ذي نيويوركر: تحقيق في تواطؤ بايدن في إبادة غزة وندم مسؤولين سابقين بعد خرابها

2026-07-22 | منذ 1 ساعة

الطريقة التي تدير بها إسرائيل الأعمال العدائية لا تتوافق مع قوانين النزاعات المسلحة، ولا سيما الالتزامات بحماية المدنيين والتمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين أو البنية التحتية المدنية (ا ف ب)نشرت مجلة “ذي نيويوركر” تحقيقا مطولا أعده ديفيد دي. كيركباتريك، قدم فيه شرحا حول تورط إدارة جو بايدن السابقة في إبادة غزة.

وقال إن مسؤولين في الإدارة يعبرون اليوم عن ندمهم بسبب الفشل في وقف رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو عند حده. وأشار بداية إلى رسالة من رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ميريانا سبولياريتش، إلى الرئيس جو بايدن في 5 آذار/مارس 2024، أي بعد خمسة أشهر على الحرب ضد غزة، حذرته فيها من ضرورة تجنب الدول الوقوع في جرائم حرب.

وبموجب اتفاقيات جنيف، تتحمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر مسؤولية فريدة تتمثل في تقديم المشورة للدول بشأن تجنب جرائم الحرب. وفي الرسالة، التي حصل الكاتب عليها من مسؤول أمريكي سابق، ذكرت سبولياريتش بايدن بأن المنظمة أدانت هجمات حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر، وأنها لا تزال “مثابرة” في الضغط على الحركة لإطلاق سراح الأسرى الذين احتجزتهم. لكنها الآن تناشد بايدن “بقلق بالغ”، لأن إسرائيل، التي تقصف غزة بالذخائر الثقيلة منذ تشرين الأول/أكتوبر، تتجاهل الصليب الأحمر كما لم تفعل من قبل.

وكتبت: “إن الطريقة التي تدير بها إسرائيل الأعمال العدائية لا تتوافق” مع قوانين النزاعات المسلحة، “ولا سيما الالتزامات بحماية المدنيين والتمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين أو البنية التحتية المدنية، وضمان المعاملة الكريمة للمعتقلين والقتلى، والوصول إلى المنشآت الطبية وحماية الأفراد، وتقديم المساعدة الطبية للمنشآت وحماية الأفراد”.

وقال كيركباتريك إن إسرائيل، ولأول مرة في تاريخها، منعت بعد هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر الصليب الأحمر من زيارة المعتقلين الفلسطينيين من غزة والضفة الغربية، مما جعلها في مصاف كل من كوريا الشمالية وإريتريا، مشيرا إلى أن الفصائل المتنازعة في اليمن سمحت للمنظمة الدولية بزيارة المعتقلين. وكما كشفت شهادات المعتقلين، التي نشرت بعضها صحيفة “نيويورك تايمز”، تعرض العديد منهم لانتهاكات جنسية. ومن أجل أن تحصل سبولياريتش على تغير في موقف حماس، ناشدت قطر وغيرها من الدول التي تملك التأثير على الحركة. وهي الآن تحث بايدن على القيام بدور من أجل تغيير سلوك إسرائيل.

وضمنت المديرة ملحقا لرسالتها أشار إلى القوانين الأمريكية وسياسات الإدارة التي تحظر نقل الأسلحة التي يحتمل استخدامها في جرائم حرب، وحثت سبولياريتش بايدن على حجب الأسلحة “التي لا تستخدم في المناطق المكتظة بالسكان، نظرا لآثارها الإنسانية المدمرة”. وحذرت بايدن من أن الفشل في “الالتزام بالحد الأدنى من معايير الإنسانية” سيكون “هزيمة أخلاقية” من غير المرجح أن تغفر لنا الأجيال القادمة عدم تجنبها.

ويقول كيركباتريك إن ترامب، وبعد عامين من رسالة رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أمر الجيش الأمريكي بالانضمام إلى إسرائيل في مهاجمة إيران. وأخبره بعض كبار المسؤولين السابقين في إدارة بايدن بأن الحرب ضد إيران كانت، في بعض النواحي، امتدادا للصراع في غزة.

وقال العديد من كبار المستشارين السابقين إن إيران كانت محورية في تفكير بايدن بشأن الشرق الأوسط. وكان يخشى من أن أي ضغط علني تمارسه الولايات المتحدة على إسرائيل سيؤدي إلى خلاف بين الحلفاء، ويمكن أن يؤدي إلى هجمات من قبل إيران أو وكيلها في لبنان، حزب الله، وعندها ستضطر الولايات المتحدة إلى الدفاع عن إسرائيل في حريق إقليمي.

وقد دافع بريت ماكغيرك، منسق بايدن في البيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط، وربما مستشاره الأكثر نفوذا، عن هذا الموقف، قائلا إن الدعم القوي لإسرائيل من شأنه أن يساعد في احتواء إيران، التي قتل وكلاؤها ثلاثة جنود أمريكيين في المنطقة خلال الأشهر الأولى من الصراع في غزة.

وفي الوقت نفسه، أدى دعم إدارة بايدن العلني القوي لإسرائيل خلال حرب غزة إلى ما وصفه فيليب غوردون، مستشار الأمن القومي لنائبة الرئيس كامالا هاريس، بـ”الخطر الأخلاقي”، إذ دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى خوض معركة قابلة للتوسع.

ورغم نصيحة بايدن ومستشاريه نتنياهو، سرا وأكثر من مرة، بعدم استفزاز إيران، إلا أن الإسرائيليين فاجأوا الأمريكيين بالقيام بعكس ذلك أكثر من مرة. ففي كانون الثاني/يناير 2024، أسفرت غارة على دمشق عن مقتل خمسة مستشارين عسكريين إيرانيين كبار. وفي نيسان/أبريل 2024، أسفرت غارة على البعثة الدبلوماسية الإيرانية في سوريا عن مقتل أكثر من اثني عشر شخصا. وفي تموز/يوليو 2024، اغتالت غارة في طهران قياديا سياسيا بارزا في حماس. وفي أيلول/سبتمبر 2024، فجرت عملية في لبنان عبوات ناسفة مزروعة في آلاف أجهزة اللاسلكي وأجهزة البيجر التي كان يحملها مقاتلو حزب الله، وفي غارة جوية لاحقة قتل الأمين العام للحزب، حسن نصر الله.

ولم يقدم الإسرائيليون أي تحذير حقيقي للمسؤولين الأمريكيين قبل هذه الهجمات، وفيما وصفه مسؤول سابق في البيت الأبيض بأنه “إهانة” لبايدن، أمر نتنياهو باغتيال نصر الله بعد يومين فقط من دعوة الولايات المتحدة وفرنسا والعديد من الحلفاء الآخرين إسرائيل وحزب الله إلى وقف إطلاق النار.

ومع ذلك، لم ينتقد البيت الأبيض إسرائيل علنا لتصرفها بطريقة فردية. وفي كل مرة أدى فيها أحد هذه التصرفات إلى اشتباك، شعرت الولايات المتحدة بأنها ملزمة بالدفاع عن إسرائيل. وساعدت الولايات المتحدة إسرائيل مرتين عام 2024 على صد الهجمات الإيرانية المضادة بفعالية كبيرة، لدرجة أن إسرائيل لم تتكبد سوى أضرار طفيفة.

وبعد الجولة الثانية، أرسل بايدن إلى إسرائيل نحو مئة جندي أمريكي ونظاما دفاعيا صاروخيا.

ويشير كيركباتريك إلى ندم العديد من مسؤولي إدارة بايدن، وإن في جلسات خاصة، وأن الحماية الأمريكية لإسرائيل شجعت، من دون قصد، نتنياهو على المضي في سياسة الهاوية.

ونقل الكاتب عن غوردون قوله: “كان بإمكاننا أن ننصحهم بحزم شديد، وقد فعل بايدن ذلك مع نتنياهو أكثر من مرة، وقال له: تبا، انتصر ولا تجرنا إلى حرب أخرى. لكن الإسرائيليين كانوا يعلمون أننا سندافع عنهم”. وبحسب ما ورد، شبه لويد أوستن، وزير دفاع بايدن، نتنياهو بمقامر “يلعب بأموال الكازينو”.

وفي إطار هذه المواجهات، شنت إسرائيل غارتين جويتين كبيرتين على إيران، وفي الثانية دمرت الدفاعات الجوية الإيرانية. وقال العديد من مسؤولي إدارة بايدن للكاتب إن نتنياهو حاول المضي قدما، فقد سعى للحصول على دعم أمريكي لشن هجمات إضافية على البنية التحتية الإيرانية، ولم يتراجع إلا على مضض.

وقال مسؤول بارز سابق في البنتاغون إنه، وبعد فوز ترامب في انتخابات عام 2024، حذر مستشارو بايدن الفريق المقبل من أن إيران أصبحت “أكثر عرضة للخطر” منذ عقود، و”لن يضيع الإسرائيليون هذه الفرصة”.

لكن ترامب مضى مع نتنياهو في حزيران/يونيو 2025، عندما شن الإسرائيليون هجوما مطولا بدا أنه يهدف جزئيا إلى إسقاط الحكومة الإيرانية.

وبعد نحو أسبوع، وجه ترامب الجيش الأمريكي للمشاركة في غارات جوية ليلية على المنشآت النووية الإيرانية، ربما خشية أن تفوته فرصة نسب الفضل لنفسه في الضربة. لكن عندما شن ترامب ونتنياهو هجوما مفاجئا بعد ثمانية أشهر، أوضح وزير الخارجية ماركو روبيو أن الرئيس قرر هذه المرة ضرب إيران “استباقيا”، نظرا لتوقع “عمل إسرائيلي” من شأنه “أن يعجل بهجوم على القوات الأمريكية”. وادعى ترامب لاحقا، بشكل غير مقنع، أنه سيقود العملية مع الإسرائيليين، بل وربما “أجبرهم على ذلك”. بينما أشار سرد روبيو، بشكل أكثر مصداقية، إلى أن إدارة ترامب كانت تعتقد أنها لا تستطيع منع إسرائيل من شن هجوم، لكنها مع ذلك ستتحمل أي رد فعل عنيف، وهو نمط مألوف بشكل مؤلم لإدارة بايدن.

وفي الواقع، بالنظر إلى الماضي، يبدو أن بايدن وأقرب مستشاريه كانوا سلبيين بشكل غريب تجاه تضليل إسرائيل وتحديها، خاصة عندما يتعلق الأمر بحماية المدنيين الفلسطينيين.

ونقل كيركباتريك عن جيك سوليفان، مستشار بايدن السابق للأمن القومي، قوله إن بايدن ومستشاريه كانوا يناقشون سرا سبل كبح جماح إسرائيل. وقال: “داخل المكتب البيضاوي، طرحنا أكثر من مرة خيارات حجب الأسلحة وناقشناها”، ولكن باستثناء تعليق شحنة قنابل واحدة، “كان الرئيس دائما ما يؤجل هذا القرار، لأننا كنا نعتقد أننا على وشك التوصل إلى اتفاق” لإطلاق سراح الأسرى ووقف إطلاق النار. وأضاف سوليفان: “عندما ننظر إلى الأمر بموضوعية، يسهل إدراك فخ هذا النوع من التفكير”. وتابع: “سأقولها بصراحة، كان ينبغي علينا ممارسة المزيد من الضغط على إسرائيل لاتباع نهج مختلف”.

وكشف تحقيق كيركباتريك عن كيفية تغيير إسرائيل قواعد الاشتباك بعد هجمات حماس، وكيف استهدفت إسرائيل في الأسابيع الأولى من الحرب المدنيين، وبدون تردد، وهو ما كشفته التحقيقات الصحافية اللاحقة.

كما كشف التحقيق أن وزير الخارجية أنتوني بلينكن، عندما اجتمع مع نتنياهو بعد أيام من الهجمات، طلب السماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى غزة، بعد تهديد يوآف غالانت بمحاصرة القطاع ومنع الماء والكهرباء والطعام. إلا أن نتنياهو رفض، ولم يغير موقفه إلا عندما هدد بلينكن بإلغاء زيارة بايدن لإسرائيل. ووافق عندها على السماح بكميات قليلة من المساعدات الإنسانية عبر رفح القريبة من مصر. وطلب نتنياهو أن يظل هذا الأمر “الهامشي” سرا. وعندما قام بايدن بزيارته ثم غادر، تفاخر نتنياهو علنا بأنه تحدى الرئيس، وأعلن أن إسرائيل “لن تسمح بدخول المساعدات الإنسانية” من “أراضينا إلى قطاع غزة”.

