اتزان محسوب ووعي بأهمية كبح جماح التصعيد

صمود استراتيجي لدول الخليج أفشل أهداف العدوان الإيراني

الأمة برس
2026-05-28

خاص - عن مجلة العربي الأمريكي اليوم

أظهرت دول الخليج ثباتًا وتماسكًا خلال تعرّضها للعدوان الإيراني، بالإضافة إلى قدرتها على الدفاع عن أمنها واستقرارها، واصطدمت محاولات طهران لإشعال الخليج بجدار خليجي أقوى وأكثر صلابة من أي وقت مضى، لتتحوّل الأزمة إلى درس في حدود القوّة وأهمية الاستقرار الإقليمي.
هذا التصعيد العسكري رافقته حملة دبلوماسية إيرانية تجاه دول الخليج، لكن هذه المواقف السياسية تتناقض تمامًا مع واقع الأعمال العدائية المستمرة بشكل يومي، والتي استهدفت جميع دول الخليج العربية دون استثناء، بما يشير إلى وجود بونٍ شاسع بين الموقفين الدبلوماسي والعسكري.
ورغم العدوان الإيراني المستمر، إلا أن دول الخليج التزمت الحكمة وضبط النفس، فاكتفت بالدفاع عن أراضيها وإسقاط الصواريخ والطائرات المسيّرة المهاجمة دون الانجرار إلى توسيع دائرة الصراع بمهاجمة المعتدي، رغم ما تمتلكه من قدرة عسكرية وجاهزية فنية عالية على الفعل ورد الفعل. وهذا الموقف لا يعكس ضعفًا، بل يعبر عن حكمةٍ ومسؤوليةٍ عميقة، وإدراكٍ واعٍ بأن التصعيد قد يقود إلى حالة من الفوضى الشاملة، ستكون لها تداعيات كارثية على الخليج والشرق الأوسط، بل وعلى العالم بأسره.

هجوم غادر لامبرر له

فخلال الفترة من 28 فبراير إلى 11 أبريل 2026، شنت إيران سلسلة هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة على سبع دول عربية، بلغ مجموعها 6614 صاروخًا وطائرة مسيّرة، إضافة إلى هجوم بطائرتين مقاتلتين، وفق رصد وكالة الأناضول استنادًا إلى بيانات وتصريحات رسمية. واستمرت هذه الهجمات لمدة 41 يومًا، قبل أن يشهد اليوم الـ42 توقفًا كاملًا للاستهدافات لأول مرة منذ بدء التصعيد. وشملت الهجمات أيضًا أيام الهدنة، حيث سُجل في أول أيامها 141 صاروخًا وطائرة مسيّرة، وفي ثاني أيامها 14 مسيّرة، بينما لم تُسجل أي هجمات في اليوم الثالث من الهدنة، الذي يُعد اليوم الـ42 من بدء الحرب.
وكانت الإمارات العربية المتحدة الأكثر تعرضًا للهجمات بـ563 صاروخًا و2256 طائرة مسيّرة، تلتها الكويت بـ369 صاروخًا و852 مسيّرة، ثم السعودية بـ104 صواريخ و916 مسيّرة، والبحرين بـ194 صاروخًا و515 مسيّرة، فيما سجلت قطر 537 "هجمة جوية" دون تفصيل رسمي لطبيعتها، والأردن 291 صاروخًا ومسيّرة، وكانت سلطنة عمان الأقل استهدافًا بـ19 طائرة مسيّرة. وتشير البيانات إلى أن 85% من الهجمات استهدفت دول الخليج مقابل 15% لإسرائيل، ما يعكس التركيز الأكبر للهجمات على الدول العربية الخليجية منذ بداية الحرب.
وقد كان عنوان الموقف الخليجي من هذه الحرب باعتباره صراعًا بين دولة مستقلة «إيران» ودولة معتدية «إسرائيل»، حيث استطاعت هذه الدول تقديم نموذج متماسك في إدارة الأزمة؛ فبينما انشغل العالم بمآلات الحرب، تحركت الدبلوماسية الخليجية بهدوء واتزان، داعيةً إلى التهدئة، ورافضةً تحويل أراضيها إلى ساحة صراع بالوكالة.

حكمة عربية في مواجهة رعونة إيرانية

ومن خلال سياستها الحكيمة، أثبتت الدول الخليجية حكمةً وشجاعةً في إفشال المخطط الإيراني وردع العدوان الصاروخي السافر، وأثبتت قواتها المسلحة نجاحًا كبيرًا أذهل العالم بصد العدوان الإيراني، حيث فشل الرهان على زعزعة الاستقرار الداخلي؛ إذ أظهرت المجتمعات الخليجية التفافًا حول القيادات السياسية في مواجهة التهديد الخارجي. وجاء الموقف السعودي حاسمًا منذ الساعات الأولى للتصعيد العسكري، إذ اختارت المملكة مسار الاتزان القائم على نزع فتيل الأزمة قبل أن تتحوّل إلى مواجهة إقليمية شاملة، وحرصت على تكثيف اتصالاتها الدولية والإقليمية، وتفعيل أدوار الوساطة الهادئة، إلى جانب التنسيق مع العواصم الخليجية.
وأظهرت القيادة السعودية نموذجًا في الدبلوماسية الوقائية، وكذلك الإماراتية، عبر جهود سياسية متقدمة هدفت إلى خفض التصعيد، وحماية أمن الخليج دون الانزلاق في أي اصطفاف، خاصةً وأن الدول الخليجية تدرك أن إيران وإسرائيل تعملان على استخدام الدول العربية كأدوات سياسية لصراعهما مع بعضهما. كما نجحت بعض دول المجلس مثل سلطنة عُمان وقطر في الحفاظ على قنوات اتصال دبلوماسية حالت دون تحول النزاع إلى حرب شاملة، مع الاستمرار في المطالبة بضمانات أمنية دولية.

