رواية «بنات 6 أبريل» والتوازي السردي

2023-06-01

عايدي علي جمعة

تعتمد رواية «بنات 6 أبريل» للروائي المصري أحمد عبده تقنية التوازي السردي، حيث نرى فيها مكونين سرديين يتوازيان في السرد منذ بدايتها وحتى نهايتها، وكأنهما يمثلان الصوت والصدى.

المكون السردي الأول هو حكاية السلحفاة، التي تقصها أبلة فضيلة على الأطفال، والمكون السردي الثاني هو المتن الأساسي للرواية، والذي يتفاعل مع حركة 6 أبريل المشهورة في أحداث ثورة يناير/كانون الثاني المصرية.

وتبدو في البنية السردية الأولى ثيمة «الحدوتة» وهي ثيمة أصيلة في الوجدان الجماعي، ويبدو فيها الصوت المتكلم منتميا للمرأة، وهي هنا أبلة فضيلة ذات الشهرة الكبيرة بصوتها في الإذاعة المصرية، وهي هنا المخاطِب، في حضور مخاطَبين، ينتمون لمرحلة عمرية معينة هي مرحلة الطفولة. وهؤلاء المخاطَبون رغم وجودهم ـ حيث تتوجه لهم أبلة فضيلة بالخطاب من خلال كلمتها الشهيرة «ياحبايبي يا حلوين» ـ صامتون.

يبدو المكون الحكائي لهذه البنية من خلال السلحفاة الموجودة في قصر الحاكم، الذي يخبره أحد تابعيه بأنها تعيش عمرا طويلا جدا يصل لمئات الأعوام، فيخبره الحاكم بأنه ينتظر صحة زعمه، ما يشير إلى طول الفترة الزمنية التي يقضيها الحاكم في الحكم، لكن في النهاية يموت الحاكم وتموت السلحفاة، لكنها تنجب خمس سلاحف، ما يرمز بطريقة ما إلى فناء الحاكم وبقاء الشعب.

هذه الحكاية التي تحكيها أبلة فضيلة تأتي في بداية كل فصل، ويتم تقطيعها عبر الفصول، وهي تأخذ مساحة بسيطة جدا في بداية كل فصل، قد تصل هذه المساحة لبضعة سطور، تأتي دائما في الأول قبل سرد المتن الأساسي للرواية المرصود لبنات 6 أبريل. تتميز هذه البنية الحكائية بالبساطة وحضور الحيوان فيها متمثلا هنا في السلحفاة، والخطية حيث لها بداية ووسط ونهاية، وتسجل العبرة والموعظة حضورا حقيقيا فيها، ويحدث فيها نوع من الرضا لأن الخير هو الذي ينتصر في النهاية، والبنية السردية فيها هي المهيمنة في مقابل انحسار البنية الحوارية، وفيها عنصر التشويق، بما يتواءم مع سرد «الحدوتة» الموجهة للأطفال. والشخصية المحورية فيها هي السلحفاة، وهي شخصية حيوانية، لكنها في بعض سطور السرد تكتسب صفات إنسانية، وتتحول إلى رمز له فاعليته في البناء السردي. كما ان المكان في هذه الحكاية يتمثل في قصر الحاكم، وهو مكان صنعته يد البشر، ويمثل علامة دالة من علامات السلطة الحاكمة.

