
في منطقة العامري بولاية منوبة شمال غرب العاصمة تونس، يواصل المزارع حسن الشتيوي خوض تجربة إثبات جدارة أصناف قديمة جدا من الحبوب، عبر استمراره في بذرها عملا بوصية أبيه.
ذلك النهج لا يتوافق مع توجهات السلطات التونسية التي تشجع المزارعين على بذر أصناف أخرى من الحبوب، تقول وزارة الفلاحة إنها أكثر إنتاجا، لكن شتيوي (في العقد السابع من العمر) له رأي آخر.
الأناضول زارت الشتيوي في إحدى مزارعه بالعامري، ووجدته يقوم بتنقية الحبوب من الشوائب، ويمسك سنابل من شتلتي البسكري وجناح الخطيفة المحليتين (صنفان من القمح).
يقول المزارع للأناضول: "أمتلك عدة مزارع في أكثر من منطقة، لكنني أنحدر من بلدة الوردانين في ولاية المنستير (شرق)".
وعن تجربته يضيف: "أنا من التونسيين الذين أرادوا المحافظة على البذور التونسية الأصلية، والفكرة جاءت بالإرث عن طريق والدي الذي أوصاني بعدم زراعة بذور غير تونسية".
ووفق المزارع، فإن "البذور المستوردة دخلت تونس منذ التسعينات، مثل القمح والشعير والقصيبة (مخصصة للعلف تستهلك خضراء وجافة)، وهناك بذور منتوجات فلاحية دخلت تونس قبل التسعينات مثل بذور البطيخ وغيرها".
وعن سبب تمسكه بالقديم، يقول الشتيوي: "مررنا بسنوات جفاف صعبة، فاخترنا استرجاع البذور الأصلية برمتها".
ويضيف: "كنا نبحث عن أي بذرة أصلية تصلنا أخبار عنها في أي منطقة من تونس، ونأخذ الكمية المتوفرة حتى لو قليلة".
** الطبيعة تعطينا دائما
وعن إحدى تجاربه، يقول: "في العام 2019 تعرفنا على مدير عام بنك الجينات (حكومي/ لم يسمه)، وأعطانا بعض البذور الأصلية، لنتحصل على أكثر من 100 نوع من القمح والشعير والقصيبة والذرة".
ويُعرِّف الشتيوي البذور الأصلية بأنها "قديمة محلية، وهي البذور التي كانت موجودة قبل الاستقلال (في العام 1956)".
ويضيف أن "الطبيعة تعطينا دائما الجديد، فزراعة البسكري (قمح محلي)، وجناح خطيفة (قمح محلي) يمكن أن يعطينا نوعا جديدا".
ويعدد المزارع أصنافا من بذور القمح التونسية الأصلية، مثل "البسكري، وجناح خطيفة، والبيدي، وورد البلاد، والهذبة، وصبع علجية، والعويجة، والحميرة".
ويتابع: "في الشعير هناك أيضا عدة أنواع مثل الريحان، والنبي، والسويحلي، والعرضاوي، وفريقا، وعربي".
ويضيف: "نفس الشيء في القمح اللين، هناك عدة أنواع، وأهمها القالمة التي يطلق عليها ذيل البغل، وهي أحسن الأنواع، وقد تكون التسمية بهدف إبعاد الناس عنها".
ويعتبر الشتيوي أن "البذور المحلية تم إقصاؤها بالقانون 42 (الصادر عام 1992) الذي حدد الحبوب بأنواع مرخصة وأخرى غير مرخصة، أي منتجات معترف بها من وزارة الفلاحة، وأخرى غير معترف بها".
ويُفسر أكثر بالقول: "أصبحت لدينا وفق هذا القانون منتجات يتم تداولها وإجراء البحوث حولها، وأخرى عير مرسمة في السجلات الرسمية، مثل البسكري وجناح خطيفة وغيرها".
