
تمكن باحثون أتراك من رصد الدلافين في مياه مضيق البوسفور وبحر مرمرة بمدينة إسطنبول، شمال غربي البلاد، عبر التعرف الفردي على كل منها اعتمادا على علامات فريدة على زعانفها الظهرية، ضمن عملية مراقبة وتتبع ميدانية مستمرة.
ويقول الباحثون إن هذه العملية، التي تشبه إلى حد كبير استخدام بصمات الأصابع لدى البشر، تتيح للعلماء تتبع حركة الدلافين لسنوات طويلة، ومعرفة أماكن تنقلها وسلوكها الغذائي وطبيعة تجمعاتها، من خلال التصوير والتحليل الدقيق للصور.
ويوفر ذلك مؤشرات دقيقة حول صحة النظام البيئي البحري في واحدة من أكثر المناطق المائية ازدحامًا في العالم.
وجاءت هذه النتائج ضمن عمليات ميدانية تنفذها فرق متخصصة من جمعية حماية الحياة البحرية التركية (DYKD)، بالتعاون مع الصندوق العالمي للطبيعة في تركيا (WWF-Türkiye).
وأجرى الباحثون جولات بحرية لرصد تجمعات الدلافين الممتدة بين بحر مرمرة ومضيق البوسفور.
* تصوير وتعريف فردي
خلال عمليات الرصد، يقوم الباحثون بتصوير الدلافين أثناء حركتها الجماعية، وتسجيل إحداثيات مواقعها وأنماط سلوكها، ثم تحليل الصور الملتقطة بدقة عالية.
وتعتمد عملية التعرف الفردي على دراسة الزعنفة الظهرية لكل دلفين، إذ تحتوي كل زعنفة على علامات طبيعية مختلفة مثل الندوب القديمة أو الشقوق الصغيرة أو الاختلافات في الشكل العام، وهي خصائص تبقى ثابتة نسبيًا مع مرور الزمن.
ويسمح هذا الأسلوب العلمي بتكوين قاعدة بيانات طويلة الأمد لكل دلفين تم رصده، ما يساعد العلماء على معرفة المدة التي يقضيها في مناطق معينة، وأنماط الهجرة الموسمية، ومعدلات التكاثر، وحجم المجموعات التي تعيش داخل المنطقة البحرية.
ويرى العلماء أن هذه البيانات لا تساعد فقط في دراسة الدلافين نفسها، بل تقدم صورة أوسع عن التوازن البيئي داخل بحر مرمرة ومضيق البوسفور، لأن الدلافين تعد من الكائنات الواقعة في قمة السلسلة الغذائية البحرية.
* 3 أنواع رئيسية للدلافين
وعن ذلك، تقول الخبيرة في التنوع البيولوجي البحري بالصندوق العالمي للطبيعة في تركيا، جانسو إيلقلينج، إن مضيق البوسفور يشكل ممرا بيئيا بالغ الأهمية، إذ يربط البحر الأسود ببحر مرمرة، ما يجعله منطقة حيوية للكائنات البحرية، خصوصًا الثدييات مثل الدلافين.
وأضافت إيلقلينج للأناضول، أن ثلاثة أنواع رئيسية من الدلافين تعيش في المنطقة: الأفالينا، وهو النوع الأكثر شيوعًا والمعروف عالميًا باسم الدلفين قاروري الأنف، ويتميز ببنية قوية، وقد يصل طوله إلى ثلاثة أمتار ونصف، وغالبًا ما يظهر في مجموعات تتراوح بين 5 و15فردًا.
أما النوع الثاني فهو الترتاك، وهو أكثر نحافة وحركة، ويتميز بقدراته العالية على القفز، كما يعرف بوجود علامة بصرية تشبه حرف "V" تمتد من الزعنفة نحو الجسم.
والنوع الثالث معروف محليًا باسم موتور (الخنزير البحري أو Harbour porpoise)، ويتميز بحجم أصغر يصل طوله إلى متر ونصف المتر تقريبًا، وبغياب الفك الطويل البارز الذي يميز معظم أنواع الدلافين الأخرى، ما يسبب الخلط بينه وبين بعض أنواع الحيتان الصغيرة.
وأوضحت إيلقلينج أن مراقبة الدلافين لا تقتصر على دراسة هذه الكائنات فقط، بل تمثل أداة غير مباشرة لقياس جودة البيئة البحرية.
كما أكدت أن الدلافين تعد من الكائنات الحساسة جدًا لأي تغيرات بيئية، سواء تعلقت بتراجع أعداد الأسماك أو التلوث البحري أو ارتفاع درجات حرارة المياه أو الضغوط الناتجة عن النشاط البشري.
ولهذا السبب، ينظر العلماء إلى التغيرات في أعداد الدلافين أو ظهور أفراد ضعيفة أو مريضة باعتبارها مؤشرات مبكرة على اضطراب التوازن البيئي، وفق الخبيرة.
وقالت إيلقلينج إن فرق الرصد لاحظت مؤخرًا وجود مجموعات كبيرة تضم دلافين صغيرة وحديثة الولادة في مناطق متعددة من المضيق، وهو ما يشير إلى أنه ما يزال يوفر بيئة مناسبة للتكاثر والحياة الطبيعية.
ولفتت إلى تمكن العلماء من رصد بعض الدلافين التي سبق تسجيلها لأول مرة قبل أكثر من عشر سنوات، في دليل على اعتماد بعض هذه الكائنات على مضيق البوسفور كموطن دائم عبر فترات زمنية طويلة.
* ترميم بيئي
من جانبها، قالت غيزم أجه، مديرة العلاقات المؤسسية والتعاون في جمعية حماية الحياة البحرية التركية، إن فرقها تنفذ منذ سنوات مشاريع ترميم بيئي واسعة في بحر مرمرة، بهدف إعادة التوازن البيولوجي للمنطقة.
وأضافت أجه للأناضول أن هذه المشاريع تشمل مراقبة الأنواع البحرية المختلفة، خصوصا في محيط جزيرة "طاوشان" التي أعلنتها السلطات التركية عام 2021 منطقة بيئية حساسة تحتاج إلى حماية خاصة.
وأكدت أجه أن استمرار ظهور الدلافين بصورة منتظمة في هذه المناطق يعد مؤشرًا إيجابيًا على نجاح جهود الحماية البيئية.
* مياه فيروزية
وبالتوازي مع عمليات مراقبة الدلافين، يدرس الباحثون أيضًا ظاهرة لفتت انتباه سكان إسطنبول مؤخرًا، وهي تحوّل أجزاء من مياه المضيق إلى اللون الفيروزي الزاهي.
وبحسب باحثين فإن الظاهرة ليست غريبة أو خطيرة، بل تعود أساسًا إلى ازدياد أعداد أنواع معينة من الطحالب الدقيقة الموجودة طبيعيًا في المياه.
ويلعب ازدهار الطحالب دورًا مهمًا في السلسلة الغذائية البحرية، لأنها تمثل الغذاء الأساسي للكائنات الدقيقة والأسماك الصغيرة، ما يؤدي لاحقًا إلى زيادة أعداد الأسماك الأكبر حجمًا، وبالتالي جذب الدلافين إلى المنطقة.