من أي أصقاع أتى متقاتلو المدينة الواحدة؟

2023-05-16

حسن داوود

هو تاريخ لعائلة واحدة جمعته رواية رستم محمود ممتدّا على مدار أزمنة عاصفة وجغرافيا مضطربة. كان ذلك في السنوات التي بدأت مُسابِقةً الحرب العالمية الأولى ومهيّئة لها. في البداية، حيث فصْل الرواية الأوّل، نقرأ عن حملات التطهير والاقتلاع، التي تداخلت فيها دول وأقوام، حينا معتدين وحينا آخر ضحايا. كما أن الرواية، تبعا لذاك الزمن التطهيري تروي رحلات القوافل المقتلعة من مواطنها، مجموعات أولا، ثم فرادى إذ تُلازم فصول الرواية الثلاثة، شخصيات أضيف إلى مأساة اقتلاعها الجورَ الأهلي والعائلي، ذاك الذي يقع غالبا في باب حفظ الشرف. هكذا تنتهي رحلة عائلة الأجيال الثلاثة أو الأربعة بموت ابنة بيروز خانم مذبوحة بسكّين أبيها سروخان آغا، بعد انقضاء ثلاثة عشر عاما على هروبها حبلى من أحد العاملين في مضافته.

أما الجدة، وهي ما يحكيه الفصل الأول من الرواية، فكانت ضحية هي الأخرى، وإن تمكّنت من الهرب من تبعات الحمل الاغتصابي، كما من غزوات الأقوام التي جاءت لقتل كل من هو حي في بلدتها. فمع أن حملات القتل، التي نقرأها في الكتاب متبادَلة، تستهدف الجميع، إلا أن للنساء منها حصّة مزدوجة دائما. لا يُنسى مشهد ذهاب الشابة غزالة في إثر من ظنته حبيبها الأبكم والأصمّ، أو في إثر ظلّه إذ كان مرور ما ظنته طيفه سريعا في الليل المعتم. كان الطيف يسير وهي تسير وراءه، لا لمجرّد الالتقاء به، بل من أجل أن تهرب معه وبلا عودة. لكن الطيف لم يكن حبيبها، بل رجلا آخر لم يمهلها الوقت الكافي لتلّقي خيبتها، إذ سارع إلى اغتصابها، ما سيودي بها، على الفور، إلى أن تصير غريبة بين أهلها، ثم أن تهيّئ نفسها للهروب وعيش البؤس في مكان آخر.

رغم هذه المآسي الشخصية تظل رواية «جنوب قلعة بدليس» متنازعةً بين مصائر الأفراد ومصائر الجماعات، ذاك أنها لا تكتفي بأن تكون قسوة التاريخ والسياسة والحروب مجرّد خلفية لحياة أبطالها الأفراد، بل إن كل ما تميّز به ذاك الزمن حاضر هنا، بما يشبه التوثيق، أو التصويب أحيانا. في أحيان يبدو الكاتب رستم محمود داعيا إيانا إلى أن نعرف ما سبق اقتلاع الأرمن وحملة الإبادة التي تعرّضوا لها، على قاعدة أنه قبل حدوث الفعل، لا بدّ من أن فعلا آخر سبقه، خصوصا إن كان على ذاك القدر من الوحشية. ثم إن أسماء المدن والقرى، وكذلك السهول والجبال والأنهار، لا يتوقّف تعداد أسمائها. يبدو أحيانا وكأن ذكرها يتعدّى كونها محطّات في طريق قوافل المقتلعين، لتدلّ إلى أننا نقرأ عن تأريخ فعلي. ويمكن أيضا أن يذهب قارئ الرواية إلى استحضار تواريخ لتلك الأسماء قد عرفها أو سمع عنها من قبل، أعني من خارج الرواية.

في مقطع حواري تصف الرواية ما عانته إحدى بطلاتها، تقول: «مشيت على أنهار وجداول من الدماء. جيران ذبحوا جيرانهم القريبين، شركاء استولوا على أملاك شركائهم، أصدقاء هتكوا أعراض أقرب أصدقائهم، قرويّون هاجموا المدينة ونهبوا كل ما فيها، وأناس غيّروا أديانهم مقابل حصولهم على رغيف خبز، إلخ». وهؤلاء، المعتدون والمعتدى عليهم، كثيرون، ليس بما يتعلّق بأعدادهم، بل بتعدّد أصولهم وأديانهم، عما في إحدى هذه المدن، نقرأ: «كانت مدينة ديار بكرعامرة بأنواع الناس كلهم، مسلمين ويهودا ومسيحيين وإيزيديين، أرمنا وسريانا وأكرادا» (وغجر أيضا حيث نقرأ فصلا عن تاريخ بقائهم أو نزوحهم، متصلا بأحداث الرواية). أما اللغات فالكردية والأرمنية والتركية والسريانية، إلى آخره أيضا. في مواضع عديدة من الرواية نقرأ تباعد الناس بسبب عدم فهمهم ما يسمعونه من كلام جيرانهم، كأن المكان الواحد هو خليط من أمكنة لخليط أقوام، وهؤلاء في تباعدهم في عيشهم، رغم ذلك الاختلاط، يدون، كما تنقل الرواية، وقد أنجزوا بتلك الفظائع مرحلة من مراحل انقلابهم على بعضهم بعضا. هنا تخالف الرواية الشائع من الكلام عن تعايش البشر وعما تتميز به المدن المختلطة، فباستثناء حالات فردية، بالغة الندرة، لا تعد تلك الجموع إلا بالتربص والاستعداد للانتقام من بعضها بعضا، بل ربما يُدعى القارئ إلى اعتبار أن هؤلاء الكثيرين الذين جمعهم مكان واحد كانوا قد أتوا هاربين من مجازر عديدة سبقت، وها هم يهيّئون للاستمرار في ما كان سبق من تاريخهم.

«جنوب قلعة بدليس» رواية مأساوية وملحمية معا. ذاك أن مأساة بشرها تتكرّر جيلا بعد جيل، وكذلك تتكرّر مواقع إقاماتهم في الحقبة الطويلة التي عاش فيها الأبناء والأحفاد. كما أنها، لملحميتها، تحرص على نقل التاريخ كاملا وإضفاء الظل المأساوي على كل ما جرى فيه.

«صدرت رواية رستم محمود «جنوب قلعة بدليس» عن دار «المتوسط» في 271 صفحة لسنة 2022

كاتب لبناني








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي