هآرتس: المستوطنون يصعّدون.. وصبر الفلسطينيين "العجيب" بدأ يتصدع

2026-07-26 | منذ 2 ساعة

إن استفزازات المستوطنين المدبرة، حتى قبل دخول اسرائيل إلى غمار الحملة الحالية، تهدف إلى غايات تتجاوز بكثير نتائج صناديق الاقتراع (ا ف ب)أظهر الفلسطينيون في الضفة الغربية، وما زالوا يظهرون، ضبط نفس مثيراً للإعجاب في مواجهة الهجمات المتزايدة والجولات الاستفزازية في مناطقهم. واضح أن جزءاً من هذا الضبط للنفس ينبع من الخوف بحد ذاته. فمن الذي لا يخشى جماعات كبيرة من المسلحين بالبنادق والسكاكين، الذين لا يخشون من الشرطة أو الجيش أو المحاكم أو الرأي العام فقط، بل يعرفون أيضاً بأنهم سيحصلون على الدعم منهم؟

النتيجة هي تحول البيوت على أطراف القرى الفلسطينية إلى حصون، يحيط السكان بيوتهم بالأسلاك الشائكة أو الأسوار، ويضيفون أبواباً حديدية تفتح من بعيد، ويغطون النوافذ بألواح معدنية لمنع الحجارة من تحطيم الزجاج. كل بيت من هذه البيوت فيه كاميرات لتوثيق ما يحدث حولها. يظهر أشخاص لهم سمات مألوفة – معطف مع أهداب، قبعة منسوجة، وشعر مستعار – من الحقل وهم يركضون أو يمشون، إذا لم يكونوا يحاولون إشعال النار في البيت. من ناحيتهم، يمنع السكان أولادهم من اللعب أو التنزه في التلال المحيطة. ففي النهاية، يمكن أن تظهر مجموعة من المتنزهين اليهود المسلحين في أي لحظة، ولا أحد يعرف ما الذي سيحدث.

أمس، انهار ضبط النفس في قرية تل بمنطقة نابلس، بعد أن حاول سكانها منع دخول المتنزهين اليهود المسلحين إلى القرية. وحسب الوثائق، خلال المواجهة هناك، أخذ فلسطيني سلاح بنياهو ميلات، أحد أعضاء فرقة الطوارئ في “حفات جلعاد”، الذي كان يرافق المستوطنين. بعد ذلك، قتل ميلات والرائد يوفال عزرا، بالرصاص. وذكر أحد بيانات نعي ميلات بأنه “سعى باستمرار إلى السيطرة على الأرض”. وكان الروح الحية لمنتدى “النضال من أجل كل دونم”. في المواجهة قتل أربعة فلسطينيين من عائلة رمضان، الذين خرجوا للدفاع عن بيوتهم وأولادهم، على يد الجنود أو على يد المستوطنين. القتلى الأربعة هم: إبراهيم حسين علي رمضان، وجواد حسين علي رمضان، وابن عمهما فاروق عدنان علي رمضان، وقريبهم عمران أحمد علي رمضان. ليست المفاجأة في انهيار ضبط النفس، بل في استمراره لفترة طويلة بين هذا العدد الكبير من الناس.

من أهم عناصر ضبط النفس لدى الفلسطينيين هو الإدراك السياسي بأن المستوطنين وممثليهم المخلصين في الحكومة يهتمون بالتحديد فيما يحدث الآن: حملة أخرى من أعمال الشغب والنهب المتواصل من قبل المستوطنين، في أكبر عدد من القرى. هذا في حين أن الجيش من ناحيته، يهاجم ويضر السكان المدنيين الفلسطينيين، والمستوى السياسي يسارع إلى الرد من خلال إقامة بؤر استيطانية ومزارع أخرى. يدرك الفلسطينيون أن النظام يزود مهاجميه بالبنادق والسيارات رباعية الدفع، ليس لأسباب أمنية، بل لتصعيد الموقف.

إن استفزازات المستوطنين المدبرة، حتى قبل دخول اسرائيل إلى غمار الحملة الحالية، تهدف إلى غايات تتجاوز بكثير نتائج صناديق الاقتراع. فكل رحلة مخطط لها مسبقاً على طريق بين القرى، وكل مزرعة أغنام تستولي على مرعى فلسطيني آخر، تساهم في دفع اسرائيل نحو تنفيذ خطة سموترتيش “خطة الحسم”. تسعى هذه الخطة إلى إخضاع الفلسطينيين وتهجيرهم الجماعي، وإلى قتلهم وتفكيك نسيجهم الاجتماعي الداخلي.

