
هل جرّبت يومًا أن تُخصِّص 10 دقائق فقط للقلق؟ نعم كما قرأت، بدلًا من القلق الذي يكاد يلتهم عقلك كلّ يوم، والذي ربّما يطارِدك عندما تستيقظ من نومك وفي عملك، وحتى لا يفارِقك عند نومك، جرِّب أن تُخصّص له مُدّة في يومك، بحسب الرجل.
الفكرة كلّها أن تخصيص مُدّة للقلق تسحبه تلقائيًا من بقيّة يومك، الذي تحتاج فيه إلى طاقتك الذهنية كاملة، وهذه التقنية النفسية تُعرَف "بجدولة القلق"، ولكن كي تستفيد منها حقًا في تخفيف قلقك، لا بُدّ أن تُتقِنها، فكيف تُضحِّي بدقائق من يومك للقلق مقابِل ساعات من الصفاء الذهني؟
ماذا تعني جدولة القلق؟
استنادًا إلى مبادئ العلاج السلوكي المعرفي (CBT)، الذي يستهدِف طرق التفكير غير المفيدة وأنماط السلوك السلبية، فإنّ جدولة القلق هي تخصيص مساحة زمنية صغيرة كلّ يوم للتركيز على الأشياء التي تشعر بالتوتر بشأنها.
نعم أنت لا تتجنّب الأفكار المُقلِقة، بل تُخصِّص لها وقتًا مقصودًا من يومك، ولا تسمح لها بالهيمنة على يومك أو أن تظلّ مُستَولية على تفكيرك.
تقول "كاتي مورتون" المعالجة المرخّصة للزواج والأسرة: "بدلًا من محاولة قمع الأفكار القلقة طوال اليوم، التي غالبًا ما تأتي بنتائج عكسية، يمكنك احتواؤها عبر تأجيلها إلى نافذة زمنية مُخصّصة".
كيف تعِيد جدولة القلق تشكيل عقلك؟
جدولة القلق ليست مُخصّصة فقط للأشخاص الذين يعانون التفكير المفرط، بل يرى الخبراء أنّ الممارسة المستمرّة لتلك الجدولة قد تغيّر الطريقة التي تستجيب بها أدمغتنا للقلق، فكُلّما تدرّب المرء على احتواء الأفكار باختيار وقتٍ مُخصّص لها، شعر بأنّها أقل إلحاحًا ولم تستهلِك طاقته الذهنية كما يحدث في العادة.
كيف تستعيد جدولة القلق راحتك الذهنية والجسدية؟
تتضمّن بعض الفوائد المتوقّعة من جدولة القلق:
1. تقليل الوقت الذي يضيع في القلق
تساعد جدولة القلق على تقليل الوقت الذي تقضيه في القلق بشأن أمورٍ خارجة عن سيطرتك، بما يجعلك أكثر كفاءة في عملك أو مهامك خلال اليوم.
تقول الطبيبة النفسية السريرية والأستاذة في جامعة يشيفا "سابرينا رومانوف": "الفائدة النهائية لوقت القلق الحصول على مزيدٍ من الوقت والطاقة للتركيز على مجالات مهمة أخرى من حياتك كان يستهلكها القلق سابقًا".
2. الفاعِلية في الحياة
إذا هيمن القلق عليك، فقد يسحبك إلى دوّامة لا تنتهي من الأفكار، وجدولة القلق ليست مُخصّصة فقط للتفكير في مخاوفك، بل لمراجعتها أيضًا وسؤال نفسك عمّا إذا كان بإمكانك فعل شيء لتغيير الواقع، أو ما إذا كان هذا القلق تحت سيطرتك أم لا، ولو كان جوابك بالإيجاب، فأنشِئ خطة عمل وتابِعها، وأمّا لو كان الجواب نفيًا، فتدرّب على قبول الواقع ومحاولة عدم الانشغال بما ليس تحت سيطرتك.
3. حماية جسمك من أخطار القلق
القلق والتوتر مترابطان، وربّما يصحب كلٌ منهما الآخر، وبالتأكيد تلاحِظ زيادة ضربات قلبك عندما تكون متوترًا، وهذا أحد التأثيرات الفسيولوجية له.
ولكن التوتر المتكرّر أو المستمرّ لفترات طويلة من الزمن قد يضرّ صحتك بالفعل؛ إذ قد يُسهِم في مشكلات صحية، مثل:
وقد يساعد تقليل مستويات التوتر عبر جدولة القلق على تقليل احتمالية الإصابة بهذه المشكلات الصحية.
خطوات تطبيق التقنية خلال اليوم
كي تُتقِن جدولة القلق وتجني ثمرتها، يُنصّح باتّباع الخطوات الآتية
1. خصّص مُدّة زمنية وحافظ على الاتساق
حدّد نحو 15 إلى 30 دقيقة يوميًا لوقت القلق، وفكّر في ضبط مؤقّت لتذكيرك بانتهاء الجلسة، ويُنصَح باختيار الوقت والمكان نفسهما كلّ يوم للقلق.
2. اختر مكانًا غير مريح
اختر مكانًا، مثل كرسي صلب أو مقعد؛ إذ تقلّ احتمالية بقائك لفترة أطول من وقت قلقك، وتجنّب الأماكن المريحة، كالسرير أو الأريكة، كي لا ترتبط في ذهنك بالقلق.
3. فضِّل المساء
ربّما من الأفضل جمع همومك في المساء في الساعة السادسة مثلًا؛ إذ غالبًا ما تكون مشغولًا خلال النهار، ولا يُنصَح بالطبع بجدولة القلق قبل النوم.
4. احتفِظ بمخاوفك لهذا الوقت
إذا انتابك قلق لأي شيءٍ خلال النهار، فمن المهم تأجيل التعامُل مع هذا القلق حتى يأتي موعده المُحدّد مسبقًا ضمن خطتك لجدولة القلق، وأفضل ما يمكنك فعله هو كتابة ما يُقلِقك للاطلاع عليه لاحقًا في الموعد المناسِب.
5. أنت مُعالِج نفسك
بينما تعالِج قلقك خلال الفترة المُخصّصة، سَلْ نفسك هل بيدك شيء تفعله لتغيير ما يُقلِقك؟ إنْ كانت لديك القدرة على تحقيقه، فاكتب الحلّ وفكّر في كيفية تحقيقه، أمّا لو كان خارجًا عن سيطرتك، فحاول أن تتقبّله وتتخلّ عن التفكير عنه مستقبلًا.
ولو كُنت تواجِه صعوبة في ترك التفكير فيه، فربّما يفِيدك كتابته على قطعة من الورق، ثُمّ تمزيقها والتخلّص منها.
6. استغلّ الأنشطة الأخرى المُسبّبة للقلق خلال هذا الوقت
أيضًا يمكنك الاستفادة من التوقيت المُخصّص للقلق في ممارسة الأنشطة التي تُسبّب لك التوتر، مثل قراءة الأخبار، كي لا يتبدّل مزاجك خلال اليوم.
7. استعِدّ للخروج من وقت القلق
هُنا الجزء الصعب؛ إذ ليس يسيرًا أن توقِف مخاوفك بعد مرور 15 إلى 30 دقيقة فحسب، وربّما ينبغي أن تخطّط مسبقًا لنشاطٍ تلقائي تفعله حين ينتهي مؤقِّت القلق خاصّتك، كالاتصال بصديق، أو مشاهدة برنامجك المفضل، أو الاستماع إلى بودكاست، أو قراءة كتاب، أو أيًا ما تشاء.
الأخطاء التي تقلّل فاعلية جدولة القلق
ربّما تتحمّس الآن لتخصيص وقت من يومك للقلق، ولكن لو لم تُمارِس تلك الطريقة بشكلٍ صحيح، فقد لا تستفِد منها كما يجب، فثمّة بعض العادات التي قد تحد من فاعلية تلك الطريقة، مثل:
خلاصة القول لا تهرُب مِمّا يُقلِقك، بل خصِّص له وقتًا من يومك، ودوِّن على مدار اليوم كلّ ما أزعجك، وعندما تحين المُدّة التي خصّصتها، عالِج مخاوفك على حدة، وضع حلولًا لما أمكن حلّه، وتقبّل ما لا تستطيع التحكّم فيه، فليس الهدف من جدولة القلق أن تقلق فقط، بل أن تجِد الحلّ المناسِب.