إيران وتفاهماتها عشية قمة أنقرة الأطلسية
2026-07-07 | منذ 1 ساعة
طوني فرنسيس
طوني فرنسيس

انتهى الزمن الذي كانت توقع فيه اتفاقات بين دول يجري التزام تنفيذ بنودها أوتوماتيكياً. كانت كل الحروب الكبرى والصغرى حتى نهايات القرن الـ20 تنتهي الى اتفاقات وصفقات. ربما هذا كان تقليداً أرسته حروب القرن الماضي الأوروبية وأخذته الحروب العالمية اللاحقة، فتندلع حرب، تقع الخسائر، يلتقي المتحاربون، يدفعون أثماناً ويؤسسون لتسويات ثم تستعيد الحياة أنماطها. لكن هذه الصيغة في اندلاع الحروب وإخمادها لاقت تحوّلات بعد الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، فالعالم الجديد المنبثق من حرب مدمرة أفسح في المجال أمام ولادة ما يسمى "حركات التحرر" التي ستصبح سلاحاً في يد الاتحاد السوفياتي ومعسكره الدولي، يقاتل ويفاوض بواسطته خصماً تقليدياً هو الولايات المتحدة الأميركية.

صيغة القتال بالوكالة سرعان ما انتهت مع انهيار الاتحاد السوفياتي، لكن إيران الخمينية عملت على إحيائها ضمن مفاهيمها العقائدية المذهبية المصلحية الضيقة، فشهد العالم ظهور الأذرع الإيرانية التي يمكن أن تخوض حروب المركز عند حاجته، ليحررها عندما يستشعر حاجة إلى حفظها من أجل حروب أكثر ضرورة وإلحاحاً. وهي معادلة سرعان ما ستفقد جدواها عندما تسقط عناصر قوة المركز إياه وتتشتت أدواته وفروعه.

لم يبقَ من أثر جدي لأحزاب شيوعية كبرى في العالم عندما انهار النظام الأم في موسكو، ومع اقتراب النظام الإيراني من فقدانه عناصر قوته، يفترض بدء البحث عن البدائل التي سترث حالة تسيّدت سياسة الإقليم على مدى أعوام.

وحقيقة الأمر أن مجمل اتفاقات السلام التي جرى التوصل إليها خلال نحو عام على امتداد المنطقة، كانت اتفاقات بخلفية إيرانية الى حد بعيد ستجب إعادة النظر فيها بحسب مقتضيات الحال. وتطبيقها الفعلي يكشف عن كيف أن طرفها الإيراني يمسك ويتمسك حتى اللحظة الأخيرة في محاولة تطويع مضامينها، متجاهلاً بإمعان موازين القوى الجديدة التي آلت إليها الأمور.

كان اتفاق غزة الذي وقعته حركة "حماس" حليف إيران الأبرز بغزة في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2025، أول الاتفاقات في سياق الصدام الاستراتيجي الشامل بين أميركا وإسرائيل من جهة والمشروع الإيراني من جهة أخرى.

وقبل إقرار خطة غزة، كانت إيران على صلة باتفاق وقف إطلاق النار بين "حزب الله" وإسرائيل في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024. والاتفاقان نصّا على نزع سلاح التنظيمين المرتبطين بطهران، لكنهما لم يُطبّقا. في غزة ولبنان لا تزال عقدة السلاح قائمة، كذلك الموافقة الإيرانية الضمنية على نزعه.

وفي لبنان اندفع "حزب الله"، على رغم وقف النار واتفاقاته، في معركة إيران المصيرية.

وأسفرت تلك المعركة التي بدأتها أميركا وإسرائيل في نهاية فبراير (شباط) الماضي عن مذكرة تفاهم طال الجدل حولها، ووقعت قبل نحو ثلاثة أسابيع. وحملت في مضامينها تطويعاً لإيران لم يجرِ تفصيله، لكن بند نزع سلاح الوكلاء في الاتفاقات الموقعة، استعيد بقوة على هامش مذكرة التفاهم الإيرانية - الأميركية وتنشيط المحادثات الموازية بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، وحول غزة خلال محادثات تكثفت في القاهرة وقبرص.

السلاح تحول إلى نقطة جوهرية في سياسات المنظمات الإيرانية الرديفة، مما تريده إيران وتسعى إلى تأبيده في أية اتفاقات تعقدها. لكن الأمور لا تسير بهذه السهولة، فأسبوع التظاهر ضد أميركا ورجمها في طول إيران وعرض العراق سينتهي مع دفن المرشد وصحبه، وعندها ستنتهي مهلة من المهل الخفية قبل الشروع في بت المسائل الجدية.

ستحتاج إيران إلى إعطاء أجوبة واضحة حول ما تريده من سلاح الميليشيات في العراق ولبنان خصوصاً، وسيُعدّ أي موقف تتخذه في هذا الخصوص إشارة إلى نهجها المقبل على مستوى المنطقة.

ولا تملك إيران ترف التلاعب بالوقت والأعصاب وتغيير المعطيات، فهي عندما تنتهي من تشييع قادتها ستكون عليها مراقبة نتائج قمة دول حلف الأطلسي التي ستُعقد هذا الأسبوع على مقربة، في أنقرة، للمرة الأولى منذ 22 عاماً، بحضور نشط وبارز للرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ستُعقد هذه القمة في ختام تحولات كبرى في الشرق الأوسط، جعلت من إيران خاسراً أول في سوريا ولبنان وفلسطين وجعلت من تركيا لاعباً بديلاً يحاول ملء الفراغ الإيراني على حساب "الانتصارات" الإسرائيلية، ومشاريع يحملها نتنياهو في تصوراته للشرق الأوسط الجديد.

ستواجه طهران في أنقرة تحديات جديدة وربما تنظيماً لرؤية غربية تشمل الشرق الأوسط بأكمله، كان تحدث ترمب عن بعض ملامحه مشيداً بدور مركزي لتركيا- أردوغان. ولم يبخل أردوغان نفسه في الكشف عن اهتمامه بخريطة أمن قومي تبدأ في بيروت ودمشق وتتصل بغزة.

تبدو الاتفاقات ومذكرات التفاهم المعلنة عشية قمة أنقرة مداخل استكشافية لمرحلة جديدة، لم تعُد فيها النصوص القديمة قادرة على حماية السلاح وسردية الجدل الأبدي حول أولوية حفظ مقامه كرمز لإمبراطورية تبحث عن عوامل استمرار في شروط أخرى.

 

*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولايعبر بالضرورة عن رأي موقع الأمة برس - الاندبندنت عربية



مقالات أخرى للكاتب

  • اختبار مذكرة التفاهم بين هرمز.. ولبنان
  • قمة أميركية - إسرائيلية سادسة لتقييم الشرق الأوسط
  • لبنان والبند التاسع في اتفاق غزة









  • كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي