في ديوان «تفاح»: المعرفة الشعرية المحلِّقة في فضاء الضوء

2023-04-11

عبد المجيد زراقط

في العنوان «تفَّاح» للشاعر اللبناني سلمان زين الدين، دالٌّ ينطق بمدلولات منها: التفاح أقدم الفواكه وأشهرها، وهو رمز الغواية والجمال، كما جاء في الأساطير القديمة، وهو، في «سفر التكوين» رمز للإغراء وخرق المحرَّم، في سبيل المعرفة والخلود، ما أفضى إلى سقوط اَدم في الخطيئة، نتيجة إغراء حواء له، وفقده جنته التي ما زال يسعى للعودة إليها منذ أهبطه الله، تعالى، إلى الأرض. لكنَّ القراَن الكريم يقرِّر أنَّ الشيطان هو الذي أزلّ الزوجين، (فأخرجهما ممَّا كانا فيه. وقلنا: اهبطوا بعضكم لبعضٍ عدوٌّ، ولكم في الأرض مستقرٌّ ومتاعٌ إلى حين) ( البقرة 35 و36).

في المتن، تتمخّض القصائد عن دور فاعل للمرأة، يعكس سعي الانسان إلى تعويض فقده، فنقرأ، على سبيل المثال: «فالغادة الحسناء، عندي نعمة/ ترقى إلى حور الجنان/ وأنا أحدِّث بالنِّعم» « لولا الحسان/ يضعن لمسات الحنان / على الجراحات التي ترك الزمان/ على قميص الروح/ لاستعصى القميص على الشفاء» «وتبقين أنتِ فراشة قلبي» «ليديها لمسة سحرية / تمتصُّ إشعاع الصداع». إن استخدمنا مصطلحات المنهج السردي، في قراءة قصة الإنسان، في سعيه إلى تعويض فقده، نرى أن المرأة هذه تؤدِّي دور العامل المساعد، كما تفيد الاقتباسات اَنفة الذكر، فهل هذه هي طبيعة حواء، وتالياً لا دور لها في قصة الإغراء، إنما الدور كان دور الشيطان والأفعى، أو أنها تغيرت، فبدلاً من أن تكون العامل الذات الهادف إلى تحصيل المعرفة والخلود، غدت عاملاً مساعداً، وراحت تسعى هي والرجل إلى تعويض الفقد؟

هو ذا الشعر يثير الأسئلة والفضول المعرفي لدى المتلقي، ويترك الإجابات له. ويبدو أنَّ الفاعلية: العامل الذات، في هذه المجموعة الشعرية، للشعر، والشاعر عامل مساعد، فهو، كما يقول، في قصيدة «شعر» يلبِّي دعوة الشعر، في المرة الأولى، عندما يناديه إلى زرق القناديل، وفي المرة الثانية إلى التطواف، وفي المرة الثالثة « تفاحه البرِّيِّ يدعوني/ ويغريني». ويحدث، من زمان، أن يطلق الشعر براكينه، ويوقظ من النوم ينابيعه. تكرار الدعوة وتلبيتها دالٌّ يؤكِّد رؤية الشاعر إلى عملية إبداع الشعر، فهو «سقوط من جوِّ السماء» أو من «شياطين الشعر» أو من اَلهته. يقول امرؤ القيس: «تُخيِّرني الجنُّ أشعارها / فما شئت من شعرهنَّ اصطفيت» ويقول سلمان زين الدين إنَّ الشعر يدعوه فيُلبِّي، ويحلِّق في فضاء الضوء، ويطوف حول الشعلة الزرقاء، لعلَّه يسرق النار التي تصنع فردوس القصيدة، والملاحظ أن كلمة «فردوس» تتكرر كثيراً في هذه المجموعة، ما يشير إلى الرغبة فيها لتقيه هجير الحياة، كما سوف نرى في ما بعد. ويواصل الطواف لعلَّه يقطف الدرَّة بكراً وخريدة.

يحيل التطواف إلى الطواف الذي يعيد الإنسان طاهراً، وهو الإنسان الذي تحكي حكايته الأسطورة التي يوظفها في قصيدته، وهي أسطورة «سارق النار = بروميثيوس» . هذا الإنسان الشاعر يريد الشعر منه أن يقطف «تفَّاحه البرِّيَّ» فكأنَّ الشعر، هنا، يؤدِّي دور الإغراء على تحصيل ما يرمز إليه التفاح البرِّي، وهو المعرفة الشعرية المحلِّقة في فضاء الضوء/ الكشف، والمحقِّقة المتعة الجمالية، والمحلِّية للعيش، وجاعلته محتملاً، فهو يقول، في قصيدة « لولا»: « لولا اللغات / نصبُّ فيها ما يفيض / من المشاعر عن إناء القلب / لانكسر الإناء» فهل ما يفيض هو الشعر، وهو الذي يدعوه، فيلبِّي؟ وهو إنما يلبِّي كي لا ينكسر الإناء/ القلب؟ والقلب دليله، عندما يشتبه الدرب على عقله، وهو، في هذا المنحى عرفانيٌّ، فالمعرفة، كما يقول العرفاني: «نور قذفه الله في قلبي». وليس الشعر وحده ما يحقق ذلك، وإنما كلُّ ما يفيض من الإناء: الفنون والجمال البكر والحبّ، فدون هذا كله تخلو الحياة من المسرات. لهذا، فهو يقول: «حسبنا من هذه الدنيا/ ضياء يدهش العين / وصوت يطرب القلب/ وأفقٌ / وجناح «، «والمتاع السقط ما كان لينحو نحو حلمي».

وإذ يجري الشاعر وحيداً، في مهبِّ الريح، ويرتكب الحياة بمعزل عما يُدبَّر للقطيع، في تكرار هو تكرار صياح الديك، ولأنَّ الحياة بلا موت ليست «سوى سجنٍ كبير/ يقتضي الحكم المؤبَّد بالحياة» في تناصٍّ مع أسطورة «أورورا وتيثونوس» الدالَّة على الشكوى من الخلود وتمنِّي الموت، يرى أنَّه، في هذه الحياة، الصَّيد وليس الصياد. وإذ يدرك زين الدين هذا الواقع، يسعى إلى الخروج منه، فيحلم بعالمٍ اَخر مثالي، ينسى فيه ظلم ذوي القربى، وطغيان أولي الأمر، «وما ينبت من مرعى/ على دمنة أعداء النجاح». تحكي شهرزاد حكاية هذا الحلم، وحين تسكت، وينهض الشاعر من أحلامه، ويرى الواقع يتمنى «لو يطيل الليل مسراه/ ولو لم يدرك القوم الصباح». شهرزاد الحلم لا تروِّض شهريار الواقع/ الحياة، فيتمنى الشاعر أن يكون الزمن زمنها. في هذه القصيدة توظيف شهرزاد الحكاية، وفيها تناصٌّ مع الشعر العربي القديم، فما ينبت من مرعى على دمن، يحيل إلى قول زفر بن الحارث الكلابي: «وقد ينبت المرعى على دمن الثرى / وتبقى حزازات النفوس كما هي» وفيها إيقاع القافية:»اح «، وهذا الإيقاع يتكرر في قصائد المجموعة الأخرى: «احي، نان، را، ان، وان، ما، اَى…» ، ما يشكل وحدة إيقاعية جمالية ، تمثل حال الأنا الشاعرة الناطقة بنداء الأنا التي يتكرر ضميرها كثيرا «اَه» والراغبة في الخروج من هذا العالم إلى «أندلس العمر» الشباب، وإلى البواكير: عالم الطفولة، فيحيا مع ذكرياته، ويغسل روحه الظمأى بماء تلك الذكريات، فيعود طفلاً يألف أشياءه، كما تفيد قصيدة «سيارة».

بنية القصائد مقطعية، وقافيتها كذلك، ما يشكل نسقاً إيقاعياً أشرنا إليه اَنفاً يتعاضد وتنغيم يتكرر، ما يشكل بنية شعر تفعيلي مموسقة، هي في كثيرٍ من القصائد سردية، ما يغني الشعر العربي المعاصر بشعرٍ سرديٍّ معاصر متميِّز بشعريته، وبرؤى الوجد إلى الوجود. الملاحظ، في القصائد التي نُظمت في عام 2020، أي بعد تغيُّر الواقع المعيش في لبنان إلى الأسوأ، هيمنة الفقد فيها، فنقرأ، على سبيل المثال: «لم يعد لي صديق سوى الكلمات أفيء إليها» ونعرف أهمية هذا الفقد لمن يرى أنَّ رفيق الطريق أهم من المغريات التي تتدفَّق بين ضفاف الطريق.

وهو، في الختام، مذ يدعوه الشعر إلى عرسه، يغرس أشجار شعره/ عمره، ويفيء إليها، فتقي مهجته من هجير المكان وقرِّ الزمان…. هو ذا دور الشعر الذي يناديه، فيلبِّي نداءه.

كاتب لبناني








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي