
صدر حديثا عن مؤسسة «أبجد» للترجمة والتوزيع والنشر، كتابان جديدان للباحثة نادية هناوي، يمثلان محطتين مهمتين في مسيرتها البحثية. حمل الكتاب الأول عنوانا رئيسيا هو «سرديات رواية التاريخ»، وبعنوان فرعي هو( التأريخ، الميتا – تاريخ، التاريخ النسوي) وفيه تقدم المؤلفة دراسة نقدية معمقة في علم السرد التاريخي، مستقصية العلاقة المتشابكة بين الوثيقة التاريخية والمنجز التخييلي. اذ يبحث الكتاب في كيفية تحويل الحدث التاريخي إلى بنية سردية جمالية، مع التركيز على «ما بعد الكلاسيكية» في قراءة النصوص، ومناقشة آليات «المتخيل» و»الذاكرة الجمعية» في الرواية التاريخية المعاصرة.
وما يهدف إليه الكتاب هو ترسيخ مفهوم «رواية التاريخ» بديلا عن «الرواية التاريخية» بالاستناد إلى سمات عدة منها، أن رواية التاريخ تنظر بعين الريبة إلى ما سجّله المؤرخون داخل صفحات التاريخ الرسمي. وأداتها في ذلك المتخيل التاريخي الذي به يكون محكي التاريخ كاشفا متروكات التاريخ الرسمي ومهملاته. وهذا ما يجعل (رواية التاريخ) حصيلة المزاوجة السرد تاريخية اختلافا عن الرواية التاريخية، واحتواءً للرواية الواقعية. وما تراه المؤلفة هو أن ( رواية التاريخ) تربعت خلال العقود الأخيرة المنصرمة نوعا سرديا على عرش الرواية المعاصرة عالميا وعربيا. وتعد رواية (اسم الوردة) 1980 لامبرتو إيكو من أوائل هذا النوع من الروايات، فقد تعاملت مع التاريخ بوصفه سردية صغرى. ومنذ مطلع القرن الحادي والعشرين، غدا توظيف التاريخ ملمحا مهما من ملامح الرواية الراهنة.
أما على صعيد السرد العربي المعاصر، فتؤكد المؤلفة أن الروائيين استطاعوا التوجه نحو وقائع وشخصيات غائرة في التاريخ الإسلامي، خاصة الأندلسي والكتابة من ثم عن مخبوءاتها. وتضيف قائلة: (إن ثمة عوامل مختلفة ساهمت في أن يكتبوا (رواية التاريخ) منها إخفاق الأفكار الثورية والتحررية في تحقيق الآمال العربية، ومنها مواكبة ما تشهده الرواية العالمية من تيارات وموجات، ومنها الإذعان للانفتاح العولمي وعبر الثقافي المنخرط في الما بعديات ( ما بعد التاريخ/ ما بعد الحداثة / ما بعد الكولونيالية/ ما بعد النسوية/ ما بعد العولمة/ ما بعد الواقعية السحرية، الخ).
وحول تأصيل مفهوم «رواية التاريخ» ترى المؤلفة أنه يتعدى حدود النوع السردي لينضوي في الرواية لسببين، الأول استجابتها الطوعية ما بعد حداثية، نحو التداخل بين التاريخ كفلسفة والتخييل كفاعلية جمالية، وثانيا الانفتاح ثقافيا على منافذ التمثيل كلها بما يجعلها قادرة على تجاوز التداخل متجهة صوب العبور الأجناسي الذي به يضم قالب الرواية حدود جنس أو نوع أو شكل أكثر من الأشكال السردية، فينصهر فيها لتكون الرواية بالعموم جنسا عابرا للأجناس. وباحتوائية الرواية لرواية التاريخ تنفتح آفاق الأدب تصويريا وتشخيصيا على مستوى البنية النصية، وتمثيليا على مستوى البنية ما بعد النصية كأداة تحفر أركيولوجيا في المغيب والمخفي والمهمش، مفككة المركزي والأحادي والفوقي والسلطوي وغيرها من المعطيات التوسعية التي تنطوي عليها الأدبيات الاستعمارية، ما يجعل الوظيفة الجمالية أكثر اتساعا فيجتمع المرجع /ما قبل النص بالتخييل/ داخل النص ليكون المتحصل هو التمثيل/ ما بعد النص.
أما الكتاب الثاني «طوفان فلسطين» فيدور حول سردية فلسطين، مازجا بين البعدين الفكري والتحليلي لمرحلة مفصلية في تاريخ الصراع العربي الصهيوني، المتمثل بمعركة طوفان الأقصى. ومما يتناوله الكتاب بالبحث والتحليل تداعيات أحداث هذا الطوفان وتجلياته في الوعي الثقافي والسياسي العربي والعالمي، مقدماً قراءة نقدية للمشهد الراهن، ومنتصفاً للحق الفلسطيني باستعمال أدوات التحليل الثقافي التي تجمع بين الاشتغال الأكاديمي الصرف، والتفاعل مع القضايا المصيرية حيث البحث العلمي لا ينفصل عن الواقع وتحدياته الكبرى.
تقول المؤلفة في تصدير هذا الكتاب: (تنطلق فكرة هذا الكتاب من جملة مقالاتي المنشورة بالتزامن مع اندلاع أحداث معركة طوفان الأقصى التي بدأ أوارها في أكتوبر/تشرين الأول 2023، ولا يزال لهيبها مضطرما حتى اليوم. وقد قدَّمتْ هذه المعركة فلسطين للعالم في صور مختلفة وجديدة، كشفت عن حقيقة الفلسطيني المهدورة حقوقه والمهضومة مصداقية ما يدافع عنه ويناِضل من أجله كما انكشفت في المقابل افتراءات الصهاينة، وانفضحت ادعاءاتهم الباطلة التي طالما لفقتها ودعمتها دوائر الإمبريالية العالمية على مدى قرن من الزمان وأكثر. وما يضمه هذا الكتاب من مقالات إنما هو محاولة في وضع القراء أمام طبيعة تطورات معركة طوفان الأقصى، وما أسفرت عنه من مستجدات وتداعيات وأصداء على المستوى العربي ومستوى الرأي العام العالمي أيضا).