«كتاب الغرفة» لعقل العويط: سيرة السقوط في الزمن

2026-01-24

صدر عن «دار نوفل» (أنطوان/هاشيت) في بيروت «كتاب الغرفة» للشاعر اللبناني عقل العويط. إنه كتابٌ ينبع من غرفة، وهو سيرةٌ روائيّةٌ شعريّةٌ يكتبها شاعرٌ في وداع غرفةٍ شيّدها وأثّثها كآدم بعد سقوطه من الجنّة. وهو كتابٌ يصنع جنّته الأدبيّة، فيما هو يستغرق في كتابة سيرةِ كائنٍ فردٍ يتفرّد في استحضار العالم والكون والكينونة إلى غرفةٍ وطاولةٍ للكتابة ومكتبةٍ وسريرٍ وسائر أشياء الحياة وكائناتها. وهو كتابُ سيرةِ جيلٍ لبنانيّ ولد في مطالع الخمسينيات من القرن العشرين. وهو كتابٌ عن لبنان الحلم والدم والحرب والمأساة والخراب. عن العزلة والوحدة والتقشّف والرضا. عن المرأة والحبّ والجنس والموت. عن الطفولة ورعونة الشباب. عن الألم والمرايا. عن الجامعة اللبنانيّة وكلّيّة التربية وحركة الوعي ولبنانها الذي جعله السلاح والقتل مستحيلا. عن القهوة وفنجان القهوة الصباحيّ. عن الكتب والمكتبة والموسيقى والرسوم. عن الليل وبيروت ورأس بيروت والصحافة و»النهار» و»ملحق النهار» الثقافيّ واللغة العربية.
عندما بدأ المؤلّف كتابةَ هذا النصّ، حيث العيشُ والمكتب والكتاب والمكتبة والسرير والشرفة البحريّة، والذات والعالَم والأنا والآخر، كانت الغرفة هي جسده وكيانه ومتّكأه وبطلته. لم يخطر في باله أنّه قد يتوغّل في ما يشبه «الانهيار الثلجيّ» الذي تتدفّق معه فصولٌ وملامحُ من لغته وأسلوبه وأناه، وذكرياتِ حياته والحوادث والأزمنة والأمكنة، والتأمّلات والتداعيات والاستدعاءات والخواطر والمشاعر.
حالةٌ في الكتابة توازي انكشافَ فجوةٍ غائرةٍ في الكيان، في الزمن، في تأليف اللغة، وقد طفتْ بجموحٍ على السطح.
اكتشف الكاتب أنّ التسلّق الثلجيّ لا يتوقّف، وأنّ السيل الكتابيّ يجرف في مساره الحالات والاستذكارات نحو نوعٍ من الانسياب السرديّ الصوفيّ الأليف، حيث لا فوضى، بل اجتماعٌ استحضاريٌّ، قوامُهُ الوئامُ والمكاشفةُ والرحابةُ والتضامنُ والاتّحادُ القلبيُّ ـ العقليُّ ـ اللغويُّ ـ الأسلوبيّ.
كاجتماعِ الذاتِ مع الذات. كانضمامها على نفسها، بما فيها من متناقضاتٍ وندوبٍ وكسورٍ، وأملٍ وحبٍّ وعدمٍ ويأسٍ، وعيشٍ وموتٍ ورفضٍ للموت. كانضمامِ وقائعَ وحوادثَ وإخوةٍ وأخواتٍ وأحبابٍ، من أزمنةٍ وأمكنةٍ وأعمارٍ وحالاتٍ مختلفة، حول مائدة البيت، وهي مائدة الغرفة. حصل ذلك كما في زمنٍ واحدٍ تتداخل فيه الأزمنة، ويتواءم فيه الليل والنهار، ويتكاثف اختلاطهما، حدّ الإحساس بأنّ التدفّق يحصل في لحظةٍ واحدةٍ، حيث الحاضر والماضي معاً، وحيث ينغمس الماضي والحاضر في الآن نفسه، وفي الإناء نفسه. وقد استنتج الكاتب بعد أشهرٍ كتابيّةٍ متلاحقةٍ من صيف 2016 وخريفه، أنّ ما ظنّه، بدايةً، محضَ فصلٍ أو مقطع، هو في حقيقته شيءٌ من حالةٍ سرديّةٍ، من سيرةٍ، من نصٍّ مفتوحٍ، ومن كتاب. لذا، رأى أنّه يجوز استدخالُ نصوصٍ متوائمةٍ أخرى فيه، كُتِبتْ في مراحل لاحقة.
وهذا ما كان. عندما قرأتْ مخطوطتَه امرأةُ المدفأة والنبيذ والجبنة الفرنسيّة قالت، إنّه نصٌّ مفتوح، بل سيرةٌ، سيرةٌ ذاتيّة، أو بعضُ محطّاتٍ وشذراتٍ منها، بما فيها من أزمنةٍ متداخلةٍ ومتنامية، وتأمّلاتٍ وجوديّة، على هوى السرد الروائيّ .
الآن، ماذا يسمّي الكاتب هذه الحالة الكتابيّة؟ نصّا مفتوحا؟ سردا متداخلَ الأزمنة؟ سيرةً ذاتيّة؟ أم أوانيَ مستطرقة؟
أهو كتابُ الغرفة؟ أهو سيرتُها؟ أم بعضُ لغته وأسلوبه وعمره وسيرته؟
إنه كتاب الكائن البشريّ، وهو نصٌّ، كعشاءٍ سرّيٍّ ليس فيه خائنٌ. من باب الاصطلاح والتجاوز، رأيناه يسمّيه «كتاب الغرفة». إنه كتاب الكائن البشريّ وسيرة سقوطه في الزمن «مثلما يسري رحيق المطلق في الهنيهة» الشعريّة والروائيّة.












كاريكاتير

إستطلاعات الرأي