** البذور المحلية وفيرة
المزارع يدافع عن إنتاجية البذور المحلية، بالقول: "نحن في 4 سنوات مضت لم ننتج اكتفاءنا الذاتي لعام واحد، وهو 33 مليون قنطار (القنطار 100 كيلو غرام) ما بين قمح وشعير، ووقعت أزمة أعلاف" .
ويضيف: "نحن نستهلك 10 ملايين قنطار من القمح اللين، وفي العام الماضي أنتجنا 500 ألف قنطار فقط، والباقي استيراد".
وعن مزايا تجربته يقول: "أنا أبذر 50 كلغ حبوب في الهكتار (الهكتار 10 آلاف متر مربع)، وليس 220 كلغ بالهكتار كما هو الحال في الحبوب المستوردة، ولا أستعمل أسمدة كيمياوية لأن إنتاجي بيولوجي".
ووفق المزارع، فإن "البذور المحلية تعطينا مادة علفية وفيرة، فالهكتار يعطيني 300 أو 350 حزمة تبن، ونحو 30 قنطارا من الحبوب، وهو إنتاج جيد".
وعن الاهتمام بالمنتوجات، يقول الرجل إنها "أصبحت مطلوبة من العالم وليس من التونسيين فقط، وربما نصل العالمية".
ويؤكد أن "المهتمين بتجربتي من كندا والولايات المتحدة وإيطاليا وبالأخص العراق يتواصلون معي عبر المنصات، للتعبير عن إعجابهم بإعادة زراعة البذور الأصلية".
ويضيف في هذا السياق: "يتصل بي كثيرون، منهم أطباء مهندسون وباحثون من العالم، وكذلك بعض الذين عندهم مشاكل صحية، إذ ينصحهم الأطباء بالقمح البيولوجي".
** شعير الرسول
وحول محاكاة تجربته، يقول: "يتصل بي أناس للحصول على البذور المحلية التي أنتجها، من مناطق جربة (جنوب شرق)، وبن قردان (على الحدود مع ليبيا)، إلى بنزرت (شمال)، ومدنين (جنوب شرق)".
ووفق قوله، فإنه أعاد "إنتاج قمح كان يبذره سيدنا يوسف عليه السلام، وشعير كان يأكل منه الرسول محمد صلى الله عليه وسلم".
ويشير إلى أن "الحنطة كان يأكل منها الفراعنة، والتي يقول الباحثون إنهم وجدوها في الأهرامات".
ويتابع الشتيوي: "هم أرادوا إعطاءها بعدا تاريخيا، لكن أصلها تونسي، وتونس كانت تصدر القمح".
ويضيف: "إذا عدنا للأصل سنصبح الأوائل في إنتاج غذائنا، والتونسي سيحافظ عليها لأن منتوجنا أفضل من المستورد، ولن نجد أزمة أعلاف".
ويحذر من أن "البذرة الهجينة والمحسنة جينيا لم يعد لها حظ في زمن التغيرات المناخية، وسيأتي يوم تكون لديك أموال، ولكن قد تقتل من أجل خبزة".
ويختتم المزارع حديثه بالقول: "لابد من العودة إلى البذور الأصلية لأنها تقاوم الاحتباس الحراري والأمراض، وتعطي إنتاجا في كل الأحوال".
** موقف رسمي
ومنتصف مايو/ أيار الماضي أكّد مدير المعهد الوطني للبحوث الزراعية بتونس منذر بن سالم، في مقابلة إذاعية، أن "الأصناف المستنبطة من قبل المعهد تشمل 138 صنفا من حبوب القمح الصلب واللين والشعير".
كما تشمل 17 صنفا من البقوليات الغذائية على غرار الفول والحمص والعدس، و31 صنفا من الأصناف العلفية والرعوية، وصنفين من الزراعات والصناعية.
وبيّن ابن سالم "أن 80 بالمئة من البذور الممتازة المسوقة في تونس خلال موسم 2025/ 2026، هي من الأصناف المستنبطة من قبل المعهد الوطني للبحوث الزراعية، وذلك بعد إبرام 66 عقد استغلال تجاري منذ سنة 2017".