
عندما ترشح ترامب للرئاسة للمرة الأولى قبل عقد تقريباً، برز في الانتخابات التمهيدية الجمهورية بكونه المرشح الوحيد الذي وقف ضد الحرب في العراق. مؤيدوه فسروا تميزه كأيديولوجيا، لكنه في ذلك الوقت قدم تفسيراً مختلفاً: تلك الحرب كانت “غبية” وجورج بوش الابن كان “غبياً”، لأنه احتل العراق وعاد بدون النفط. في خطابه حول وضع الأمة، أوضح الرئيس بأنه غير غبي. هو زعيم يعرف كيفية الحصول على النفط.
تجاوز ترامب عادته في السنة الأخيرة، وقرر الانصياع للدستور، الذي يلزم الرئيس بتقديم تحديث سنوي للكونغرس حول وضع الأمة. خطابه كشف شقوقاً في إدارته بعد سنة من الانقلاب النظامي الذي سحق فيه الرئيس الأعراف والقوانين والمؤسسات الديمقراطية والاقتصادية – حيث كان في الخلفية إخفاء وثائق جيفري ابستين وماكسي مغين، التي أضرت بالولايات المتحدة ومواطنيها، والخوف المتزايد من غزو دولة في الشرق الاوسط، ما ضمن لناخبيه أنه سيمتنع عن ذلك.
الخطاب نفسه استمر ساعة و48 دقيقة، متجاوزاً الرقم القياسي السابق للرئيس الـ 45، دونالد ترامب، الذي ألقى في ولايته الأولى خطاباً لمدة ساعة و39 دقيقة. من ناحية سياسية، ربما يكون الخطاب في الكونغرس الحوار الأكثر توقعاً له حتى انتخابات منتصف الولاية، التي هي نوع من الاستفتاء حول حزب الرئيس. الجمهوريون في الواقع يسيطرون على المجلسين، النواب والشيوخ، لكن أغلبيتهم ضئيلة 213 مقابل 214 في مجلس النواب، و53 مقابل 47 في مجلس الشيوخ.
مستشارو ترامب والخطاب الذي بثوه له ركزوا بالأساس على غلاء المعيشة. لقد حاول الخطاب أن يناقش نقطة ضعف الرئيس، لكن الخطاب نفسه وجد صعوبة في التركيز على النص الذي قدم له. بدلاً من ذلك، تجاوز باستمرار لانتقاد عدد كبير من القضايا. في الساعة الأولى، كان منضبطاً نسبياً، وركز على الخطاب المكتوب. ولكن النصف الثاني من الخطاب ألقاه بأسلوب حرب. عاد ترامب إلى التضليل المفضل لديه، وصمم على أنه أنقذ الاقتصاد وساعد الأمريكيين على كسب الكثير من الأموال، ولذلك يتعين على الجميع أن يشكروه.
بعد أن كرر الخطأ الذي يقول بأنه صنع السلام وأوقف ثماني حروب، بما في ذلك حرب إسرائيل في قطاع غزة، شعر ترامب بأن هذا هو الوقت المناسب للتركيز على الحرب. في خطابه، حاول وصف إيران كتهديد حقيقي للولايات المتحدة في محاولة لتبرير مواجهة في المستقبل، بالضبط مثلما فعل بوش مع العراق. “هم يطورون صواريخ قد تصل إلى الولايات المتحدة”، حذر ترامب وأشار إلى أن نظام آية الله “الخبيث” عاد إلى طموحاته النووية.
الملاحظة الأخيرة، رغم أنها غير جديدة، ربما هي الجزئية الأهم في الخطاب؛ فقبل سنة، عندما أطلق الهجوم على المنشآت النووية الإيرانية، أعلن ترامب بأن “المشروع النووي الإيراني تدمر بالكامل”، وحرص على مهاجمة كل من تجرأ على قول شيء مختلف. ترامب لا يعترف بالخطأ، لكن اعترافه العلني ببقاء المشروع النووي، يدل على أنه استعد لاحتمالية مواجهة مباشرة.
في خطابه في الكونغرس، صمم ترامب على أنه يفضل حل النزاع مع إيران عن طريق “الدبلوماسية. لكن هناك أمر واضح جدا – لن أسمح للدولة التي تقود دعم الإرهاب في العالم بالحصول على السلاح النووي”. إذا أعطى الضوء الأخضر فهذه مسألة أخرى، لكنه قريب من فعل ذلك أكثر من أي وقت مضى.
