال، يقابله في المادة المضادة البوزيترون الذي له الكتلة نفسها وله شحنة موجبة. وإذا التقيا فإنهما يندثران تاركين وراءهما موجة ضوئية.

كيف نجت المادة من الفناء؟

لكن كل ما نراه اليوم في الكون، من أصغر أشكال الحياة على الأرض إلى أكبر الأجسام النجمية مشكل بالكامل من المادة، بينما لا يكاد العلماء يعثرون سوى على كميات ضئيلة جدا من المادة المضادة في الكون.

فما الذي حدث في وقت مبكر من عمر الكون وأخل بالتوازن بين المادة والمادة المضادة لصالح الأولى؟ هذا أحد أكبر التحديات في الفيزياء اليوم.

خلال أجزاء قليلة من الثانية بعد الانفجار العظيم، كان الكون الحار والكثيف في حالة غليان مع تشكل أزواج الجسيمات والجسيمات المضادة واندثارها. وفي هذا "الحساء" الذي تتشكل فيه المادة والمادة المضادة ثم تفنيان معا، كان من المفترض ألا يحتوي الكون اليوم على أي شيء سوى الطاقة المتبقية.

ومع ذلك، تقول بعض النظريات المعتمدة اليوم إن شيئا ما قد حدث في ذلك الوقت المبكر وكسر التناظر بين المادة والمادة المضادة وجعل القوانين الطبيعية لا تنطبق بالكيفية نفسها عليهما، ومكن جزءا صغيرا من المادة -حوالي جسيم واحد من كل مليار جسيم- من البقاء على قيد الوجود، وهو ما شكل فيما بعد الكون الذي نراه اليوم.

النيوترون البوصلة

ترى هذه النظريات أن أحد مؤشرات حدوث كسر التناظر هو أن تكون النيوترونات (أحد الجسيمات المكونة لأنوية الذرة وليس له شحنة كهربية) غير متماثلة بعض الشيء في الشكل وتمتلك قطبين، مثل البوصلة، أحدهما له شحنة صغيرة موجبة والآخر له شحنة سلبية معادلة.

في العقود القليلة الماضية، أظهرت تجارب فيزياء الجسيمات أن قوانين الطبيعة لا تنطبق بالتساوي على المادة والمادة المضادة، وهو ما يدعم فكرة "كسر التناظر" التي تفسر بقاء المادة واندثار المادة المضادة. لكن إثبات هذه الفكرة ظل بعيد المنال بالنسبة للعلماء، بسبب ما تتطلبه القياسات التي يتعين القيام بها على النيوترون من دقة فائقة وأجهزة متطورة. 

وفي هذه الدراسة الجديدة المنشورة في الثامن والعشرين من فبراير/شباط الماضي في دورية "فيزيكال رفيو ليترز" بحث فريق من العلماء من المملكة المتحدة وسويسرا عما إذا كان النيوترون يتصرف فعلا "كبوصلة كهربائية" أم لا من خلال قياس المسافة بين القطبين وشحنة القطب أو ما يسمى بـ "عزم ثنائي القطب".

استمرت القياسات على مدى عامين، وأجريت القياسات على ما يسمى بالنيوترونات فائقة البرودة، التي تتحرك بسرعة بطيئة نسبيا، باستخدام جهاز متطور صممه الباحثون في جامعة ساسكس ومختبر رذرفورد أبليتون.

قياسات تطيح بنظريات

في هذه التجربة، قام الباحثون بتوجيه حزمة مكونة من أكثر من عشرة آلاف نيوترون كل خمس دقائق إلى الجهاز لإجراء القياسات عليها وفحصها بالتفصيل كل ثلاثمئة ثانية. وأجروا في المجموع قياسات على خمسين ألف حزمة من النيوترونات.

وجد الفريق أن النيوترون له "عزم" أصغر بكثير مما تنبأت به النظريات المختلفة حول سبب بقاء المادة في الكون.

يقول العلماء إن هذه النتائج تؤشر إلى أن النظريات المعتمدة اليوم قد لا تكون صحيحة ويتعين تعديلها أو البحث عن نظريات جديدة لتفسير هذا اللغز. وقد يتطلب الأمر مراجعة النموذج القياسي المعتمد اليوم لتوصيف الجسيمات الأولية والقوى التي تحكمها.

لكن العلماء يعترفون بأن قيم المسافة بين القطبين وشحنة القطب في النيوترون أو ما يسمى بـ "عزم ثنائي القطب" صغيرة جدا بحيث لا يمكن قياسها بالأدوات المستخدمة حتى الآن.

ولئن كان ذلك يعني أن النظريات التي حاولت شرح فائض المادة أقل احتمالا، فإن اللغز يبقي دون حل في الوقت الحاضر.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق




شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي