لماجد البرهومي : حين تصنع الجغرافيا التاريخ… تونس في قلب المتوسط

2026-07-21 | منذ 3 ساعة

تونس - يشكل صدور كتاب «خريطة الطريق في سبر أغوار المضيق: قراءة في تأثير جغرافية مضيق صقلية في تاريخ وحاضر ومستقبل البلاد التونسية» لماجد البرهومي، الصادر عن دار خريف للنشر بتونس، مساهمة في الكتابات التونسية التي تتناول الجغرافيا السياسية، ويعيد طرح سؤال ظل حاضرا في تاريخ البلاد: ما الذي يمنح تونس مكانتها في محيطها الإقليمي والدولي؟ هل هي الثروات الطبيعية، أم التحالفات السياسية، أم الموقع الجغرافي الذي ظل عاملا ثابتا في مختلف المراحل التاريخية؟
ينطلق الكتاب من فكرة محورية ترى أن مضيق صقلية لا يمثل مجرد ممر مائي يفصل بين تونس وإيطاليا، وإنما فضاء جغرافي لعب دورا مؤثرا في تشكل موازين القوى في حوض البحر المتوسط عبر قرون طويلة. وانطلاقا من هذه الفكرة، يحاول المؤلف إعادة قراءة تاريخ تونس في ضوء علاقتها بهذا المضيق، معتبرا أن الموقع الجغرافي ظل عاملا أساسيا في صياغة التحولات السياسية والاقتصادية التي عرفتها البلاد.
وينعكس هذا التصور على بنية الكتاب، التي تنتقل من التاريخ إلى الحاضر ثم إلى المستقبل في تسلسل واضح. ففي فصل «قرطاج هبة المضيق» يتناول المؤلف تجربة قرطاج بوصفها دولة استفادت من موقعها لبناء نفوذها البحري والتجاري. ثم ينتقل في فصل «الأغالبة واستعادة المضيق» إلى المرحلة التي أعاد فيها الأغالبة ربط الضفة الجنوبية بالمضيق من خلال فتح صقلية، قبل أن يناقش في فصل «فقدان صقلية نهائيا» الآثار التي ترتبت على تراجع هذا النفوذ، وما انعكس عنه من تحولات في موقع تونس داخل المتوسط.
ويتابع البرهومي هذا المسار في فصول أخرى، مثل «انتقال مأساة صقلية إلى تونس «و»الصراع العثماني الإسباني»، حيث يتوقف عند التنافس الذي دار حول هذا الفضاء البحري بين القوى الإقليمية والدولية. كما يخصص مساحة للحديث عن شخصيات وأحداث محلية، من بينها دور حمودة باشا في مرحلة يصفها بإعادة الهيبة، في سياق إبراز المحاولات التي شهدتها البلاد لاستعادة دورها انطلاقا من إدراك أهمية موقعها.

ولا يقتصر الكتاب على القراءة التاريخية، بل ينتقل إلى تناول المرحلة الحديثة والمعاصرة من خلال فصول مثل «المضيق والاحتلال الفرنسي» و»المضيق ومعركة الجلاء»، حيث يناقش العلاقة بين السيطرة الاستعمارية وأهمية المواقع الاستراتيجية. كما يتناول التحولات التي شهدتها التجارة العالمية بعد افتتاح قناة السويس، وما ترتب عليها من تغير في مكانة البحر المتوسط، وتجدد أهمية مضيق صقلية ضمن طرق الملاحة الدولية.
وفي الفصول الأخيرة يناقش المؤلف عددا من القضايا الراهنة، من بينها «الأهمية الاقتصادية وآفاق المستقبل» و «معضلة الهجرة عبر المضيق»و»مقترحات لربط القارتين». وفي هذه الفصول ينتقل من التحليل التاريخي إلى طرح تصورات تتعلق بإمكانات الاستفادة من الموقع الجغرافي لتونس، سواء في مجالات التجارة والطاقة أو في تعزيز التعاون الاقتصادي بين إفريقيا وأوروبا، انطلاقا من رؤية تعتبر أن الموقع يمكن أن يتحول إلى عنصر فاعل في التنمية إذا ارتبط بسياسات واضحة.

وتتصل هذه الرؤية بخلفية مؤلف الكتاب ماجد البرهومي، وهو رجل قانون وكاتب وباحث سياسي من مواليد تونس العاصمة، جمع بين التدريس الجامعي وممارسة المحاماة، وأسهم في تأسيس مركز بحثي متخصص في الدراسات الاستراتيجية. كما نشر عددا من الدراسات والمقالات السياسية في الصحافة التونسية والعربية، وأصدر مؤلفات تناولت قضايا سياسية وفكرية، من بينها «بورقيبة الحاضر الغائب» و»معضلة الديمقراطية في ليبيا»، وشارك في الكتاب الجماعي «القضية الفلسطينية في مائويتها الثانية: من سايكس بيكو إلى الربيع العربي». ويظهر هذا الاهتمام بقضايا السياسة والتاريخ في الكتاب من خلال الربط بين المعطيات القانونية والتاريخية والجيوسياسية.

ويبرز في مختلف فصول الكتاب اهتمام واضح بإعادة لفت الانتباه إلى أهمية الموقع الجغرافي في تشكيل الخيارات السياسية للدول. وفي هذا السياق يناقش المؤلف التصورات التي تقلل من أثر الجغرافيا في رسم السياسات الوطنية، ويرى أن إدراك عناصر القوة المرتبطة بالموقع يمنح الدولة قدرة أكبر على إدارة علاقاتها الخارجية وتحسين موقعها التفاوضي. وتمثل هذه الفكرة أحد المحاور التي تتكرر في أكثر من موضع، وتشكل الإطار الذي تنتظم داخله بقية موضوعات الكتاب.
أما من الناحية الأسلوبية، فيجمع البرهومي بين السرد التاريخي والتحليل السياسي بلغة تميل إلى الوضوح، مع حضور نبرة مباشرة في عدد من المواضع، وهو ما يجعل الكتاب موجها إلى القارئ العام بقدر ما يخاطب المهتمين بالشأن السياسي. وقد يختلف بعض القراء مع بعض الاستنتاجات التي يطرحها المؤلف أو مع درجة الاعتماد التي يمنحها للعامل الجغرافي في تفسير التحولات التاريخية، إلا أن ذلك لا يمنع من أن الكتاب يفتح بابا للنقاش حول موقع تونس في محيطها المتوسطي، وعلاقة هذا الموقع بالسياسات التي اعتمدتها الدولة في مراحل مختلفة.

وفي مجمله، يقدم «خريطة الطريق في سبر أغوار المضيق» قراءة تنطلق من الجغرافيا لفهم تاريخ تونس وحاضرها، وتربط بين الموقع الجغرافي والتحولات السياسية والاقتصادية التي شهدتها البلاد. كما يثير أسئلة تتعلق بكيفية توظيف هذا الموقع في المستقبل، في ظل التنافس المتزايد على الممرات البحرية والمواقع الاستراتيجية. وبين استعراض المحطات التاريخية وقراءة التحولات الراهنة، يطرح الكتاب رؤية تدعو إلى إعادة النظر في مكانة تونس داخل الفضاء المتوسطي، وإلى التعامل مع الجغرافيا باعتبارها أحد العناصر المؤثرة في صياغة خيارات الدولة وموقعها في الإقليم.

 











كاريكاتير

إستطلاعات الرأي