إمْسَاكُ الوَاقِعِيّ بِيَدِ السِّحْرِيّ

2019-12-08

 صلاح بوسريف*

المُدْهِش والخارِقُ، ما يفتح أُفُقَ الدَّهْشَة، بل يجعل الواقعي يبدو أكثر واقعيةً في سِحْرِيَّتِه وغرائِبِيَّتِه، وفي ما يَخْتَزِنُه في مَشْهَدِيَّتِه من مُفارقاتٍ وتناقضات وتضَادّ، هي، تشبه في جوهرها قُبَّعَة السَّاحِر الذي يُحَوِّلُ اللون إلى معنىً يفوق المعنى ويتجاوزه، بل هو يَسْتَوْلِدُ المعاني الخِبِيئة، يُخْرِجُها من ظلمتها، التي غالباً ما تَحْجُبُ عنَّا ما في الواقع من عَراء، لا نراه بحكم العادة.

لا يتوهَّم شفيق الزُّكَارِي، في هذا العمل الجديد، علائِق غير معقولة بين مخلوقاته، فهو، بعكس من ذهبوا في هذا المَنحَى، أعاد للطبيعة ما افْتَقَدَته في علاقة البَشَرِيّ بالبَهِيمِيّ أو الحيوانيّ، كلاهما، هنا، لِبَاس للآخر، وهما في وضع الانفصال ليسا سوى صورة لذلك العراء الأنطولوجي الذي نحيا فيه، وهو ما يُشَكِّلُ واقعنا اليومي، بكل مفارقاته وصراعاته المُفرِطَة فى شراسَتِها.

هل تخلَّص الإنسان من الحيوان فيه؟ هل هُمَا خلائق وُجِدَتْ لتكون بذاتها، أم الوجود، هنا، هو وجود بالالْتِبَاس، وبالأقنعة، التي وراءها يتخَفَّى كُل كائن لينسب العطب والخلل إلى الآخر، أو الوجود، في أعمال شفيق المُرْعِبَة هذه، هو وجود بالسِّحْرِيّ الذي كان أوَّل ما التجأ الإنسانُ إليه ليفهم به كيف تدور الأرض، وكيف الزوابع والعواصف والكوارث تجري في الأرض، وهذه، عنده، طريقة لنقد واقعنا الراهن، ولوضع الإنسان في سياق الازدواجية التي تسكن ذاته، وتحكم رؤيته للآخرين. أليس هكذا بدأنا طفولتنا في رسم السِّحْرِيّ العجائبيّ باعتباره معقولاً وواقعاً؟ إننا إزاء خيال طفولي يَسْتَعِيدُ بِداياته الأولى، وهي بدايات اكْتِشَاف واسْتِشْفَاف، ورغبة في اعتقال غمامة في زُجاجة. وهذا يعود بنا إلى فرويد في قولته الشَّهِيرَة «الطفل أبُ الرَّجُل».

من يتأمَّل هذه الأعمال الأخيرة لشفيق الزُّكارِي، أو يقيسها بغيرها، أو ينظر إليها مُجَزَّأَةً، كما ينظر إلى قِطَع (البازَل)، مُتَناثِرَةً، لِيَسْتَجْمِعَها في الصورة، أو في الشكل الذي يَتَوَهَّمُهُ، سيكون أخطأ الطريق إلى طبيعة الرؤية التي تحكم جوهر هذه الأعمال، كما سيكون أخطأ الطريق إلى الإطار الذي داخله تجري هذه المَشْهَدِيَّة الخَوَارِقِيَّة السِّحْرِيَّة التي لا تُفْضِي إلا إلى ذلك السقوط الأول المُرِيع، الذي فيه بدا الإنسان عارِياً، بلا معنى، بدا مَأْخُوذاً، مسحوراً، تدور به الأرض، ولا بيت ولا مسكن، ولا إقَامَةَ له، بل لا هوية له، فهو كل الوجوه ولا وجه له.

الكينونة هنا، تَتَخلَّف باللون، بِقَتامَة الألوان وما تَحْتَمِلُهُ من سَدِيمِيَّةٍ، بتجاوُباتِها، وتصَادِيها، بالفراغات التي تخترقها علامات وإشارات خاطفة مثل مجرَّاتٍ تظهر فَجْأَةً في ظلْمَةِ السَّماء ثُمَّ تَخْتَفِي، باعتبارها رموزاً تتقاطع مع الحروف المتشظية المُتَشَذِّرَةِ، التي بدل أن تُساهِم في فَكِّ السِّحْر وطِلَّسْمِيَّةِ اللَّوْحَةِ، تُضاعِفُ سحريتها وتُؤَزِّمُها، مثل علاج الصَّدَمات بالصَّدَمات.

إنها إذن، كينونة التَّشَذْر، وكينونة التشَتُّتِ، والثُّنائِيات الضِّدِيَّةِ، حيث الهوية تَمَّحِي، وتذوب في بعضها، مثل الماء حين يذوب في الماء، لِيَحُلَّ محلَّها المعنى الفائق للمعنى، ما يتجاوز المعنى ويُفْضِي إلى نقيضه، بل إلى ما تَمَنَّع منه في فهم واستيعاب هذا الواقع المُركَّب المُلْتَبِس، والغارق في سَدِيمِيَّتِه.

يمكن اعتبار هذه الأعمال، بمثابة «غرنيكا» في سياق آخر مغاير، هو سياق الواقع الذي هو حرب يومية خَفِيَّة صامتة، فيها الإنسان تخَفَّى وراء غيره من الكائنات، ليقول في نهاية الأمر: إنَّ الذئب، هو من قتل يوسف.

 

  • شاعر مغربي







كاريكاتير

إستطلاعات الرأي