«الهبوط إلى برج القوس» لحاتم الصكر: محاولة البحث عن خلاص

2023-04-01

ناظم ناصر القريشي

«كل الفنون هي سير ذاتية، واللؤلؤة هي السيرة الذاتية للمحارة» فيدريكو فيلليني.

هل الشعر هو نشوة الحضور في الحياة ذاتها؟ أم هو بعد آخر نحيا فيه بنشوة الشعر؟ في محاولة لتجسيد الحياة كفكرة في فن الشعر، نتبع كلمات الشاعر حاتم الصكر في زمن مضى، لكن هي أمامنا الآن في مضارع ديوانه (الهبوط إلى برج القوس) الصادر عن دار أرومة للدراسات والترجمة والنشر عام 2020، فالشعر هو الآن، ولهذا فإن هذا الديوان في فكرته الأسمى هو للتأمل، فهو أشبه بفيلم «شجرة الحياة» للمخرج تيرانس ماليك، وربما تراوده بعض خواطر الزمن من أوديسا الفضاء، فالشاعر حاتم الصكر يبدأ في إيراد متسعات أدبيه دالة، كأنه يؤكد فكرة آمن بها سابقاً، فهذا التكثيف الفكري المتسع في صيغة الشعر، بصوره المتوالية، وأفكاره المتوازية، كأنه قوه سحرية تستدعي روح الشعر، أو تعويذة ألقيت على الكلمات، سنراها تنمو وتتمرد وتتوسع وتتشكل في قصائد الديوان.

العنوان

في البدء سنجد أن العنوان الذي هو بوابة الديوان، ولا نقول عتبته، هو ابتكار لحركة الفعل السينمائي في الشعر تصاحبه الموسيقى التصويرية المساندة لفعل الهبوط، الذي يمكنه إحداث نص أو أداء لحياة مقبلة، فالشاعر استخدم الأداء الصوتي للكلمات والحركي للصورة الشعرية، وهذا ما يجعل المتلقي يتنبأ بما سيحدث أثناء الهبوط وبعده، وهذا ما تولده هذه الموسيقى، التي يسيطر عليها الإيقاع الجليل كأنه صادر من أعماق بعد آخر، فجملة العنوان احتوت مسارات الموسيقى في تفاصيلها الصغيرة.

سيرة ذاتية للشعر

يبدأ الشاعر بعد ذلك في كتابة سيناريو الحياة تحت تأثير نشوة الشعر وإلهامه، باستحضار شخصياته الأثيرة، فيكتب عنهم أو لهم بهندسة نقدية هي دائما في تماس مع الشعر، فيتمثل حضورهم البليغ والأثير بحيوية، وعبر هذا الحضور الأيوني (والشعر هو الحالة الأيونية للكلمات) انطوت وتجلّت متوالية أفكار الشاعر الدرامية المليئة بالشعر والإنسانية والعمق العاطفي، وسنرى أفكارا أخرى موازية لهذه الفكرة في بورتريهاته التي سيرسمها لاحقاً بصيغة الشعر، وسنجد أن الشاعر وعمله قد اندمجا في الرؤيا، فيرتل الغياب في مقام الحضور، فتتوهج شجرة الشعر وتورق تمرداً قلقا، فيكتب عن المتنبي، والمتمرد رامبو، والمبتكر السياب، والمتحول أدونيس، وعبد العزيز المقالح، وأمجد ناصر، وحسب الشيخ جعفر، فيقول الشاعر في نص المتنبي من قصيدة أفعال وأسماء:

(المتنبي)

«الشعر

كتابك إلى هذا العالم

عابراً فضاءه (على قلق) وفوق حصان الريح-

ملوكه يحاصرون خطاك

ونساؤه

وشعراؤه

وصيارفته

أكنتَ – في طفولةِ اللهب تسوِّي من طين الفرات أحلاماً-

ثم تسقيها دماً ودمعاً»

جلجامش الذي لا يغيب

وعبر مشاهد ملحمية يدون الشاعر عذابه السومري ولهفته للارتواء، وهذا العذاب الذي سيسري ويتكرر بين الفواصل والصور، كأنه موسيقى لروحه وما يذهب إليه فيض الكلام، فأيامه كالحصى وجسده ليس فيه متسع لجرح، ثم تبزغ هذه الصورة السريالية المرعبة، التي جسدت قساوة الواقع ومزجت التشبيه بالاستعارة في مجاز من اللهاث والموت، فالطائرات تعوي كذئاب جائعة، فيلجأ إلى جلجامش وملحمته التي هي كاقتران السر بحجب المثال، فيقتسم معه أرغفة الخبز المتيبسة، وحين يستيقظ، يجد أن الحية قد سرقت عشبته، فهل هو قدره المكتوب عليه دوما، ولا يزال في تكرار تراجيدي لدائرة الحياة، فكأنما ما حدث سابقا يحدث الآن، ربما كانت الحية في الملحمة الأولى حقيقيه لكنها في الملحمة الثانية هي رمز يوحي إلى ما يوحي إليه، فيقول الشاعر في قصيدة المعذب السومري:

«إنه لم يمت عطشاً

لكنه لم يرتو بعد

أيامه كالحصى

وجسده ليس فيه متسع لجرح

يلجأ إلى زقورة أور

تلاحقه الطائرات (الحليفة)

تعوي كذئاب جائعة

يغفو

فيقتسم مع جلجامش أرغفة الخبز المتيبسة

وإذ يستيقظ

يجد الحية قد سرقت عشبته».