أما المكون السردي الثاني الذي يمثل المتن الكبير للرواية، فهو مخصص لبنات 6 أبريل، وفيه يتم التفاعل مع جانب كبير مما حدث في ثورة يناير المصرية، وإذا كان السرد قد جاء في المكون السردي الأول على لسان امرأة، هي أبلة فضيلة، فإن السرد في هذا المكون السردي الثاني يأتي أيضا على لسان امرأة، هي إحدى فتيات 6 أبريل، وإذا كانت الساردة في المكون السردي الأول هي ساردة غير مشاركة، تتخذ من الضمير الثالث/ هو في حالته الفردية نسقا معتمدا، فإن الساردة في المكون السردي الثاني تتخذ من الضمير الأول/ أنا في حالته الفردية نسقا معتمدا، فهي ساردة مشاركة في الكتلة المحورية للسرد. ومن هنا فإن السرد على لسان امرأة لا شك له دور في عملية التشكيل السردي وجعلها تتواءم مع طبيعة سرد المرأة. والملاحظ على الكتلتين السرديتين المحوريتين في الرواية هو عدم تساويهما من ناحية الكم، حيث وجدنا البنية السردية الأولى التي تحكيها أبلة فضيلة أقل بكثير جدا من البنية السردية الثانية التي تحكيها إحدى بنات 6 أبريل. وكأن البنية السردية الأولى قد مثلت الصدى البعيد للبنية السردية الثانية، ويشير ذلك ـ في الوقت نفسه ـ إلى طموح الذات الساردة في أسطرة وقائع شهيرة، من أحداث ثورة الخامس والعشرين من يناير المصرية، وجعلها تكتسب قدرات حكائية تصل بها إلى درجة «الحدوتة» التي تروى ويتوارثها الأجيال جيلا بعد جيل. وقد هيمنت البنية الحوارية على المكون السردي للبنية السردية الثانية، حيث تسجل حضورا كبيرا، ونجد غلبة الجانب التسجيلي، فالقارئ الذي عايش هذه الفترة وسمع عنها، يعرف الكثير مما تناولته الرواية، مثل موضوع الكشف على العذرية، وموضوع تلقي أموال من الخارج، وموضوع التخابر مع جهات أجنبية، دست أنفها في الواقع المصري بقوة في هذه الفترة. وكان لغلبة الحوار دور في عملية التبطيء الزمني للحدث المحوري، وهيمن الزمن الحاضر بقوة، لكن ذلك لم يمنع من اللعب بالزمن، حيث وجدنا حديثا عن أزمنة لم تحدث حتى الآن. وكان المكان المحوري هو الشارع مع وجود سرد متفاعل مع أمكنة أخرى مثل قصر الاتحادية وأقسام البوليس، ما كان له دور كبير في عملية التمثيل السردي للعالم، حيث سجل الشارع حضورا كثيفا في أحداث ثورة الخامس والعشرين من يناير المصرية.

وبالنظر إلى خصائص الشارع باعتباره المكان المحوري في هذه الرواية، فإننا نجده مكانا عاما، صنعه البشر وسط تجمعاتهم السكنية من أجل تسهيل عملية الانتقال، لكن هنا تم استخدامه من أجل الاعتراض على الأوضاع غير المرضية للشعب في ذلك الوقت. وقد جاء المكان منتميا إلى المدينة، لا القرية، وهي هنا مدينة القاهرة، بما تمثله من زخم كبير وعراقة متأصلة. وتبدو مستويات اللغة بوضوح شديد في هذه الرواية، ويمكن الإشارة إلى مستوى سرد «الحدوتة» كما تمثل في سرد أبلة فضيلة، حيث تميزت اللغة بالبساطة الشديدة على مستوى المفردات والعلاقات اللغوية بينها، ما تواءم مع مستوى المتوجه إليهم بالخطاب، وهم هنا الأطفال «حبايبي الحلوين» على حد تعبير أبلة فضيلة. أما مستوى السرد في البنية السردية الثانية فهو يختلف عن سرد الحدوتة لأن المتوجه إليهم بالخطاب ليسوا أطفالا.

وهناك مستوى الحوار اللغوي في هذه الرواية، فقد كان معبرا عن الشخصيات واختلافها في القناعة والمنظور. ومن هنا فقد نهض التوازي السردي بين كتلتين سرديتين مختلفتين بدور فاعل في ظهور مستويات سردية مختلفة، وقام بدور فاعل في حضور تشكيلين رمزيين جعل المتلقي يعايشهما معا، وكأنهما الصوت وصداه.

أكاديمي مصري









كاريكاتير

إستطلاعات الرأي