معتقلون قاتلوا الى جانب روسيا أمام مصير مجهول في سجن أوكراني

أ ف ب-الامة برس
2026-01-31

في ساحة السجن، يدخّن أسرى الحرب الذين يقاتلون إلى جانب موسكو، في انتظار عملية تبادل تمكّنهم من العودة إلى ديارهم (ا ف ب)موسكو- تشقّ صرخة "تجمّع" الصمت في زنانزين سجن في أوكرانيا وتمتلئ السلالم بوجوه ظهرت على بعضها ندوب: جاؤوا من أصقاع العالم، مصريون وصينيون وكاميرونيون... جميعهم قاتلوا الى جانب روسيا.

وقعوا عقودا قبل الانضمام الى القوات الروسية "من أجل الحرية"، و"من أجل العمل"، أو "تحت الإكراه"، قبل أن يتمّ أسرهم على الجبهة الأوكرانية ويسجنوا في مكان سري بغرب أوكرانيا.

هنا، لا حكم قضائي ولا عقوبة سجنية. فقط انتظار طويل لتبادل محتمل يمثّل حبل النجاة الوحيد، وقد حصلت عمليات تبادل سجناء عدّة بين موسكو وكييف منذ بداية الغزو الروسي لأوكرانيا في العام 2022.

تمكّنت وكالة فرانس برس من تمضية يوم داخل هذا السجن الاستثنائي والحديث، بعيدا عن رقابة الحراس، مع هؤلاء المحتجزين الذين انجذبوا لوعود من أجل حياة أفضل. أما اليوم، فتطاردهم كوابيس الجبهة والقتال وتقضّ مضجعهم داخل الزنزانة.

تمّ تغيير جميع أسمائهم احتراما لاتفاقيات جنيف التي تحظّر تعريض أسرى الحرب لـ"فضول العامة".

- من أجل "الحرية" -

حافظ مبنى السجن المشيّد منذ الحقبة السوفياتية على طابعه القديم، بجدران بيضاء وأرضية تميل إلى اللون البني الفاتح.

عبر نافذة صغيرة، تُسلم للوافدين الجدد بعض الأغراض من قمصان وسروال ومعطف قصير، كلّها بلون موحد هو الأزرق الغامق. فرشاة أسنان وصابون ومناشف. هذا تقريبا كل شيء.

على الدرج، يجلس إريك، وهو توغولي في الثلاثينات من عمره، يتحدث مع نيجيري وصيني بلغة روسية متلعثمة.

لم يكن إريك يتقن اللغة قبل سجنه وقد حسّنها في السجن.

ويؤكد مع رفيقه النيجيري في الزنزانة، أنهما انجذبا إلى "الأيديولوجيا" و"التاريخ" الروسيين، بعدما جعل الكرملين تمجيد الماضي السوفياتي سياسة دولة.

حمل كلاهما السلاح "باسم الحرية" من أجل سكان أوكرانيا المتحدثين بالروسية، وهي الذريعة التي استند إليها انفصاليون موالون لروسيا لبدء نزاع في شرق أوكرانيا في العام 2014، مهّد للهجوم الواسع النطاق بعد ثمانية أعوام.

يقرّ إريك بأنه "لا يعرف حقا تاريخ البلدين".

غادر هذا الطبيب الشاب لومي قبل عام من الحرب، كان يحلم بمواصلة الدراسة والتخصّص في جراحة الأعصاب.

كانت الدراسة في كندا "باهظة الثمن جدا"، وفرنسا رفضته. ويقول "لم أكن أعرف شيئا عن تاريخ فرنسا".

لاحقا اكتشف جامعة موسكو "المعقولة التكلفة"، بوعود لنيل جواز سفر روسي بعد التقدّم للخدمة العسكرية، مشيرا الى أنه تلقّى هذه "المعلومة عبر شبكات التواصل الاجتماعي".

وبحسب المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية (إفري)، تنتشر العروض الروسية بكثافة على منصات إفريقيا الفرنكوفونية، مقدّمة وعودا وامتيازات من قبيل "نحو 2300 يورو عند توقيع العقد، وراتب شهري بين 2300 و2500 يورو" و"الحصول على جواز سفر روسي".

 ويؤكد المعهد أنه ومنذ تشرين الثاني/نوفمبر، على كل أجنبي يتراوح عمره بين 18 و65 عاما أن يلتزم بالالتحاق بالجيش للحصول على تصريح إقامة أو الجنسية.

ويؤكد رعايا أفارقة لوكالة فرانس برس أنه تمّ تجنيدهم قسرا بعدما استُدرجوا بعروض مضلِّلة.

ونصحت دول عدّة، بينها توغو، مواطنيها بعدم التوجّه إلى روسيا.

ويوضح إريك "كنت أعلم تماما ما الذي أقدم عليه".

كان "خيارا شخصيا" لم يشأ أن يشاركه مع عائلته. ليعلم والده لاحقا ومن خلال مكالمة هاتفية بتجنيده واحتجازه.