فن التشكيل الشعري

ثم يبدأ الصكر بتحويل النسقِ الشعري إلى الفن التشكيلي، ويتمثل فكرة الرسم، فيرسم بورتريهات شعرية بلغة تشكيلية، وسترافقها الموسيقى أيضا كالحلم الممتد على قوس الكمان، ليهبط نغمات على رقة مفاتيح العاج الأبيض في البيانو، وليمرر الفكرة إلى المفاتيح السوداء بنشوة الحضور وانتشاء النغمات التي تتصاعد كهوامش على حاشية المعنى، بينما الشاعر مستغرق في تشكيله، فالكمان يتكلم عن الحلم، والبيانو يحقق حضوره في الكلمات، هكذا تنمو الموسيقى كشجرة من الأحلام عسى أن تتحقق وهي تمر عبر الكلمات التي رسمت البورتريهات، ففي اللوحة الأولى يرسم الشاعر حزن المرأة على بعلها، وهي تحوك صوف الانتظار، ونظراتها في الريح ومع الريح تمضي موسيقى الصمت الحزين، وفي اللوحة الثانية يكتب عن وإلى الشاعر عبد الرزاق الربيعي، فيرسم خُطى جلجامش الباحث عن الخلود، وهو يعبر نهراً لا مرئياً يجري في صحراء وحدته:

خُطى جلجامش

(إلى الشاعر: عبد الرزاق الربيعي.. وعنه)

«إذ يمشي

يتخيل أنه يعبر نهراً لا مرئياً

بخطى جلجامش المضاعفة

ولحيته العنكبوتية تؤطر وجهه الحزين

تنيرها في الليل قصيدة

يلم في أول الصباح

رمادها، عن البساط الوحيد في غرفته

فتصعد بصعوبة بالغة إلى فمه المحاصر

بالحزن وسواد لحيته الكثة

فيضيع نصفها في الطريق إلى قامته

ويمشي متوقياً أسماكاً ميتة

في نهر لا مرئي يجري في صحراء وحدته».

وفي قصيدة موت معلم العربية، وهي الجزء الثاني من المراثي اللابثة في فضاء النص، سنجد أن الشاعر استعاد مشاعره تحت الانطباعات القوية للوحات بيكاسو في مرحلته الزرقاء، فهو إدارة المشهد بتصدير شعور الضيق، والقلق، والتوتر والحزن، واكتشاف فكرة الشعور بالموت التي طورها على شكل الكلمات مرسومة في القصيدة، فهي رغم بساطتها لكنها حادة وقاسية، وكل ما بقي منها كان صدى لحياة مرة قبل لحظات كما يشير إلى ذلك الحِس المرافق للكلمات وهنا تصبح القصيدة أكثر قتامة، يغلفها اللون الأزرق، وترافقها موسيقى زرقاء لعازف قيثار عجوز:

.. الرجل

مات

يداه (مضمومتان)

وقامته (منصوبة)

ورجلاه (مكسورتان)

أما القلب

فكان (ساكناً)

مقيداً إلى قفصه الصدري..

في المساء

القبر وحده كان (مفتوحاً)

وكل شيء

خلف نقطة النهاية..

(ساكن) بلا حراك

ابتكار الميثولوجيا

وفي قصيدة «الهبوط إلى برج القوس» سنجد هذا التحول والولوج، من الفراغ إلى التكوين ثم الوجود فعلاً وشكلاً، ربما الشاعر يؤمن بالأساطير فابتكر ميثولوجيا مختزلة ومكثفة، وأدرك المستحدث من فتنتها وجعل منها حيزاً للحكاية، تحكي فرضية نشأته، مع تأثير عاطفي ودرامي يتلاءم مع الدخول إلى المجهول في الحياة، فالحياة مخيفة وغريبة، لكنها مليئة بالأشياء، فلكل شخص أسطورته، وهذه هي الشيفرة الشعرية الساحرة والآسرة التي استودعها الشاعر في قصيدته، وكثّف بها المعاني، كأنها تكرار لا ينتهي فهي العودة إلى ميلادي مرة أخرى:

الهبوط.. إلى برج القوس

(إلى ميلادي مرة أخرى)

صباحاً طلعتُ

متشبثاً بمشيمة فلاّحة

هبطت بها من بغداد

الباصات الخشبية

وقحط المزارع

والجراد

على حدّ عام يحتضر

كما لو كنتُ أنتظر صمت المدافع

وانتصاف القرن

واكتمال الأولاد الخمسة

قبل أن يصبحوا دزينة فقراء

هكذا

والمطر يغرق الشوارع

ويزيد كانون الأول برداً وشحوباً

طلعت صباحاً

نحيفاً.. كعصفور شوكي

لأسكن برج القوس المكسور دائماً

لكن.. أمام الصفوف

في طوابير الصباح المعذّب بالنعاس والجوع

والبرد

ويختتم الشاعر حاتم الصكر ديوانه «الهبوط إلى برج القوس» كما بدأه بمتسعات أدبيه دالة أيضاً، وبيان ختامي يؤكد فيه أن الشعر هو ترميم للحياة. ورغم إن الشاعر في هذه المجموعة ممتلئ دون شك بالألم والشعور بالفقد، فإنه خاض الشعر والحياة بقدسية المحارب الباحث عن سر الأسرار، فرفع جملته الشعرية عالياً للبحث عن الخلاص، وهو يرقب هذا الكون.

كاتب عراقي








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي