
تُرى هل يمكِن أن يخون المرء ذاته؟ بينما يتلقّى المرء ثناءً من الشريك، وأفعال الحبّ تنهال عليه كل يوم، وربّما يبادِل ذلك أيضًا بثناءٍ أو كلمة شُكر أو أفعال حبٍ مماثلة، ولكن هناك في النفس شكّ وحرب داخلية يواجِه فيها المرء ذاته؛ إذ لا يدور برأسه حينها إلّا أنّه لا يستحقّ الثناء أو أفعال الحبّ تلك، وربّما يعتقد أنّ الشريك يستحق من هو أفضل منه، رغم أنّه بالفعل يُعطِي كل ما لديه في العلاقة، بحسب الرجل.
نعم هو يشعر بأنّه محتال ويخدع الشريك رغم أنّه ليس كذلك، وهذا ليس شيئًا خياليًا، بل يُعرَف "بمتلازمة المحتال" فكيف تبدأ كُرة الثلج التي تُوشِك أن تسقط على العلاقة الزوجية؟ والأهم كيف يتخلّص المرء من شكّه الذاتي؟
ماذا تعني متلازمة المحتال؟
متلازمة المحتال العاطفية هي الشعور بأنّ ما تُقدّمه ليس كافيًا لشريكك، حتى لو لم يكُن هناك دليل يؤيّد فرضيّتك، وربّما ينتابك قلق من أنّ عيوبك ستنكشف في النهاية، أو ربّما تسأل نفسك عن سبب المحبّة التي يُكنّها الشريك لك -فأنت ترى نفسك لا تستحق هذا الحب- أو حتى تشعر أنّك بحاجةٍ إلى بذل جهد مستمر للحفاظ على مكانتك لدى الشريك.
فمتلازمة المحتال هي شكل من أشكال الشكّ الذاتي، ما يجعلك خائفًا معظم الوقت من أن يتركك الشريك رغم أنّك تبذل كلّ ما تستطيع بالفعل، وربّما كُنت شخصًا لا يجود الزمان بمثله مرتين.
صحيح أنّ مفهوم متلازمة المحتال أكثر شيوعًا في العمل، بما يتضمّنه من الشكّ في مهارات الفرد ومواهبه وإنجازاته، رغم أنّه كفء ويستحقّ مكانته بالفعل، ولكنّه قد يحدث في العلاقات الزوجية أيضًا.
علامات متلازمة المحتال العاطفية داخل العلاقات
قد لا تدرِك أنّ متلازمة المحتال لديك، وربّما تظنّ أنّ الأفكار التي تجول بخاطرك والتي تقلّل فيها من شأن نفسك أو ما تقدّمه طبيعية، ولكن كي تتيقّن من أنّ المتلازمة موجودة لديك أم لا، فهذه أهم العلامات:
1. الإحساس بعدم الجدارة
قد تشعر بأنّ ما تفعله غير كافٍ أبدًا، وتبذل كلّ ما لديك كي ترى نفسك جديرًا بالاهتمام، وربّما في هذا السبيل تقلّل من قِيمة نفسك، بينما تُعلِي من شأن شريكك، وحتى قد تظنّ أنّ الشريك يستحق شخصًا أفضل منك.
2. التركيز على أوجه القصور
قد لا ترى نقاط قوّتك جيدًا، وتركّز بكثافة على أوجه القصور التي تتصوّرها عن نفسك، ومِنْ ثمّ أنت ترى نفسك عبئًا على العلاقة في بعض الأحيان، ولست على قدم المساواة مع شريكتك.
3. الخوف من أن ينكشف أمرك
دائمًا يراوِدك حديث النفس عن أنّك لست كافيًا، ومهما فعلت فإنّ الشريك قد يجد من هو أفضل منك، ومِنْ ثمّ فكأنّك تتظاهر من الخارج بأنّ كل شيءٍ على ما يُرام، بينما يكاد القلق والشكّ يلتهمان ذاتك، وأنت تخاف أن يكتشف شريكك ذاتك الحقيقية ويجدك غير كفء -في تصوّرك-.
4. الشكّ في الشريك
نعم إذا كُنت لا تجد أنّ ما تفعله له قِيمة حقيقية، فقد تشكّ في مشاعر الشريك تجاهك، فبينما أنت تُقدِّم كلّ ما لديك، وترى أفعال ونظرات الحبّ في عينَي الشريك، فقد تشكّ في أنّه يخدعك؛ إذ إنّك ترى نفسك غير مُستحق لهذا الحبّ، وأنّك مهما فعلت فأنت لا تستحق ذلك.
والنتيجة أنّك قد تشعر بعدم الأمان، كأنّ الشريك يحاول خداعك بإظهار مشاعر الحب، أو ربّما تتفاقم الغيرة لديك من الآخرين في حياة الشريك.