سارع جيش الاحتلال الاسرائيلي و”الشاباك” إلى تصوير قتل ميلات غير المخطط له على أنه عملية إرهابية. وقد أشاروا بذلك إلى نيتهم استغلال الفرصة التي أتاحها المستوطنون لهم، ومعاقبة من تعرضوا للهجوم حسب أفضل تقاليد إسرائيل. وهذا ما يحدث بالفعل من ظهر أمس: يشن الجيش حملة قمع في القرى والبلدات ويقتحم البيوت ويقتلع أشجار الزيتون ويسيطر على نابلس ويعزل محافظات الضفة الغربية ويغلق الطرق بين القرى ويعتقل الناس.

يظهر الجيش قلقه من الـ 70 مجموعة من مجموعات الدفاع المدني الفلسطينية التي تشكلت في القرى. وبسبب عدم وجود وصف أكثر دقة لهذا القلق، سأصفه بالوقاحة. فبصفته قوة احتلال، كان من المفروض أن يمنع الجيش الاسرائيلي، صاحب السلطة الأمنية العليا في كل الضفة الغربية، اليهود من الإضرار بالمدنيين الفلسطينيين منذ عقود. الجيش لم يكتف بذلك، بل ساعد المشاغبين اليهود، وبعد ذلك اعتقل الذين يدافعون عن بيوتهم وأولادهم.

لا يحتاج المرء إلى الكثير من الخيال لتخيل ما كان سيحدث لو ظهر شباب فلسطينيون وهم يرتدون الكوفية في مستوطنة “أريئيل” مثلاً، أو حتى لو كانوا يمشون في أراضي منطقة التماس غرب جدار الفصل، المحظورة على أصحابها الفلسطينيين. لو أطلق يهودي النار على فلسطينيين وأصابهم لما كان وصف ذلك بهجوم. بل حتى لو كان شاب فلسطيني واحد يحمل السلاح لسارع أي يهودي إلى قتله، سيعتبر بطلاً. إن الاحتلال العسكري الذي يمتد منذ ستين سنة يرسخ معايير مزدوجة ومتضاربة مع إنكار وجودها تماماً. هنا أيضاً يتطلب الأمر ضبطاً كبيراً ومستمراً للنفس من قبل الفلسطينيين في المناطق المحتلة، كي لا ينفجروا من الغضب والاشمئزاز كل يوم.

إن معاقبة من تعرضوا للهجوم تستخدم ضد السكان المدنيين، الذين أضعفتهم سياسة الخنق التي تتبعها الحكومة الإسرائيلية بشكل كبير. وقد ازداد فقر معظم الفلسطينيين نتيجة مصادرة وزارة المالية لضرائب السلطة الفلسطينية ومنع العمل في إسرائيل. وفي الوقت نفسه، يضر توسيع البؤر الاستيطانية وإصدار أوامر الإغلاق السكان لأنه يؤدي إلى القضاء على مصادر رزق أخرى لهم، مثل رعي الأغنام والزراعة. يكاد جهاز الصحة الفلسطيني لا يعمل، وتتدهور حالة المرضى المزمنين بسبب نقص الأدوية. يضاف إلى ذلك كله معبر الكرامة (جسر اللنبي)، المعبر الحدودي الدولي الوحيد المتاح أمام الفلسطينيين، الذي يفتح لساعات محدودة ويغلق السبت. هذا الوضع لا يغذي ازدهار تجارة نهب الاموال فقط، بل يحول أي خروج من الضفة الغربية والعودة إليها إلى كابوس مخيف. لا ينتظر أي فلسطيني حدوث الكارثة، لأن الجميع يعيشون في كارثة متفاقمة، ويعرف أن قطاع غزة المدمر هو النموذج الأمثل في نظر النظام الإسرائيلي.

في هذا الوضع، تبدو قيادة السلطة الفلسطينية أكثر سخرية وانقطاعاً عن شعبها من أي وقت مضى. فهي تدين وتحذر وتطلب من العالم التدخل، وكأنها منظمة غير حكومية، وليست جهة تدعي تمثيل الشعب الفلسطيني. فهي لا تبادر إلى ولا تخطط لخطوات سياسية جريئة للتحرر من قيود اتفاق أوسلو التي خرقتها إسرائيل دائماً. لا تنشر السلطة الفلسطينية آلاف عناصر أمنها بين السكان الذين يتعرضون للهجوم من أجل حمايتهم لأن الاتفاق يمنعها من ذلك.

حتى في بيوت أنصار حركة فتح القدامى، لا يخفي الناس الغضب والاشمئزاز من السلطة الفلسطينية.

 

عميره هاس

هآرتس 26/7/2026











كاريكاتير

إستطلاعات الرأي