

في الغابات، لا يُقاس الصياد الماهر بعدد الأفاعي التي قتلها، بل بقدرته على التمييز بين الأفعى التي ينبغي القضاء عليها، وتلك التي يصبح بقاؤها أكثر نفعًا من موتها. فليست كل الأفاعي خطرًا يجب استئصاله؛ إذ إن بعضها، على ما يمثله من تهديد، يتحول إلى جزء من التوازن الذي يحكم الغابة نفسها، ويصبح وجوده عنصرًا من عناصر استقرارها لا اختلالها. وربما لا تختلف السياسة الدولية كثيرًا عن هذه القاعدة.
فالاعتقاد بأن الحروب تُشن دائمًا لإسقاط الخصوم هو أحد أكثر الأوهام شيوعًا في قراءة العلاقات الدولية. فالدول الكبرى لا تنظر إلى خصومها باعتبارهم أهدافًا ينبغي محوها بالضرورة، وإنما بوصفهم عناصر داخل منظومة مصالح أكثر تعقيدًا، قد يكون استمرار وجودهم، ضمن حدود يمكن التحكم بها، أكثر فائدة من غيابهم. ولهذا، كثيرًا ما يكون الهدف الحقيقي من الحرب ليس القضاء على الخصم، بل إعادة تعريف حدوده، وضبط سلوكه، ورسم السقف الذي يتحرك داخله.
ففي السياسة الدولية، لا يكون إسقاط الخصم دائمًا هو الغاية، فبعض الخصوم يُهزمون، وبعضهم يُدار، والفارق بين الحالتين هو الفارق بين الحرب بوصفها معركة، والحرب بوصفها أداة لإعادة تشكيل التوازنات.
ومن هذه الزاوية، تبدو المواجهة الأخيرة مع إيران جديرة بقراءة تتجاوز عناوينها المعلنة. فعقب انتهاء العمليات، استمع العالم إلى ثلاث روايات مختلفة، لكنها انتهت جميعًا إلى النتيجة ذاتها: الانتصار.
أعلن الرئيس الأمريكي أن العملية حققت أهدافها ورسخت الردع الأمريكي، وقدّمها باعتبارها نجاحًا استراتيجيًا يعيد رسم قواعد الاشتباك في المنطقة. وأكد رئيس الوزراء الإسرائيلي أن بلاده أجهضت خطرًا وجوديًا، ووجهت ضربة قاصمة للمشروع النووي الإيراني، ومنعت تهديدًا كان يقترب من حدود لا يمكن قبولها. وفي المقابل، أعلنت القيادة الإيرانية أنها أفشلت أهداف خصومها، وصمدت أمام الضغوط، وفرضت معادلات جديدة في ميزان الردع.
ثلاثة أطراف... وثلاثة منتصرين... في حرب واحدة.
ومنطقيًا، يصعب أن تكون هذه الروايات الثلاث صحيحة، بالمعنى الذي يقدمه كل طرف لجمهوره. لكن الأهم من ذلك أن التناقض بينها يفرض سؤالًا مختلفًا: هل كانت الأهداف التي أُعلنت منذ اليوم الأول هي الأهداف التي سعت الأطراف فعلًا إلى تحقيقها؟
فالوقائع التي استقرت بعد انقضاء ضجيج الحرب تبدو مختلفة عن الشعارات التي سبقتها. فالنظام الإيراني بقي قائمًا، والبرنامج النووي لم يُحسم نهائيًا، ومضيق هرمز ظل محتفظًا بقيمته الاستراتيجية تحت النفوذ الإيراني، ولم يتحول أي طرف إلى منتصر قادر على فرض إرادته كاملة، أو إلى مهزوم خرج من معادلة الإقليم. وهذه النتائج، مجتمعة، توحي بأن ما تحقق على الأرض يختلف، إلى حد بعيد، عما قيل في الخطابات السياسية.
ولو كان الهدف المعلن هو إزالة التهديد الإيراني، فمن المشروع أن نتساءل: لماذا انتهت الحرب، بينما بقيت معظم العناصر التي قيل إنها سبب اندلاعها؟
هنا تبرز فرضية تستحق التأمل. ربما لم تكن الحرب، بالنسبة إلى بعض أطرافها، حربًا لإزالة الخصم، بقدر ما كانت حربًا لإعادة ضبطه. وربما لم يكن المطلوب إسقاط إيران، وإنما تذكيرها بحدود القوة التي تستطيع ممارستها، وإعادة رسم الخطوط التي لا ينبغي لها تجاوزها. ولا يعني ذلك بالضرورة وجود تفاهمات سرية أو اتفاقات خفية، بل قد يعني ببساطة أن مصالح الخصوم تتقاطع أحيانًا عند نتائج واحدة، حتى وإن اختلفت دوافعهم، أو تعارضت أهدافهم المعلنة. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة ما أفرزته الحرب بوصفه مجموعة من النتائج الاستراتيجية التي يصعب تجاهلها.
فالنتيجة الأولى تمثلت في ترسيخ شعور دول الخليج بأن البيئة الإقليمية ما زالت شديدة الاضطراب، وأن الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية يظل، في نظر كثيرين، الخيار الأكثر واقعية. ومهما اختلفت التقديرات حول حجم التهديد الإيراني، فإن مجرد بقائه يجعل الإنفاق العسكري، وصفقات التسليح، وتعزيز التحالفات الدفاعية، تبدو ضرورة استراتيجية لا ترفًا سياسيًا.
أما النتيجة الثانية، فتتعلق بمضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. فحتى من دون أن يُغلق، يكفي أن يبقى معرضًا لاحتمال الاضطراب حتى يظل عاملًا مؤثرًا في أسواق الطاقة، وورقة ضغط ذات أثر مباشر في الاقتصادات الأوروبية، التي يرتبط جزء مهم من استقرارها باستمرار تدفق الطاقة عبر هذا الممر الحيوي.
وتتجاوز النتيجة الثالثة حدود الشرق الأوسط إلى قلب المنافسة الدولية بين الولايات المتحدة والصين. فجزء كبير من واردات بكين النفطية يمر عبر الخليج، وأي توتر مزمن في هذا المسار يضيف عنصرًا جديدًا إلى معادلة التنافس بين القوتين الأكبر في العالم، ويجعل أمن الطاقة أحد ميادين الصراع الجيوسياسي، لا مجرد قضية اقتصادية.
غير أن اختزال المشهد في المصالح الأمريكية وحدها يبقى قراءة ناقصة؛ إذ إن لكل طرف في هذا الصراع حساباته الخاصة، التي لا يمكن فهم المشهد من دونها.
فإسرائيل، من جهتها، لا تبدو معنية بالضرورة بإسقاط النظام الإيراني إذا كان بالإمكان تحقيق غاية أقل كلفة وأكثر استدامة: إبطاء المشروع النووي، وتقليص القدرات العسكرية، وإعادة إيران إلى دائرة الانشغال بحسابات الردع والبقاء، بدلًا من توسيع نفوذها الإقليمي. ومن هذا المنظور، فإن نجاح أي مواجهة لا يُقاس بإسقاط الخصم، بقدر ما يُقاس بقدرته على تعديل سلوكه وإعادة رسم حدود حركته.
وفي الوقت نفسه، حملت الحرب رسالة لا تخطئها العين، مفادها أن الوصول إلى قلب البنية الأمنية والعسكرية الإيرانية أمر ممكن متى توافرت الإرادة السياسية. وقد يكون هذا، في حد ذاته، أحد أهم أهداف المواجهة؛ فإيصال رسالة القدرة على الاختراق والردع قد يكون أكثر تأثيرًا، في بعض الأحيان، من استخدام تلك القدرة إلى نهايتها.
كما أن استمرار التهديد الإيراني، ولو في صورته المحسوبة، يكرس الحاجة إلى ترتيبات أمنية إقليمية تبقى إسرائيل طرفًا رئيسيًا فيها، ويعزز، في الوقت ذاته، قناعة عدد من دول المنطقة بأن موازين الأمن لا تزال ترتبط، بدرجات متفاوتة، بالشراكة مع الولايات المتحدة وحلفائها.
أما إيران، فمن الخطأ النظر إليها باعتبارها مجرد ساحة تتحرك فوقها القوى الكبرى، أو باعتبارها طرفًا فاقدًا لإرادته. فلها، بدورها، حساباتها الخاصة، التي تتمحور حول بقاء النظام، والحفاظ على شرعيته الداخلية، وصيانة نفوذها الإقليمي، والإبقاء على أوراق تفاوضية تمنحها وزنًا في أي ترتيبات تخص مستقبل المنطقة. ولذلك نجدها تتحدث بشيء من القوة رغم كل ما جرى.
لكن مصدر هذه القوة، في تقديري، ليس فقط ما تملكه إيران من أدوات، بل يقينها بأن أمريكا لا تريد التخلص منها أصلًا، وأن من مصلحة جميع الأطراف إبقاءها قائمة. ولهذا، فإن استمرار الصراع ضمن حدود يمكن التحكم فيها قد يخدم طهران أيضًا؛ فهو يسمح لها بالحفاظ على صورتها لاعبًا إقليميًا لا يمكن تجاوزه، من دون أن تنزلق إلى مواجهة وجودية قد تهدد بقاء النظام نفسه.
غير أن هذا لا يعني بالضرورة أن طهران مطمئنة إلى مستقبلها، وإنما قد يعني أنها تدرك، كما يدرك خصومها، أن إسقاط النظام الإيراني ليس، حتى الآن، الخيار الذي أفرزته الوقائع على الأرض، وأن ما بدا ظاهرًا هو السعي إلى تقليص قدراته وإعادة ضبط حركته، أكثر من السعي إلى إنهائه.
وهنا تلتقي مصلحة إيران في البقاء بمصلحة خصومها في إدارة التهديد لا إنهائه. فكل طرف يخدم نفسه عبر المسار ذاته، دون أن يحتاج أيٌّ منهم إلى تنسيق معلن مع الآخر.