كشف حدود القوّة الإيرانية

العدوان الإيراني على دول الخليج كشف حدود القوّة الإيرانية وطبيعة مشروعها العدائي القائم على تصدير الأزمات والفوضى؛ فالصواريخ التي رفعت شعار مواجهة أميركا استهدفت مدنًا ومنشآت خليجية مدنية، ما أكد أن طهران تتعامل مع استقرار المنطقة كورقة مساومة سياسية لا أكثر.
أدركت دول المجلس منذ البداية الأولى أن إيران تتبع استراتيجية واضحة منذ بداية الحرب، تهدف إلى استنزاف الخصوم الإقليميين والعالميين عبر استخدام قدراتها الصاروخية والمسيّرات والهجمات المحدودة ضد الأهداف الحيوية في الخليج. والهدف من هذا النهج ليس تحقيق انتصار عسكري مباشر، بل إشراك دول الخليج في صراع طويل يرهق قدراتها العسكرية والاقتصادية.
ومع ذلك، لم تبادر دول الخليج إلى الرد على العدوان الإيراني، ولم تنتقل من وضع الدفاع إلى الهجوم أو الانخراط المباشر في الحرب، بل أظهرت مستوى عاليًا من ضبط النفس، سعيًا منها لتجنب التورط في هذا الصراع، خاصةً وأن دول الخليج تعي تمامًا أن إيران تسعى إلى جرّها إلى هذه الحرب بهدف تحويله إلى صراع ذي طابع ديني، وهو ما قد يسمح بتوسيع نطاقه عبر تحشيد جماعات موالية لإيران في المنطقة.

رد ذكي وحكيم

في السياق، قال محللون سياسيون وعسكريون إن الرد الذكي يجب أن يكون متوازنًا وحكيمًا، أي تجنب المواجهة المباشرة المكلفة مع إيران، وتعزيز الدفاعات الاستراتيجية لحماية المنشآت الحيوية، والاعتماد على الحلول الدبلوماسية والتحالفات الدولية للضغط على طهران دون الانجرار إلى حرب مفتوحة.
وأشاروا إلى أن الاستهداف الإيراني لدول الخليج أبرز الحاجة الملحة إلى صياغة موقف خليجي موحد وصيغة أمنية وسياسية مشتركة في حال استمرار العدوان الإيراني، مؤكدين أن دول الخليج مدركة تمامًا ما تسعى له إيران، وتدرك أيضًا أن ذلك الأمر عبث وسياسة إجرامية تتبعها إيران منذ زمن بعيد.
وخلص المحللون إلى أن استهداف دول خليجية رغم الضمانات المسبقة ينقل الصراع إلى نطاق إقليمي أوسع، في ظل استمرار تداعيات التصعيد العسكري بالمنطقة.

الصبر الاستراتيجي الحقيقي والمسؤول

الاستراتيجية الخليجية الحالية تتبنى مبدأ الصبر الاستراتيجي؛ فهي تبني قوتها الهجومية بصمت كأداة ردع خلفية، لكنها ترفض الانجرار إلى توقيت يفرضه الخصم. الهدف ليس الانتصار في معركة، بل "الانتصار في مشروع التنمية" الذي يمثل التحدي الحقيقي والوجودي للمنطقة.
من خلال تعامل دول الخليج مع الاعتداءات الإيرانية يظهر الانطباع الإيجابي بالمنهجية الاستباقية التي تعتمدها دول مجلس التعاون في التعامل مع الأزمات، حيث أظهرت كفاءة عالية في استخدام أنظمة الرصد والإشعاع والإنذار المبكر، فضلًا عن التقنيات التشغيلية المتطورة.

كفاءة الردع الدفاعي

في هذا الصدد، اعتمدت دول الخليج على كفاءة الردع الدفاعي كبديل للهجوم الإيراني، من خلال التكنولوجيا الحديثة التي جعلت الدفاع وسيلة ردع بحد ذاتها؛ فعندما تفشل مئات المسيّرات والصواريخ في تحقيق أهدافها بفضل منظومات الاعتراض المتطورة، فإن هذا يرسل رسالة مفادها أن سلاحك لم يعد فعالًا، وهو نوع من الهزيمة النفسية والعسكرية للطرف المعتدي دون الحاجة لإطلاق رصاصة واحدة خارج الحدود.
وفي ظل الأوضاع التي تعيشها دول العالم والشرق الأوسط، ستبقى الدول الخليجية، والسعودية تحديدًا، ركيزة استقرار إقليمي واقتصادي عالمي، قادرة على المناورة بين التحديات وقيادة جهود احتواء الأزمات، انطلاقًا من موقعها الجغرافي، وثقلها الاقتصادي، ورؤيتها الاستراتيجية للمستقبل.
وأخيرًا، يمكن القول إن ما يميز الأداء الخليجي في هذه الحرب هو النضج الاستراتيجي في إدارة الأزمة، حيث جمعت دول المجلس بين التحفظ الدبلوماسي والتواصل الفعّال، وبين الاستعداد الدفاعي والانفتاح السياسي، لتثبت أن الخليج قادر على أن يكون فاعلًا وصانع تهدئة، لا مجرد متلقٍ لنتائج الحروب. وأثبتت هذه الدول بأنها نمور عربية أصيلة لا تخشى المواجهة، وفي الوقت نفسه لا تسمح بالانزلاق إلى فوضى حربية يكون الجميع فيها خاسرً












كاريكاتير

إستطلاعات الرأي