ويقول "شتمني بشدة"، أما "أمي فلا أجرؤ حتى على الاتصال بها".

- من أجل "العمل" -

ينتظر السجناء في طابور دورهم لتناول وجبة الغداء، وأيديهم خلف ظهورهم ورؤوسهم مطأطأة.

في قاعة تناول الطعام، يجلسون كل أربعة الى طاولة، يأكلون ثم ينهضون معا مردّدين باللغة الأوكرانية "شكرا على الوجبة". كلمات قليلة تكسر صمتا رهيبا.

بعد الظهر، يعمل بعضهم في صنع الكراسي لقاء مبالغ زهيدة.

يستوقف جوسيبي وكالة فرانس برس. يودّ الاتصال بزوجته التي عاش معها في روسيا منذ ثماني سنوات دون إتقان اللغة.

كان جوسيبي صانع بيتزا وغادر مسقط رأسه في إيطاليا ليتبعها إلى روسيا.

لم يكن راتبه يكفيه للعيش في إيطاليا، "لأن الأسعار انفجرت".

وأشارت تقارير عدّة إلى أن مدنيين أو عسكريين يغادرون بلدانهم للانضمام إلى صفوف الجيش الروسي أو الأوكراني، منجذبين برواتب مغرية.

لكن وسائل إعلام إيطالية أكدت أن جوسيبي فرَّ من بلاده لتجنّب محاكمة بتهمة اغتصاب قاصر.

أما يديويلا، وهو سريلانكي، فيقول إنه "يريد فقط العمل".

يجلس في الغرفة التي يتشاركها مع آخرين، يبتسم ويتحدث الإنكليزية بتردّد ويكشف لوكالة فرانس برس عن دفتر مذكراته الصغير المكتوب بخط اليد.

يدين فيه "الدمار" الذي خلّفته الحرب و"تدمير مستقبل الأطفال".

ويقول إن عددا كبيرا من الأشخاص غادروا سريلانكا للهروب من "الأزمة السياسية" و"الاقتصادية"، و"على أمل إيجاد عمل في الخارج"

ويضيف "لو أن بلدي وفّر لي حياة جيدة، لما اضطررت إلى القيام برحلة كهذه".

- "تحت الإكراه" -

خلال الوقت المخصص للتنزّه، يحتشد جمع في الساحة؛ شباب وشيوخ، جميعهم رؤوسهم محلوقة، بعضهم يدخّن، وقلة تتحدّث. وكثيرون يقفون صامتين.

عند النوافذ، وجوه حليقة ترمي الصحافيين بنظرات فضولية.

يقترب عزيز، وهو سجين أوزبكي، منهم ويقول "أجبرت على التوقيع".

ويروي لوكالة فرانس برس أنه وقع ضحية مخطط دبّره شرطيون روس اتّهموه بالاتجار بالمخدّرات.

ويبين "خيّروني بين 18 عاما في السجن وبين أن أنخرط" في الجيش.

ويضيف "لم أتلقَّ حتى مالا. في الواقع، لا أريد أن أتلقّى شيئا".

وللهروب من ساحة القتال والعودة إلى روسيا، داس عنوة على "بتلات"، وهو اسم يُطلق على الألغام الصغيرة المزروعة ليصاب بجروح وينقل الى موسكو، "لكنها لم تنفجر". فوجد نفسه مجبرا على "الخيار الثاني" من خلال تسليم نفسه لطائرة مسيّرة قادته إلى الجنود الأوكرانيين.

- "اقتلوني" -

ووفقا لتقرير صادر عن مجلس أوروبا، يعامل هذا المركز المحتجزين عموما وفقا لاتفاقيات جنيف.

لكن أحدهم أفاد بصدور تعليقات عنصرية عن بعض الحراس.

من الجانب الروسي، تدين الأمم المتحدة اللجوء إلى التعذيب المنهجي والإعدامات خارج نطاق القضاء بحق الأسرى الأوكرانيين.

ويقدّر "المركز الأوكراني لشؤون أسرى الحرب" أن 7% من المحتجزين أجانب، يتحدّرون من 40 بلدا مختلفا.

وبحسب المتحدث باسم المركز بيترو ياتسينكو، المتحدث باسم هذه المنظمة، "لا روسيا مهتمة بتبادلهم ولا بلدانهم الأصلية أيضا"، وقد يظلّون أسرى "لأشهر أو سنوات".

وعزيز واحد من القلائل الذين يرفضون التبادل خوفا من الانتقام. أما الآخرون فيعلّقون آمالهم على الخطة الأميركية لإنهاء النزاع والتي تنصّ على الإفراج الكامل عن الأسرى.

ويريد جوسيبي العودة إلى روسيا. وكذلك إريك "عندما قلت ذلك لأبي، شتمني مرة أخرى".

أما ويديويلا فيأمل من جهته أن يعود إلى سريلانكا ليجد عائلته هناك، رغم أن آماله تتضاءل. "ما جدوى حياة تشبه الموت أصلا؟...اشنقوني، اقتلوني! أنا مستعد لذلك".












كاريكاتير

إستطلاعات الرأي