بالمناسبة، غرينلاند غابت عن خطابه. من جهة، يبدو أنه منشغل جداً بإيران وفنزويلا، ولا يرغب في إضاعة الوقت عليها، لكن من جهة أخرى، ربما يخشى من إضاعة وقت الآخرين. وثمة تفسير أكثر عقلانية، وهو أن الرد الأوروبي القاطع نجح في تخويفه. ترامب كما هو معروف، أزعر كلاسيكي. وميله الطبيعي أمام دول صغيرة ومنتخبين جمهوريين ومشاركات في مسابقات الجمال، هو أن يسحق ويستغل ما أمكنه ذلك، ويتوقف بخوف في اللحظة التي يواجه فيها بمعارضة.
السؤال المتكرر الذي يطرح في الولايات المتحدة، بخوف كبير قبل الانتخابات في تشرين الثاني، حظي بتطرق مقلق. ترامب قلق جداً من الانتخابات، لكن في الوقت نفسه، لا يتصرف أو يتحدث كمن يحاول حرف انتباه الناخبين. في خطابه ألمح إلى أنه استخلص الدروس من جهوده لتغيير نتائج الانتخابات في 2020. لقد صمم على أن المهاجرين غير القانونيين يصوتون “في كل مكان”، ودعا الكونغرس للمصادقة على مشروع قانون يفرض قيوداً وصعوبات على الوصول إلى صناديق الاقتراع.
عندما وصل إلى قضية الهجرة التي تعتبر منطقة راحة بالنسبة له، اشتكى الرئيس من رفض الكونغرس زيادة ميزانية وزارة الدفاع عن الوطن. عضوة الكونغرس من مينيسوتا، إلهان عمر، استشاطت غضباً من أقواله، وقالت: “لقد قتلت أمريكيين”، وكانت تقصد إطلاق النار على سكان مينابولس، إليكس بيرتي ورينا غود، اللذين تم إطلاق النار عليهما في وقت احتجاج على اعتقال جيرانهما.
غضب ترامب كان شديداً بأضعاف عندما توجه للتحدث عن المحكمة العليا التي ألغت الجمارك الحمائية العزيز على قلبه، لكنه فاجأ بأقواله المنضبطة، وبهذا لم يتطاول على رئيس المحكمة العليا جون روبرت. “نحن هنا نكسب الكثير من الأموال من الجمارك الحمائية. لا يوجد تضخم، يوجد نمو عظيم”، قال ترامب في واحدة من اللحظات الكثيرة للتضليل الاقتصادي للمواطنين الذين يعرفون كم من الأموال التي ينفقونها في السوبرماركت.
الاستطلاعات التي أجريت قبل الخطاب فقط، ذكرت كل الموجودين في الكابيتول بمدى تعرض الجمهوريين للخطر. حسب استطلاع أجرته “واشنطن بوست” وشبكة “أي.بي.سي” ومعهد “افسوس” فإن 60 في المئة من الأمريكيين غير راضين عن أداء الرئيس. هذا ليس حضيضاً جديداً لترامب، بل معطى يشبه مكانته في استطلاع “افسوس ميد” بعد اقتحام الكابيتول في 6 كانون الثاني 2021.
أظهر الاستطلاع أن الأمريكيين غير راضين عن علاجه لكل موضوع سئلوا عنه. 65 في المئة من المستطلعين قالوا إنهم غير راضين عن الطريقة التي يواجه فيها ترامب التضخم، 57 في المئة قالوا إنه لا يعالج الاقتصاد كما هو مطلوب. هذه بيانات مفاجئة مقارنة بنجاح ترامب نجح في الانتخابات قبل سنة وشهرين بفضل رؤية خاطئة تفيد بأنه رجل أعمال يفهم بالاقتصاد. قبل الخطاب ببضع ساعات، نشر الراديو العام الأمريكي “ان.بي.آر” تقريراً كشف أن وزارة العدل منعت نشر عدد من وثائق إبستين المتعلقة بادعاءات تبين أن ترامب تحرش جنسياً بفتاة قاصر. حسب التقرير، فقد حذف من المخزون الجماهيري أيضاً وثائق ظهر فيها اسم ترامب في سياق الاتهامات الموجهة لجيفري إبستين.
نتنئيل شلوموفيتش
هآرتس 26/2/2026