5. انتظار الأسوأ
في غياهب النفس وأعماقها قد لا تشعر بأنّك تستحق الحصول على أشياء جيدة، وربّما تنتظر أن تفقدها إن حصلت عليها حتى، ففي حالة متلازمة المحتال والشكّ في الذات، ليس من المنطقي أن تأمل في المستقبل.
الأسباب الخفيّة وراء متلازمة المحتال
بالتأكيد لم تنشأ متلازمة المحتال فجأة، وربّما يكون بعض الأشخاص أكثر عرضةً للإصابة بها، كما في حالة:
1. الإحساس بعدم الأمان
ما لم يكُن المرء شاعِرًا بالأمان تجاه نفسه، فقد يُشكِّك في قِيمة ذاته ويرى أنّه غير جدير بالحب، وإذا كان في علاقة زوجية بالفعل، فهو يتعامل مع الشريك كما يتعامل مع ذاته، فلا يشعر بالأمان أيضًا ويواجِه صعوبة في الانفتاح في الحوار مع الشريك والثقة به.
2. الميل نحو الكمال
يميل بعض الناس بطبيعتهم إلى الكمال في كلّ شيء، وهم أكثر عرضةً لمتلازمة المحتال، لأنّهم لا يرقون أبدًا إلى مستوى توقّعاتهم غير الواقعية لأنفسهم، ما يجعل دائرة الشكّ الذاتي تحاصِر نفوسهم.
ولكن ربّما كانت جذور تلك الميول نحو الكمال منشؤها الطفولة؛ إذ لو كان الآباء قاسين للغاية وعاقبوا المرء عندما كان طفلًا على ارتكاب الأخطاء، أو حتى كان الأبوان نفسَيهما بميولٍ كمالية، فمن المُرجّح أن يكتسب المرء تلك الميول أيضًا وربّما تنمو معه حتى بعد البلوغ.
3. الناجحين
أظهرت دراسة عام 2022 في المجلة الأسترالية الآسيوية للفلسفة "Australasian Journal of Philosophy" أنّ متلازمة المحتال في العلاقات تميل إلى إصابة المحبوبين والناجحين جدًا؛ إذ الأشخاص الذين يرون أنفسهم محتالين، يميلون إلى الاعتقاد أنّ الحظ هو سبب الأمور الجيّدة التي تحدث لهم، وليس قدراتهم الخاصّة.
وهذا قد يحدث في العلاقة إذا ظنّ المرء أنّه حظى بشريكٍ جيّد لمجرّد الحظّ فقط.
كيف تتجلّى متلازمة المحتال في العلاقة الزوجية؟
صور كثيرة ومواقِف يوميّة متنوّعة بين الأزواج تترك فيها متلازمة المحتال بصمتها، ومن أهم علاماتها على سبيل المثال لا الحصر، حسب موقع "Marriage":
1. تحجيم الحميمة العاطفية
ما دام المرء يشكّ في ذاته، فكيف يكون منفتحًا مع الشريك، حتى لو كان يولِيه ثقته الكاملة؟ ففي خيال المصاب بمتلازمة المحتال أنّه لا يرِيد أن يصِيب شريكه بخيبة أمل، فيتراجع عن مشاركة مخاوفه أو أحلامه، ولو كان الحوار اليومي مقتصِرًا على الطلبات أو الأمور المُعتادة وخاليًا من التعبير عن المشاعر أو الأحلام، فمتى تنمو الحميمة العاطفية؟
ولكن المشكلة أيضًا أنّ عندما يحاوِل المرء إخفاء أشياء عن نفسه، فقد يشعر الشريك بذلك ولو لم يصرّح به، ومِنْ ثمّ فقد تبدأ فجوة عاطفية بين الزوجين في التشكّل، وربّما تتسع.
2. الإفراط في العطاء في كلّ شيء
من يعاني متلازمة المحتال قد يستجيب بناءً على ما في داخله وليس ما حوله، ومِنْ ثمّ فقد يُفرِط في العطاء أو الشرح أو العمل على تحسين العلاقة، وربّما يبدو هذا جيدًا للوهلة الأولى، ولكنّه يستنزف المرء ويتركه مرهقًا بنهاية المطاف.
وكذلك قد يُرهَق الشريك، فقد لا يستطيع مجاراة هذا العطاء مهما فعل على الأرجح، وربّما هذا العطاء المفرِط يُخفِي قلقًا أعمق من أنّ المرء لو بقي على طبيعته فهو لن يكون كافيًا للشريك -رغم أنّ الواقع قد يُكذّب ذلك-.
3. تضخيم الخلافات
طبيعيٌ أن يقع سوء فهم بين الأزواج بين الحين والآخر، ولكن قد يرى المصاب بمتلازمة المحتال أنّ سوء الفهم الصغير دليلًا على أنّه "فاشل" أو أنّ العلاقة هشّة.
وبدلًا من أن يضع الخلاف في حجمه الطبيعي، يُفسِّره على أنّه خطأ في ذاته، ما يجعل الخلافات تكبر ويعسر حلّها؛ إذ قد يشعر المرء حينها بالذعر أو ينتظر ما هو أسوأ، بينما يرتبك الشريك إزاء ردّة الفعل الشديدة تلك أمام سوء فهم صغير لم يستدعي كلّ ذلك من البداية.
4. عدم الشعور بدفء الحب
عندما يعتقد المرء أنّه غير جدير بالحب، فقد ينظر بعين الشك إلى من يعامِله بلُطف أو يُثنِي عليه، حتى لو كان الشريك، فقد يتجاهل المرء المجاملات أو يفترض أنّ الشريك لا يقصد حقًا ما قاله، فيظلّ الفرد حبيس حلقة مؤلِمة؛ إذ يتطلّع إلى حبٍ يروي عاطفته بينما إذا أتاه هذا الحبّ دون عناء شكّ فيمن أهدى إليه هذا الحب، فلا يشعر المرء بالرضا أبدًا.
5. تآكل الثقة ببطء
ليت الشكّ يكون مقتصرًا على الذات فقط، بل إنّه يمتدّ ليشمل العلاقة ككل، فقد يتساءل المرء عمّا إذا كان شريكه يبالِغ في مشاعره التي يبدِيها، أو ربّما يخفِي خيبة أمله ولا يُظهِرها، أو حتى قد يُطلِق أحكامه على المصاب بمتلازمة المحتال سرًا.
وما دام هذا الحديث النفسيّ دائرًا طوال اليوم، فقد يكون من الواقعي الإنصات إلى الصوت الداخلي، مقارنةً بطمأنة الشريك المستمرّة.
وحتى لو كانت الأمور بخيرٍ في الظاهر، فإنّ الثقة بين الزوجين قد تضعف ببطء، فالشكّ الذي يسري في النفس لا يظلّ قابعًا فيها.
كيف تتجاوز متلازمة المحتال وتستعيد الثقة الذاتية؟
إذًا متلازمة المحتال في صميمها شكٌ في الذات على الأرجح، وهذا الشكّ هو ما اتّسع نطاقه ليؤثِّر في العلاقة الزوجية، ولكن الحلول ليست فقط بتعزيز الثقة بالنفس، فربّما كان المرء ناجحًا بالفعل سواء في علاقته أو في عمله، وإنّما بإعادة التذكير بنقاط القوّة لديه ومواجهة أفكاره إضافةً إلى بعض الأمور الأخرى كما يتضح فيما يأتي:
1. ارصد مُحفِّزات المتلازمة
كُن واعيًا بذاتك جيدًا، وارصد المواقف التي تثِير في داخلك أفكار الشكّ الذاتي، فكُلّما كُنت أكثر وعيًا بمحفّزاتك، ستكون مستعدًا في المرة القادمة للتعامل معها أو تجنّبها ابتداءً.
2. استبدال الأفكار غير المُفِيدة
لا تقبل الأفكار التي تُقلّل من شأنك وتتعامل معها على أنّها حقائق، وابحث عن أفكار بديلة لها، فبدلًا من التفكير في أنّ الشريك يستحق أن يكون مع شخصٍ أفضل، فكّر في أنّك تستحقّ بالفعل ما يمنحه لك الشريك، ولا بأس أن تُذكّر نفسك بما تُقدِّمه أنت أيضًا في العلاقة.
3. ركّز على نقاط قوتك
أعِد تذكير نفسك مرارًا وتكرارًا بنقاط قوّتك وما يُميّزك عن غيرك، وربّما يمكنك كتابة قائمة بنقاط قوّتك وقراءتها كل يوم؛ فهذا قد يعزّز الثقة الذاتية.
4. أخبِر شريكك بمخاوفك
ما دام صدر الشريك رحبًا لشكواك، فابدأ حوارًا مفتوحًا وناقِش مخاوفك معه، واشرح كيف يظهر الشكّ الذاتي في بعض سلوكاتك خلال اليوم، حتى يمدّ لك الشريك يد العون في التعامُل مع متلازمة المحتال.
5. تخلّ عن الكمال في كل شيء
الميل نحو الكمال من أسباب متلازمة المحتال، فأنت تضغط على نفسك لتكون مثاليًا في كلّ الأوقات، وعندما تخفِق في ذلك -وبالطبع ستُخفِق- تشعر وكأنّك مُحتال، لذا تخلّص من الحاجة إلى الكمال، فأنت تنمو مع الشريك وتتعلّمان معًا كل يوم، وتحقّقان إنجازات أحيانًا وتخفقان أحيانًا أخرى، وما يُشكّل علاقتكما في النهاية محطّات النجاحات والإخفاقات وليست النجاحات وحدها، كما أنّ الأخطاء فُرصة للتعلّم وليست عيبًا على الدوام.