
تُصنف الخيانة الزوجية دائمًا كواحدة من أكثر الهزات الارتدادية تدميرًا في تاريخ أي علاقة عاطفية، فالألم المرتبط بها لا يتوقف عند حدود الصدمة، بل يمتد ليزعزع الأمان النفسي، ويترك الشريك المخدوع في مواجهة عاصفة من القلق وفقدان الثقة، بينما يغرق الطرف الآخر في ممرات الخزي والذنب الشديدين، بحسب الرجل.
ومع ذلك، تفجر دراسة حديثة نُشرت في "مجلة العلاج الجنسي والزواجي" مفاجأة من العيار الثقيل، حيث تكشف أن الأزمات العاطفية العنيفة قد لا تعني بالضرورة نهاية المطاف، بل قد تكون في بعض الأحيان فرصة غير متوقعة لإعادة بناء علاقات أكثر نضجًا وقوة.
وقادت هذا البحث كاثي نيكرسون، الأخصائية النفسية السريرية المرخصة ومؤلفة كتاب "شجاعة البقاء"، بالتعاون مع الخبير النفسي الشهير الدكتور جون غوتمان وآخرين، ليفككوا معًا واحدة من أعقد المعضلات الإنسانية.
لماذا لا تنتهي بعض العلاقات رغم الخيانة؟
تقول كاثي نيكرسون: "بصفتي أخصائية نفسية، قضيت أكثر من 25 عامًا في العمل مع الأزواج الذين يتعافون من الخيانة الزوجية، خلال تلك الفترة، لاحظتُ فجوةً كبيرة بين ما يعتقده الكثيرون عن الخيانة وما كنتُ ألاحظه في عيادتي".
وتضيف نيكرسون لتسليط الضوء على هذه الفجوة: "غالباً ما تُصوّر الثقافة الشعبية الخيانة الزوجية على أنها نهاية العلاقة، أو دليل على أن الشخص الخائن لم يُحب شريكه قط، أو برهان على أن العلاقة لا يُمكن إصلاحها. ومع ذلك، اختار العديد من الأزواج الذين تعاملت معهم البقاء معًا، وفي بعض الحالات، أعادوا بناء علاقات ذات معنى ومرضية".
ولسد هذا التباين، صمم الفريق البحثي استبيانًا إلكترونيًا واسع النطاق يحمل اسم "استبيان مسارات الخيانة الزوجية"، شمل عينة ضخمة بلغت 3429 مشاركًا (منهم 1151 من الشركاء الخائنين و2278 من الشركاء المخدوعين)، شكلت النساء نحو 74% منهم.
واستخدم العلماء تقنية إحصائية متطورة تُعرف باسم "منهجية شجرة القرار" لتحليل هذه البيانات ورسم مسارات اتخاذ القرار في العالم الحقيقي.
كشفت التحليلات الإحصائية عن نسب بقاء مرتفعة للغاية فاجأت الأوساط الأكاديمية.
وتوضح نيكرسون في تصريحها لموقع "PsyPost": "من بين الذين أقاموا علاقات خارج إطار الزواج، أفاد 76% بإنهاء العلاقة والبقاء مع شريكهم الأصلي، وبالمثل، أفاد 79% من الشركاء الذين تعرضوا للخيانة بأنهم ما زالوا معًا".
ووفقًا للبحث، فإن لجوء علماء النفس لنظريات التعلق والالتزام يفسر هذا الصمود؛ فالإنسان يبحث عن الأمان العاطفي، كما أن الاستثمارات العملية كالأطفال والممتلكات المشتركة تشكل حوافز قوية.
وتؤكد نيكرسون أن حب الشريك الأصلي برز كأقوى مؤشر على المصالحة بنسبة بلغت 89% عندما يكتشف الطرف الخائن أنه لم يقع في حب الطرف الثالث، ما يثبت الصراع الداخلي، إذ إن 73% ممن خاضوا تجارب الخيانة أبلغوا عن شعورهم بالندم أثناء استمرارها.
بالنسبة للطرف المخدوع، كان الإطار الرسمي للعلاقة (كالزواج والخطوبة) هو المحرك الأساسي للبقاء، يليه مباشرة السلوك التصحيحي للشريك الآخر.
وتتمثل هذه الإجراءات في تقديم الطمأنة، والاعتراف بالمشاعر، وقطع الاتصال تمامًا بالطرف الثالث، والإجابة عن الأسئلة المعلقة؛ حيث ارتفعت نسبة النجاح هنا إلى 93%.
عوامل حاسمة في استمرار العلاقات
وحول النتيجة الأكثر غرابة في الدراسة، يقول نيكرسون: "لقد فوجئنا بأن حوالي 70% من الشركاء الخائنين و36% من الشركاء الذين تعرضوا للخيانة أفادوا بأن علاقتهم تحسّنت بعد الخيانة".
ويضيف موجهًا نصيحة هامة: "يجب تفسير هذه النتيجة بحذر، لكنها تُسلّط الضوء على أن بعض الأزواج يستغلون أزمة الخيانة كفرصة لمعالجة المشاكل المزمنة، وتحسين التواصل، وبناء علاقة أقوى".كيف يؤثر الإفراط في التفاصيل على التعافي؟
أطاحت نتائج الدراسة ببعض الفرضيات السابقة؛ فلم يظهر للتاريخ الشخصي من الصدمات النفسية في الطفولة أي تأثير ملموس على قرار الاستمرار.
أما المفاجأة المدوية فكانت في دور الدعم الاجتماعي؛ إذ تبين أن تلقي الشريك المخدوع لمزيد من الدعم من الأهل والأصدقاء قلل من احتمالية استمرار العلاقة، نظرًا لأن شبكات الدعم تبدي غضبًا دفاعيًا يدفع نحو الانفصال وتضخيم الشكوك.
أخيرًا، وجد الباحثون أن الإفصاح الكامل عن الحقائق ليس شرطًا حتميًا دائمًا؛ فالإفراط في كشف التفاصيل الدقيقة قد يغذي التفكير الوسواسي لدى الطرف المجروح، ما يجعل الكشف الجزئي الذكي، المقترن باحتواء عاطفي صادق، مسارًا أكثر أمانًا لترميم ما انكسر.