وهذه هي المفارقة التي يقوم عليها هذا المقال. فالولايات المتحدة تجد مصلحة في بقاء تهديد يمكن إدارته، وإسرائيل تجد مصلحة في تقليص هذا التهديد دون تحمل كلفة إسقاط النظام الإيراني، وما قد يترتب على ذلك من فراغ إقليمي مجهول العواقب.
أما إيران، فتجد مصلحتها في البقاء، وفي الاحتفاظ بأوراق قوة تجعل تجاوزها أمرًا بالغ الصعوبة.
ولا يعني هذا أن الأطراف الثلاثة متفقة، أو أنها تتحرك وفق خطة واحدة؛ فالعلاقات الدولية لا تُدار، في الغالب، بهذه البساطة. لكن التاريخ يبين أن المصالح المتقاطعة قد تدفع خصومًا إلى نتائج تخدمهم جميعًا، حتى من دون تنسيق مباشر أو تفاهم معلن.
ولعل هذا ما يفسر أحد أكثر مشاهد الحرب إثارة للتأمل.
فبينما كانت لغة التصعيد تبلغ ذروتها، جاءت الدعوات إلى وقف العمليات والانتقال إلى التهدئة بوتيرة أسرع مما اعتادته الحروب الكبرى. وكأن جميع الأطراف أدركت، في توقيت متقارب، أن سقف المكاسب الممكنة قد تحقق، وأن الاستمرار بعد تلك النقطة لن يغير موازين القوى بقدر ما سيرفع كلفة الصراع على الجميع.
وثمة تفسير آخر لا يجوز تجاهله، وهو أن الأمر لا يحتاج إلى افتراض تقاطع في المصالح، وإنما يكفي تفسيره بأن حسم الصراع مع إيران أمر بالغ الصعوبة، وأن كلفة الحرب الشاملة، عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا، أصبحت أعلى من قدرة جميع الأطراف على تحملها. فدولة بهذا الاتساع الجغرافي، وبهذا التعقيد العسكري، تجعل أي محاولة لإسقاط نظامها مغامرة تتجاوز كلفتها مكاسبها المحتملة.
غير أن هذا التفسير، على وجاهته، لا يفسر وحده نمطًا ظل يتكرر عبر عقود، يتمثل في بقاء إيران داخل مساحة وسطى: قوية بما يكفي لتظل مصدر قلق دائم، لكنها ليست بالقوة التي تجعلها خارج دائرة الاحتواء. كما لا يفسر، بمفرده، التحول السريع من التصعيد إلى التهدئة، رغم أن الخطاب السياسي كان يوحي بأن المنطقة تتجه إلى مواجهة أكثر اتساعًا.
ولذلك، فإن هذه القراءة لا تدعي كشف ما دار خلف الأبواب المغلقة، ولا تزعم امتلاك حقيقة لا يملكها غيرها، وإنما تحاول تفسير النتائج التي أفرزتها الوقائع، انطلاقًا من مبدأ بسيط في العلاقات الدولية: أن الدول تُقاس بما تحققه مصالحها، لا بما تعلنه خطاباتها.
ولهذا، فإن السؤال الذي سيبقى مطروحًا بعد أن تخفت أصوات المدافع ليس: من انتصر؟
بل: لماذا خرج كل طرف مقتنعًا بأن ما تحقق يخدم مصالحه؟
وربما لأن الحروب الكبرى لا تنتهي دائمًا بسقوط الخصوم، بل كثيرًا ما تنتهي بإعادة توزيع أدوارهم داخل توازن جديد، يصبح فيه بقاء كل طرف، ضمن حدود معينة، جزءًا من استقرار النظام الذي ينازعه.
وليس هذا النمط جديدًا في التاريخ. فكثيرًا ما آثرت القوى الكبرى احتواء خصومها بدلًا من القضاء عليهم. ويكفي النظر إلى كوريا الشمالية، التي ظلت لعقود أزمة تُدار أكثر من كونها مشكلة يُسعى إلى حسمها، رغم ما أحيط بها من عقوبات وضغوط وتهديدات. فبقاء الخصم، في بعض الأحيان، لا يكون دليلًا على العجز عن إسقاطه، بقدر ما يكون انعكاسًا لحسابات ترى أن كلفة البديل قد تكون أعلى من كلفة بقائه.
فالتاريخ لا يخبرنا أن القوى الكبرى تقتل جميع أعدائها، بل يخبرنا أنها كثيرًا ما تحسن اختيار الأعداء الذين ينبغي أن يبقوا أحياء.
ولهذا، فليست كل الأفاعي تُترك لأنها استعصت على الصياد، بل لأن الغابة، في لحظة من تاريخها، تصبح أكثر اضطرابًا إذا اختفت جميع الأفاعي منها.
*كاتب مصري دكتوراة في القانون - الأمة برس
*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولايعبر بالضرورة عن رأي موقع الأمة برس