كما أثارت سياسة الأرض المحروقة التي انتهجتها إسرائيل في هجومها قلق إدارة بايدن لأسباب عملية بحتة. فقد تولى بايدن وفريقه مناصبهم عازمين على استعادة الدعم الأمريكي، ولو رمزيا، لإقامة دولة فلسطينية في غزة والضفة الغربية. وقال مسؤولون سابقون إن بلينكن، خلال السنة الأولى من ولاية بايدن، تحدى نتنياهو قائلا: “لن يرحل أحد، مهما كانت رغبات البعض من كلا الجانبين، فكيف سينتهي هذا؟”.

وأضاف كيركباتريك أن كل من تحدث إليهم أصر على أن بايدن، وبغض النظر عن المؤشرات التي ظهرت لاحقا على تراجع قدراته الإدراكية، لعب دورا فاعلا في سياسة غزة. وتفاخر بأن خبرته في المنطقة تعود إلى أوائل السبعينيات، عندما زار إسرائيل بصفته سناتورا، وظل واثقا جدا من خبرته، لدرجة أنه كان غالبا ما يتعالى حتى على كبار مستشاريه، وأنه أحيانا كان يرفض مواقف بلينكن وسوليفان بفظاظة ويرفع صوته كما لو كان يوبخ أطفالا.

وأشار الكاتب إلى أن أيا في الإدارة لم يشكك في حق إسرائيل في الانتقام بعد الهجمات ولا في ضرورة الدعم الأمريكي لها. لكن بايدن استخدم زيارته في 17 تشرين الأول/أكتوبر إلى إسرائيل لدفع القيادة الإسرائيلية إلى تأجيل غزو غزة، خشية أن يتورط الجيش في رمالها، مما سيؤثر على عمليات الإفراج عن الأسرى. وناقش الأمريكيون أن القدرات العسكرية الأمريكية الدقيقة قادرة على قتل قادة حماس بدلا من غزو شامل.

قال عدد من مسؤولي إدارة بايدن إنهم طلبوا سرا من نتنياهو تحديد أهداف حربه في غزة. ورغم حديث الأمريكيين عن مجموعة من الأهداف في تشرين الثاني/نوفمبر، فإن نتنياهو تمسك بفكرة “النصر الشامل”. لكن إدارة بايدن توقفت عن محاولات الأخذ على يد نتنياهو، لأنه لم يكن يتحدث إليهم

ومن جهة أخرى، قال عدد من مسؤولي إدارة بايدن إنهم طلبوا سرا من نتنياهو تحديد أهداف حربه في غزة. ورغم حديث الأمريكيين عن مجموعة من الأهداف في تشرين الثاني/نوفمبر، فإن نتنياهو تمسك بفكرة “النصر الشامل”. لكن إدارة بايدن توقفت عن محاولات الأخذ على يد نتنياهو، لأنه لم يكن يتحدث إليهم، بل للرأي العام الإسرائيلي، على حد قول عاموس هوشستين، المستشار البارز في الإدارة.

وبينما كان بلينكن يحدد رؤية أمريكا لغزة ما بعد الحرب، كان نتنياهو يعارضها بالفعل. فقد أمرت إسرائيل بعمليات إجلاء مفتوحة من مدينة غزة تشبه التهجير القسري. ورفض نتنياهو أي دور للسلطة الفلسطينية في غزة. كما لوح باحتلال غزة، متعهدا بأن إسرائيل ستتحمل “المسؤولية العسكرية الكاملة” عن غزة بعد الحرب.

ومع مقتل أكثر من 70,000 فلسطيني، وتشريد معظم سكان غزة المتبقين، واحتلال الجيش الإسرائيلي لجزء كبير من القطاع، قوض الصراع المصلحة الأمريكية طويلة الأمد التي ادعت إدارة بايدن أنها تسعى لتحقيقها. وفي الولايات المتحدة، ألحقت حصيلة القتلى ضررا بالغا بالتعاطف الأمريكي التاريخي مع “الدولة اليهودية” في الانتخابات التمهيدية للكونغرس.

ونقل كيركباتريك عن كل من بلينكن وسوليفان شعورا بالندم، حيث قال بلينكن: “كيف لا يشعر المرء بالندم في ظل الخسائر الفادحة التي لحقت بالأبرياء من رجال ونساء وأطفال؟” لكنه كرر مقولة لبايدن: “شككوا في أحكامي، لا في دوافعي”.

وقال سوليفان إنه قضى ليالي طويلة يفكر فيما كان بإمكان الولايات المتحدة فعله بشكل مختلف.











كاريكاتير

إستطلاعات الرأي